خطبة جمعة بعنوان --- : " وداعًا سنة 1438هـ " لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

4,384 مشاهدة
96 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

في هذه الخطبة المباركة بعنوان «وداعًا سنة 1438هـ» يقف فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري مع المسلمين وقفة تأمل ومحاسبة عند انقضاء عام هجري. فمرور الأيام يطوي صحائف الأعمال، ويُقرِّب العبد من لقاء ربه. والعاقل من اتخذ من نهاية العام فرصة لمراجعة نفسه وتجديد توبته، والعزم على إصلاح ما بقي من عمره.

ويربط الشيخ هذه الوقفة بوصايا النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، حين ودَّع الأمة وأرسى قواعد عظيمة في حرمة الدماء والأموال والأعراض. ثم يُذكِّر بسنة الله في الظالمين والطغاة، وأن الله يُمهل ولا يُهمل، مستشهدًا بقصة موسى عليه السلام مع فرعون.

ويهدف هذا الدرس إلى غرس مبدأ محاسبة النفس، وبيان عِظَم حرمة المسلم في دمه وماله وعرضه. كما يرمي إلى التحذير من الاعتداء والظلم، وتثبيت اليقين بأن العاقبة للمتقين.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: وداع العام ووقفة محاسبة النفس

يبيِّن الشيخ أن انقضاء العام ليس مجرد تغيُّر في التاريخ، وإنما هو نقصان من عمر الإنسان وطيٌّ لصفحة من صحائف عمله. فالمسلم الصادق يقف مع نفسه متسائلًا: هل تحرَّى الحلال في كسبه؟ وهل صان لسانه عن أعراض الناس؟ وهل أدَّى حقوق ربه وحقوق العباد؟

ويؤكد أن الإنسان مسؤول عن نفسه، وأن الأمر كله راجع إلى رب العالمين مالك الملوك، الذي يسأل العبد عن كل صغيرة وكبيرة. فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فليبادر إلى التوبة قبل فوات الأوان.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18].

المحور الثاني: وصايا النبي ﷺ في حجة الوداع

يستحضر الشيخ مشهد خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر في حجة الوداع، حين ودَّع الدنيا وودَّع أمته. فقد سأل الصحابة عن اليوم والشهر والبلد، ثم سكت حتى ظنوا أنه سيُسمِّيه بغير اسمه، تعظيمًا للأمر الذي سيقرره بعد ذلك.

ثم قرر صلى الله عليه وسلم أن حرمة المسلم كحرمة اليوم الحرام في الشهر الحرام في البلد الحرام. كما وضع أمور الجاهلية تحت قدميه، وأوصى بالصلاة، وأوصى بالنساء خيرًا.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» [متفق عليه من حديث أبي بكرة رضي الله عنه].

وقال صلى الله عليه وسلم: «أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ» وقال: «فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ» [رواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه].

المحور الثالث: عِظَم حرمة الدم المسلم

يشدد الشيخ على أن دم المسلم مصون، ولا يجوز سفكه بحال من الأحوال إلا في الحالات الثلاث التي حددتها الشريعة. والقائم على إقامة هذه الحدود هو ولي الأمر، لا آحاد الناس، وما عدا ذلك فهو عدوان وإفساد في الأرض.

ويحذر من خطورة قتل المؤمن عمدًا، وما توعد الله به فاعله من الخلود في جهنم والغضب واللعن والعذاب العظيم. كما يبين أن الدين كله لله، وأن الأرض كلها لله، وأن الشريعة جاءت لحفظ النفوس لا لإهدارها.

قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ» [متفق عليه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه].

المحور الرابع: صيانة الأموال والأعراض

يبين الشيخ أن الشريعة حرَّمت كل ما يمس مال المسلم بغير حق. ومن ذلك السرقة والغش والرشوة وأكل أموال الناس بالباطل، فمال المسلم معصوم كعصمة دمه، ومن الإيمان أن يأمن الناس المسلم على أنفسهم وأموالهم.

كما يحذر من التهاون في الأعراض، ويذكر أن الشريعة شرعت حدَّ القذف ثمانين جلدة صيانةً لأعراض المسلمين. فلا يحل لأحد أن يرمي غيره في عرضه، ولا أن يُلقي الكلام في الناس بلا تثبت.

قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4].

وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: 56].

المحور الخامس: سنة الله في الظالمين والطغاة

يختم الشيخ بالتذكير بأن الله تعالى يُمهل الظالمين ولا يُهملهم. فمن اغترَّ بإمهال الله وظن أنه يتحدى رب العالمين فقد خاب وخسر، وفرعون الذي ادعى الربوبية وتجبَّر أخذه الله أخذ عزيز مقتدر.

ويبين أن نصر الله لأوليائه آتٍ لا محالة، كما نصر موسى عليه السلام على فرعون. وطريق ذلك هو الصبر والتقوى والتمسك بالكتاب والسنة، لا الاعتماد على الأسباب المادية وحدها.

قال الله تعالى: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَىٰ ۝ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ ۝ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ﴾ [النازعات: 23-25].

وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: 42].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» [متفق عليه].

النقاط الرئيسية

  • انقضاء العام نقصٌ من العمر، وهو فرصة للمحاسبة وتجديد التوبة.
  • قرر النبي ﷺ في حجة الوداع أن حرمة الدماء والأموال والأعراض كحرمة اليوم والشهر والبلد الحرام.
  • دم المسلم معصوم، ولا يحل إلا بإحدى ثلاث بيَّنتها السنة، ويقيم ذلك ولي الأمر.
  • قتل المؤمن عمدًا من أعظم الكبائر، وقد توعد الله فاعله بجهنم والغضب واللعن.
  • حرمت الشريعة السرقة والغش والرشوة وأكل أموال الناس بالباطل، وشرعت حد القذف صيانة للأعراض.
  • أوصى النبي ﷺ في آخر وصاياه بالصلاة وبالنساء خيرًا، ووضع أمور الجاهلية كلها.
  • الله يُمهل الظالم ولا يُهمله، وعاقبة الطغاة كعاقبة فرعون، والنصر لأهل الإيمان والتقوى.

الفوائد والعبر

  • اجعل لنفسك وقفة دورية للمحاسبة، وخاصة عند نهاية العام، وراجع فيها كسبك ولسانك وعلاقتك بربك.
  • عظِّم حرمة إخوانك المسلمين، فلا تمسَّ دم أحد أو ماله أو عرضه، ولو بكلمة.
  • تحرَّ الحلال في مالك، وابتعد عن الغش والرشوة وكل كسب مشبوه.
  • احفظ لسانك عن الخوض في الأعراض ونقل الكلام بلا تثبت.
  • لا تغترَّ بقوة الظالمين ولا تيأس من نصر الله، وتمسك بالصبر والتقوى، فالعاقبة للمتقين.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات