خطبة جمعه بعنوان -- :"حقوق النبي ﷺ على أمته " لفضيلة الشيخ أبى حفص بن العربي الأثري.

4,018 مشاهدة
61 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

في هذه الخطبة من سلسلة خطب الجمعة يتحدث فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري عن موضوع عظيم يحتاجه كل مسلم، وهو «حقوق النبي ﷺ على أمته». يبدأ الشيخ بالوصية بتقوى الله، ويذكّر بأن الدنيا دار فناء وأن الآخرة دار بقاء، وأن كل عبد سيقف بين يدي الله ليحاسبه على ما قدّم. ثم ينتقل إلى بيان فضل النبي ﷺ ومكانته، فهو سيد الخلق وأفضلهم، وقد اصطفاه الله من خيار الخلق.

ويبيّن الشيخ أن قول المسلم: «أنا مسلم، أنا مؤمن» دعوى، وكل دعوى تحتاج إلى حقيقة تشهد لها. لذلك يلزم كل مسلم أن يعرف حقوق نبيه ﷺ حتى يؤديها على أكمل وجه. ويذكر الشيخ أن هذه الحقوق كثيرة جدًا، وأن تفصيلها لا تكفيه خطب كثيرة، فهو ﷺ الذي أنقذنا الله به من النار وهدانا به من الضلالة، ولذلك اكتفى بذكر عناوينها الكبرى.

أهداف التعلم: بعد مشاهدة الخطبة يعرف المشاهد مكانة النبي ﷺ ونسبه الشريف، ويفهم معنى «أشهد أن محمدًا رسول الله» وأركانها الأربعة، ويتعرف على حقوقه ﷺ من الإيمان به ومحبته والصلاة عليه وتوقيره والأدب معه والدفاع عنه، ويعلم خطر أذيته ﷺ والتقدم بين يديه.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: اصطفاء النبي ﷺ ومكانته بين الخلق

يقرر الشيخ أن محمدًا ﷺ أفضل الخلق وسيدهم. فالله تعالى يخلق ما يشاء ويختار، وقد خلق البشر واختار منهم الأنبياء، ثم اختار من الأنبياء الرسل، ثم اختار من الرسل أولي العزم الخمسة، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام. ثم اختار من الخمسة الخليلين إبراهيم ومحمدًا عليهما السلام، ثم اختار من بينهما محمدًا ﷺ سيدًا للخلق أجمعين.

ويذكر الشيخ نسبه الشريف: أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب... إلى عدنان، وعدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام بالإجماع. وقد حفظ الله آباءه من آدم إلى أن خرج من بطن أمه آمنة، فلم يكن في نسبه سفاح، بل كلهم من نكاح صحيح. فهو خيار من خيار من خيار، كما قال ﷺ:

«إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» [رواه مسلم عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه]

ويبيّن الشيخ أن الطريق إلى الجنة هو اتباعه ﷺ، واستدل بقوله:

«كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» [رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه]

المحور الثاني: الإيمان به ﷺ ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله

أول حقوقه ﷺ الإيمان به والتصديق بنبوته. وقد رفع الله ذكره فلا يُذكر الله إلا ويُذكر معه، قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4]. ويسأل الشيخ: كلنا نقول «أشهد أن محمدًا رسول الله»، فهل تدبرنا معناها؟ ثم يبيّن أن لها أربعة أركان، وإذا اختل ركن منها اختلت الشهادة:

  • تصديقه فيما أخبر: يجب تصديقه في أخباره عن الماضي، مثل أخبار الأمم السابقة وأحوال الطائعين والمجرمين، وفي أخباره عن المستقبل، مثل الملاحم والفتن وأشراط الساعة وما بعدها. ويجب ذلك سواء وافق أهواءنا أم خالفها.
  • طاعته فيما أمر: لأن طاعته طريق الجنة كما في الحديث السابق.
  • اجتناب ما نهى عنه وزجر: ولو ظهر للناس أن في مخالفة أمره مصلحة، فالمصلحة الحقيقية في اتباعه.
  • ألا يُعبد الله إلا بما شرع: فلا تقبل عبادة إلا إذا كانت على هديه ﷺ.

﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: 51]

﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]

﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31]

المحور الثالث: محبته ﷺ والإكثار من الصلاة والسلام عليه

من حقوقه ﷺ الإكثار من الصلاة والسلام عليه، وخاصة في يوم الجمعة. ويشرح الشيخ معنى الصلاة: فهي من الله ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى، ومن الملائكة استغفار، ومن المؤمنين دعاء. قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]

«مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [رواه مسلم]

ومن حقوقه ﷺ أن يكون أحب إلينا من كل مخلوق، حتى من أنفسنا التي بين جنوبنا، فمحبته تأتي بعد محبة الله تعالى. قال ﷺ:

«لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» [متفق عليه عن أنس رضي الله عنه]

وذكر الشيخ قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال: يا رسول الله، لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي. فقال النبي ﷺ: «لَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ». فقال عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إليّ من نفسي. فقال ﷺ: «الْآنَ يَا عُمَرُ» [رواه البخاري]. ويؤكد الشيخ أن المحبة الصادقة هي الاتباع، أي أن نقدّم سنته وأقواله وأفعاله على شهواتنا وأهوائنا وأهواء الناس. فمن ادعى محبته ثم قدّم هواه على سنته فدعواه كاذبة.

المحور الرابع: الأدب معه ﷺ وتعزيره وتوقيره

يلفت الشيخ النظر إلى أدب القرآن مع النبي ﷺ. فالله تعالى لم يخاطبه باسمه، بل بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ و﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾، تشريفًا له وتعظيمًا. أما عند الوصف والإخبار فذكره باسمه، كقوله: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾ و﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾. ولهذا لا يجوز للمؤمن أن يناديه بقوله: «يا محمد»، بل يقول: يا رسول الله، يا نبي الله. قال تعالى:

﴿لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ [النور: 63]

ومن حقوقه ﷺ التعزير والتوقير. والتوقير هو التبجيل والإجلال والإكرام. والتعزير كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هو نصرته وتأييده ومنع كل من يريد أذيته. ونبّه الشيخ إلى ما في الآية من أسلوب الالتفات البلاغي، فالتعزير والتوقير للرسول ﷺ، والتسبيح لله وحده:

﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ۝ لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: 8-9]

وذكر الشيخ مثالًا على توقير الصحابة له ﷺ، وهو قول عمرو بن العاص رضي الله عنه، وكان من سادات قريش ودهاة العرب: «وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ» [رواه مسلم].

المحور الخامس: تحريم أذيته ﷺ وعدم التقدم بين يديه

ينقل الشيخ عن الخطابي رحمه الله أن الأذى في اللغة هو الشر الخفيف والمكروه اليسير. ولهذا نسب الله الأذى إلى نفسه ونفى الضرر، فالخلق قد يؤذونه سبحانه بأقوالهم، لكنهم لا يستطيعون أن يضروه. ففي الحديث القدسي: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ» [متفق عليه]، وفي حديث آخر: «يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي» [رواه مسلم]. وإذا كان هذا الوعيد الشديد مترتبًا على الأذى الخفيف، فكيف بالأذى الصريح؟

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا ۝ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: 57-58]

وفي الخطبة الثانية ذكر الشيخ حقًا آخر، وهو ألا نتقدم بين يديه ﷺ برأي ولا مشورة، وألا نرفع أصواتنا فوق صوته، ولا عند قبره. وبيّن أن سنته اليوم بيننا، فلا يجوز أن نقدّم على قوله قول أحد، ولا على فعله فعل أحد. قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ۝ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: 1-2]

وذكر الشيخ قصة ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري رضي الله عنه، خطيب النبي ﷺ. كان جهوري الصوت بطبيعته، فلما نزلت هذه الآية خاف أن يكون عمله قد حبط. وهذا يدل على شدة خوف الصحابة وتعظيمهم لمقام النبي ﷺ.

النقاط الرئيسية

  • النبي ﷺ أفضل الخلق وسيدهم، اصطفاه الله من خيار الخلق، وحفظ نسبه الشريف من آدم عليه السلام إلى أن وُلد.
  • دعوى الإسلام والإيمان تحتاج إلى حقيقة تشهد لها، ومن أهم ذلك معرفة حقوق النبي ﷺ والقيام بها.
  • لشهادة أن محمدًا رسول الله أربعة أركان: تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه، وألا يُعبد الله إلا بما شرع.
  • الإكثار من الصلاة والسلام عليه ﷺ حق له، ويتأكد ذلك يوم الجمعة، ومن صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرًا.
  • يجب أن يكون النبي ﷺ أحب إلينا من النفس والوالد والولد والناس أجمعين، وعلامة هذه المحبة تقديم سنته على الأهواء.
  • من الأدب معه ﷺ ألا يُنادى باسمه المجرد، وأن يُعزَّر ويُوقَّر ويُنصر ويُدافع عنه.
  • أذيته ﷺ بأي قول أو فعل توجب اللعن في الدنيا والآخرة، ولا يجوز التقدم بين يديه ولا رفع الصوت فوق صوته أو على سنته.

الفوائد والعبر

  • امتحان صدق المحبة: إذا تعارضت سنة النبي ﷺ مع هوى نفسك أو رغبات الناس، فقدّم سنته، فهذا هو المقياس الحقيقي لمحبته.
  • تحقيق الشهادة عمليًا: راجع عبادتك وسلوكك على ضوء الأركان الأربعة للشهادة، واجتنب البدع، فلا يُعبد الله إلا بما شرعه رسوله ﷺ.
  • عادة أسبوعية مباركة: اجعل لك وردًا من الصلاة على النبي ﷺ، وأكثر منها يوم الجمعة وليلتها.
  • التأدب عند ذكره: قل عند ذكره «ﷺ»، ولا تقدّم رأي أحد على حديثه الصحيح، وتأدب في المجالس التي تُقرأ فيها سنته.
  • الذب عن الجناب النبوي: انصر نبيك ﷺ بالعلم والحكمة، ودافع عنه عند الإساءة إليه، واحذر أي قول أو فعل فيه انتقاص من مقامه ولو كان غير صريح.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات