خطبة جمعة بعنوان:【الحج عظات وعبر 】 لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذه خطبة جمعة بعنوان «الحج عظات وعبر» لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري، وهي ضمن «سلسلة خطب الجمعة 2». لا يقتصر الشيخ فيها على أحكام المناسك، بل يرى الحج مدرسة كبيرة يتعلم منها المسلم معاني التوحيد واتباع النبي صلى الله عليه وسلم والوسطية في الدين والزهد في الدنيا ووحدة الأمة.
يبدأ الشيخ بحديث فرض الحج، ويبيّن منه يسر الشريعة ورحمتها. ثم يقرر أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الميزان الأكبر الذي تُعرض عليه الأقوال والأفعال، فما وافق هديه فهو الحق وما خالفه فهو الباطل. ويحذّر من الغلو والتفريط، ومن أهل الكذب والجدل الذين يلبّسون الحق بالباطل.
والغاية من هذه الخطبة أن يفهم المشاهد معنى الوسطية الشرعية، وأن يعرف حقيقة التلبية والعبودية لله وحده، وأن يرى في مشاعر الحج دروسًا عملية في الاتباع والتسليم وترك التعلق بالدنيا.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: فرض الحج ويسر الشريعة
يبدأ الشيخ بحديث فرض الحج. فقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم الناس وأخبرهم أن الله فرض عليهم الحج، فسأله رجل: أفي كل عام؟ فسكت حتى أعادها ثلاثًا، ثم بيّن أنه لو قال: نعم، لوجبت ولما استطاعوا. ويرى الشيخ في هذا الحديث دليلًا على أن الشريعة قامت على التيسير ورفع الحرج، وأن التكليف مرتبط بالاستطاعة.
ويبيّن أن من رحمة الله بالأمة أن الحج فُرض مرة واحدة في العمر. ولو وجب كل عام لشقّ ذلك على الناس، وهذا من مظاهر الرحمة التي أُرسل بها النبي صلى الله عليه وسلم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا... ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ» (رواه مسلم).
قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
المحور الثاني: النبي صلى الله عليه وسلم هو الميزان الأكبر، والوسطية بين الإفراط والتفريط
ينقل الشيخ قول الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الميزان الأكبر، فعليه تُعرض الأشياء: على خُلُقه وسيرته وهديه، فما وافقها فهو الحق، وما خالفها فهو الباطل». ويقرر أن الإسلام دين الوسط، وأن الوسط هو ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
ويذكر أمثلة على طرفي الانحراف. من الغلو أن يقول قائل: الحج واجب كل عام، أو أن يكفّر صاحب الكبيرة، أو أن يحرّم ما أحلّ الله. ومن التفريط أن يقول قائل: الحج ليس بفرض، أو أن يتهاون في حدود الله. فالحق وسط بين الطرفين، وهو الصراط المستقيم الذي سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
ويبيّن الشيخ أن الحق كله فيما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وأن المسلم يقترب من الحق بقدر اتباعه له.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31]، وقال سبحانه: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]. وقال صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى»، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» (رواه البخاري).
المحور الثالث: التحذير من المنافق عليم اللسان ومن زمن السنوات الخداعات
يحذّر الشيخ من الذين يُحسنون الكلام ويلبّسون الحق بالباطل، ومن زمن يُصدَّق فيه الكاذب ويُكذَّب فيه الصادق. ويذكر أمثلة لأناس يدّعون ما يستحيل عقلًا، كمن يزعم أنه قرأ مئات الآلاف من المجلدات، وهذا لا يمكن ولو عاش قرونًا يقرأ كل يوم مجلدًا.
ويحذّر كذلك من الشماتة بالمسلمين ومن التحزب على حساب دين الله. فليس من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يفرح المسلم بمصائب إخوانه، أو أن يقدّم الحزب والجماعة على الحق.
قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ» (رواه أحمد). وقال صلى الله عليه وسلم: «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ»، قيل: وما الرويبضة؟ قال: «الرَّجُلُ التَّافِهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ» (رواه ابن ماجه وأحمد). وقال صلى الله عليه وسلم: «لَا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لِأَخِيكَ فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيَكَ» (رواه الترمذي).
المحور الرابع: الحج تجرّد من الدنيا وتحقيق للعبودية
يبيّن الشيخ أن الحاج يترك الدنيا وزينتها، ويقف بين يدي ربه في ثياب الإحرام البسيطة. وفي هذا تذكير بأن المال والشهرة والمناصب لا ترافق صاحبها إلى قبره، وأن الإنسان لا يأخذ معه إلا عمله. وقد مات من قبلنا من الملوك وأصحاب الأموال، ولم يأخذوا شيئًا مما جمعوا.
ويرى الشيخ أن «الوهن» الذي أصاب الأمة سببه حب الدنيا وكراهية الموت. ويوضح أن التلبية إعلان صريح بأن العبودية لله وحده، وأن المسلم لا يطيع أحدًا في معصية الله.
قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197]. وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (متفق عليه).
وقال صلى الله عليه وسلم: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا»، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ»، قيل: وما الوهن؟ قال: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» (رواه أبو داود وأحمد).
والتلبية: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ». قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال: 36]، وقال سبحانه: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83].
المحور الخامس: المناسك مدرسة في الاتباع والتسليم ووحدة الأمة
يلفت الشيخ النظر إلى أن المسلمين قد يختلفون في أمور كثيرة، لكن ملايين الحجاج يقفون بعرفة في يوم واحد هو التاسع من ذي الحجة. ولا يقول أحد: لنقسم الوقوف على يومين بسبب الزحام أو الحر. وهذه صورة واضحة لوحدة الأمة حين تجتمع على الشرع.
ويضرب مثلًا برمي الجمرات. فلو اجتمع الناس في أي مكان آخر يرمون الحصى لكان ذلك عبثًا، أما في منى فهو عبادة وشعيرة، لأن الله شرعه والنبي صلى الله عليه وسلم فعله. فالمسلم يعظّم الأمر لأنه من الله ورسوله.
ويستشهد الشيخ بموقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع الحجر الأسود، فقد بيّن عمر أن الأحجار لا تنفع ولا تضر، وإنما يُقبَّل الحجر اتباعًا للنبي صلى الله عليه وسلم. وفي ذلك رد على من يعتقد النفع والضر في الحجر والشجر. ويذكّر الشيخ بأن الأرض ستشهد يوم القيامة بما عُمل عليها من طاعة أو معصية.
قال عمر رضي الله عنه: «إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ» (متفق عليه). وقال صلى الله عليه وسلم: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (رواه مسلم). وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: 4]، وقال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].
النقاط الرئيسية
- الحج فريضة مرة واحدة في العمر على المستطيع، وهذا من رحمة الله وتيسيره على عباده.
- النبي صلى الله عليه وسلم هو الميزان الأكبر، فما وافق هديه فهو الحق وما خالفه فهو الباطل.
- الإسلام دين الوسطية، والحق وسط بين الغلو والتفريط، وهو ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
- يجب الحذر من المنافق عليم اللسان، ومن الكذابين والرويبضة، ومن الشماتة بالمسلمين والتحزب على حساب الحق.
- سبب الوهن الذي أصاب الأمة حب الدنيا وكراهية الموت، والحج يعلّم التجرد منها.
- التلبية إعلان لتوحيد الله وإفراده بالعبودية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
- المناسك قائمة على الاتباع والتسليم، كما في قول عمر رضي الله عنه عن الحجر الأسود.
الفوائد والعبر
- اعرض أقوالك وأفعالك وما تسمعه من الناس على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، واجعلها ميزانك في كل أمر.
- الزم الوسطية في التدين، فلا تغلُ ولا تتشدد فيما لم يشرعه الله، ولا تتهاون في فرائضه وحدوده.
- تثبّت مما تسمع، ولا تغترّ بفصاحة المتكلم، واحذر الشماتة بإخوانك المسلمين.
- خفّف تعلقك بالمال والشهرة، وتذكّر أنك لا تأخذ معك إلى قبرك إلا عملك، واستعد للآخرة بالعمل الصالح.
- عظّم شعائر الله تعبّدًا واتباعًا، واجعل وحدة المسلمين في الحج دافعًا للاجتماع على الحق ونبذ الفرقة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات