خطبة جمعة بعنوان:【 التحذير من الظلم وشؤم الظالمين】 لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
في هذه الخطبة يحذّر فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري من الظلم. والظلم من أخطر الذنوب أثرًا في حياة الفرد والمجتمع، وهو سبب لهلاك الأمم وخراب الديار وزوال النعم. لذلك حرّمه الله تعالى على نفسه وجعله بين عباده محرّمًا، وتوعّد أهله بالعقوبة العاجلة في الدنيا والعذاب الآجل في الآخرة.
تبدأ الخطبة بالحمد والثناء والوصية بتقوى الله، وتذكّر بأن الإنسان سيرى كل ما عمل، صغيرًا كان أو كبيرًا. ثم تتناول حقيقة الظلم وصوره، وتعرض ما يجرّه على صاحبه وعلى المجتمع من شؤم، وتبيّن ما يجب على المسلم تجاه الظالم والمظلوم.
والهدف أن يعرف المشاهد خطورة الظلم بكل صوره، وأن يحاسب نفسه في حقوق الله وحقوق العباد، وأن يبادر إلى ردّ المظالم والتوبة قبل يوم لا ينفع فيه دينار ولا درهم.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: حقيقة الظلم وتحريمه
الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه ومجاوزة الحدّ. وقد حرّمه الله تعالى تحريمًا قاطعًا، وبدأ بنفسه سبحانه فنزّهها عنه، ليبيّن لعباده شناعته. فقال في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» (رواه مسلم).
والظلم ثلاثة أنواع:
- ظلم العبد لربه بالشرك: وهو أعظمه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13].
- ظلم العبد لنفسه: بالمعاصي والذنوب.
- ظلم العبد لغيره: في الدماء والأموال والأعراض. وهذا لا يغفره الله حتى يُردّ الحق إلى صاحبه أو يعفو عنه.
وقد قال النبي ﷺ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (رواه مسلم).
المحور الثاني: شؤم الظالمين وعاقبتهم في الدنيا
للظلم شؤم يلاحق صاحبه، ويمتد أثره إلى البلاد والعباد. فما فشا الظلم في قوم إلا نُزعت منهم البركة، وحلّت بهم العقوبات، وتسلّط عليهم الأعداء. قال تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل: 52].
والله يُمهل الظالم ولا يُهمله. قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، ثم قرأ: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102] (متفق عليه).
وما يصيب الناس من عقوبة إنما هو بما كسبت أيديهم. قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [هود: 101].
المحور الثالث: مصير الظالمين يوم القيامة
لا يظنّ الظالم أن الله غافل عنه إذا تأخرت عقوبته في الدنيا، فإن موعده يوم عظيم. قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: 42]. وقال سبحانه: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227].
وفي ذلك اليوم يُقتصّ للمظلوم من حسنات ظالمه، فإن فنيت حسناته أُخذ من سيئات المظلوم فطُرحت عليه. وهذا هو المفلس الحقيقي كما في حديث النبي ﷺ. ولذلك أوصى ﷺ بالتحلّل من المظالم في الدنيا، فقال: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ» (رواه البخاري).
والجزاء يومئذ دقيق لا يُغادر صغيرة ولا كبيرة. قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8].
المحور الرابع: واجب المسلم تجاه الظلم والظالمين
لا يجوز للمسلم أن يركن إلى الظالمين أو يعينهم على ظلمهم أو يرضى بفعلهم. قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113].
وعليه أن يأخذ على يد الظالم بقدر استطاعته، وفق الضوابط الشرعية. فإن ذلك نصرة له. قال النبي ﷺ: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا»، فلما سُئل كيف ينصره ظالمًا قال: «تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ» (رواه البخاري).
وليحذر المسلم من دعوة المظلوم، فإنها سهم لا يخطئ. قال ﷺ: «وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ» (متفق عليه). وعلى الجميع أن يلجؤوا إلى الله بالتوبة والاستغفار والدعاء أن يرفع الظلم عن البلاد والعباد.
النقاط الرئيسية
- حرّم الله الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرّمًا.
- أعظم الظلم الشرك بالله، ثم ظلم العبد لنفسه بالمعاصي، ثم ظلمه للناس في حقوقهم.
- الظلم ظلمات يوم القيامة، وسبب لخراب الديار وزوال النعم في الدنيا.
- يُمهل الله الظالم ولا يُهمله، فإذا أخذه لم يُفلته.
- حقوق العباد لا تسقط إلا بردّها أو بعفو أصحابها، والقصاص يوم القيامة يكون بالحسنات والسيئات.
- دعوة المظلوم مستجابة ليس بينها وبين الله حجاب.
- الركون إلى الظالمين وإعانتهم سبب لمسّ النار، ونصرة الظالم تكون بمنعه من ظلمه.
الفوائد والعبر
- أن تحاسب نفسك كل يوم: هل ظلمت أحدًا بقول أو فعل أو أكل حق؟ ثم تبادر إلى التحلّل منه قبل فوات الأوان.
- أن تتجنب الظلم في الدوائر القريبة: مع الزوجة والأولاد والعمال والجيران، لأنها أكثر المواضع التي يقع فيها الظلم دون انتباه.
- أن يزيدك تأخّر عقوبة الظالمين يقينًا بعدل الله وحكمته، لا أن يغرّك أو يقنّطك.
- ألا تعين ظالمًا ولو بكلمة أو سكوت عن حق، وأن تنصح بالحكمة والضوابط الشرعية.
- أن تُكثر من التوبة والاستغفار والدعاء بصلاح الأحوال، فإن رفع الظلم عن المجتمعات يبدأ بإصلاح النفوس.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات