خطبة جمعة بعنوان --- : " تحريم الغيبة" لفضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري.

4,691 مشاهدة
155 مشاركة
منذ 7 سنوات

المقدمة

هذه خطبة جمعة لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري، وهي ضمن سلسلة خطب الجمعة (2). يتكلم فيها الشيخ عن الغيبة، وهي من الأمراض الخبيثة التي انتشرت في الأمة. ويسميها «فاكهة المجالس الخبيثة»، لأن كثيرًا من الناس يتسلّون بها في مجالسهم وهي خبيثة في الدنيا والآخرة، ولا يسلم منها إلا من سلّمه الله جل وعلا. ويبيّن الشيخ أن حفظ العِرض من الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة بحفظها، وأن المسلم مطالب بأن يحفظ عِرضه وعِرض غيره.

ويعرض الشيخ تعريف الغيبة كما جاء في السنة، ثم يذكر أسبابها وخطرها على الفرد والمجتمع. ويبيّن أن انتشارها يذهب بالأمن والثقة بين الناس، وأنه من أسباب ما يصيب الأمة من البلاء وتسلّط الأعداء. ثم يذكر أمثلة من السلف في تأديب النفس وعلاجها من هذا الداء، ويختم بالحالات التي أباح الشرع فيها ذكر الغير بما يكره، وحدود كل حالة.

ما يتعلمه المشاهد: معنى الغيبة وحكمها، وخطورة اللسان وأن المسلم يحاسَب على كل كلمة، وأسباب الوقوع في الغيبة وطرق علاجها، وواجب المستمع في إنكارها، والحالات التي تجوز فيها الغيبة بضوابطها الشرعية.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: حرمة الأعراض وتعريف الغيبة

يبدأ الشيخ بأن حفظ الأعراض من الأمور الثابتة في الشريعة، وأنه من الضروريات الخمس. وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم هذا في حجة الوداع أمام الجموع، فجعل حرمة العِرض مثل حرمة الدم والمال، ومثل حرمة ذلك اليوم والشهر والبلد.

ثم يذكر تعريف الغيبة كما بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أن تذكر أخاك بما يكره. وينبّه إلى أن الإثم لا يقع على المتكلم وحده، بل يشاركه فيه من يستمع إليه ولا ينكر عليه.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: 12]

قال صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «أَلَا إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ فَاشْهَدْ» [متفق عليه من حديث أبي بكرة رضي الله عنه]

وقال صلى الله عليه وسلم: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» [رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]

المحور الثاني: خطر اللسان والمحاسبة على الكلام

يؤكد الشيخ أن الإنسان يحاسَب على كل كلمة يقولها، وأن الكلمة قد تُهلك صاحبها. ويستشهد بسؤال معاذ رضي الله عنه حين قال: وهل نحن مؤاخذون بما نتكلم به؟ فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن حصائد الألسنة هي التي تكبّ الناس في النار.

ثم ينكر الشيخ حال من يسلم منه الكفار والفساق ولا يسلم منه أهل الدين وعلماء الإسلام، ويرى أن ذلك انقلاب في الموازين. فالمسلم الحق هو من سلم المسلمون من لسانه ويده.

قال تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]

وقال صلى الله عليه وسلم: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ، إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟» [رواه الترمذي]

وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ» [رواه البخاري]

وقال صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» [متفق عليه]

المحور الثالث: أسباب الغيبة وآثارها على المجتمع

يذكر الشيخ من أسباب الغيبة:

  • شفاء الغيظ: يغتاظ الإنسان من غيره فيطعن فيه ليشفي ما في صدره.
  • مجاملة الأصدقاء والجلساء: يسكت عن المغتاب ولا يذكّره بالله ولا يمنعه من ظلم الناس، فيصير شريكًا له في الظلم.
  • سوء الظن والتجسس: وهما مذكوران قبل الغيبة في الآية نفسها.

ويبيّن الشيخ أن المجتمع الذي لا يأمن فيه الإنسان على عِرضه وماله ودمه مجتمع فاسد يغضب الله. أما المجتمع الذي يستقيم على أمر الله فهو مجتمع رباني: إذا دعا استُجيب له، وإذا استنصر الله نصره. ويربط الشيخ بين انتشار هذه الذنوب وبين ما يصيب الأمة من غلاء وأمراض وتسلّط الأعداء.

قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: 111]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49]

وقال صلى الله عليه وسلم: «يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ» [رواه الترمذي وابن حبان من حديث ابن عمر رضي الله عنهما]

المحور الرابع: بشاعة الغيبة وعلاجها عند السلف

يقف الشيخ عند الصورة التي صوّر الله بها الغيبة، وهي أكل لحم الأخ الميت. والنفوس تكره هذا بفطرتها، فرائحة الميت لا تُطاق بعد موته بساعات أو أيام. ومع ذلك يقع كثير من الناس في هذا الفعل في مجالسهم وهم يتلذذون به، فيقولون: فلان متكبر، وفلان ذليل، ولماذا طلّق فلان، ولماذا زوّج فلان.

ويذكر الشيخ أن المغتاب يضيّع حسناته، فهي تُعطى يوم القيامة لمن اغتابه. ومن العجب أن الإنسان لا يرضى أن يعطي ماله لمن يبغضه، ثم يعطيه حسناته! ويذكّر بمصير من يتبع جلساء السوء، وبندم الظالم يوم القيامة.

ثم يذكر مثالًا من السلف في تأديب النفس، وهو أحد أئمة أهل مصر. كان قد ألزم نفسه أن يصوم يومًا كلما اغتاب أحدًا، فوجد الصيام سهلًا عليه ولم يمنعه ذلك من الغيبة. فألزم نفسه أن يتصدق بدرهم عن كل غيبة، فلما كثرت الدراهم ترك الغيبة. وفي هذا درس في أن يختار الإنسان العلاج الذي يؤثّر في نفسه فعلًا.

قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ۝ يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ۝ لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: 27-29]

وقال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]، وقال سبحانه: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]

المحور الخامس: الحالات التي تُباح فيها الغيبة وضوابطها

يبيّن الشيخ أن الشريعة لم تترك صغيرة ولا كبيرة إلا بيّنتها، فهي لا تضيّع الحقوق باسم تحريم الغيبة. وقد أباحت ذكر الغير بما يكره في حالات محددة، منها:

  • التظلّم: أن يشتكي المظلوم من ظلمه لمن يقدر على رفع الظلم عنه، بقدر الحاجة فقط. فلا يشهّر به في كل مجلس، ولا يجعل الشكوى وسيلة لشفاء غيظه.
  • الاستعانة على إزالة المنكر: كأن يبلّغ الجهات المسؤولة عمّن يتاجر بالمخدرات أو ينشر الفاحشة، فيضع المسؤولية على أصحابها وتبرأ ذمته. أما نشر ذلك في المجالس فليس من هذا الباب.
  • الاستفتاء: كما فعلت هند حين سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن زوجها أبي سفيان، فذكرت ما فيه لتعرف الحكم.
  • التعريف: أن يُعرَّف الشخص بلقب أو وصف لا يُعرف إلا به، كما في قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ ۝ أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ﴾. ويذكر الشيخ قصة الإمام إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، المعروف بابن عُلَيّة، وهو من شيوخ الإمام أحمد. كان يكره أن يُنسب إلى أمه، فيُراعى ذلك ما أمكن.

قال تعالى: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: 148]، وقال سبحانه: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38]

وقالت هند بنت عتبة: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ...» [متفق عليه]

النقاط الرئيسية

  • حفظ العِرض من الضروريات الخمس، وحرمته مثل حرمة الدم والمال.
  • الغيبة هي ذكرك أخاك بما يكره، والمستمع الذي لا ينكر شريك في الإثم.
  • الإنسان يحاسَب على كل كلمة، وحصائد الألسنة تكبّ الناس في النار.
  • من أسباب الغيبة شفاء الغيظ، ومجاملة الجلساء، وسوء الظن والتجسس.
  • انتشار الغيبة يذهب بالأمن من المجتمع، وهو من أسباب البلاء وتسلّط الأعداء.
  • المغتاب يضيّع حسناته، فتُعطى يوم القيامة لمن اغتابه.
  • تجوز الغيبة في حالات محددة بقدر الحاجة: التظلّم، والاستعانة على إزالة المنكر، والاستفتاء، والتعريف.

الفوائد والعبر

  • راقب لسانك: تذكّر قبل أن تتكلم أن الملائكة تكتب كل لفظ، واسأل نفسك: هل أرضى أن أُحاسب على هذه الكلمة؟
  • أنكر الغيبة في المجلس: لا تجامل أحدًا في أعراض المسلمين، ذكّر المغتاب بالله، أو غيّر الحديث، أو قم من المجلس.
  • أدّب نفسك بما يؤثّر فيها: ألزم نفسك بعقوبة تشقّ عليها، كصدقة عن كل غيبة، حتى تتركها كما فعل السلف.
  • احفظ حسناتك: لا تعطِ حسناتك لمن تبغضه، وانشغل بإصلاح عيوبك عن تتبّع عيوب الناس.
  • اعرف حدود الرخصة: إذا احتجت إلى ذكر غيرك لتأخذ حقك أو تزيل منكرًا أو تستفتي، فاقتصر على قدر الحاجة، ولا تتخذ ذلك طريقًا للتشهير.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات