الحزبية ضلال- لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,897 مشاهدة
122 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

في هذا المقطع القصير يوجّه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري -حفظه الله- موعظةً بليغةً إلى من يتصدّرون لدعوة الناس ويجمعونهم على غير الحق. ويذكّرهم بالوقوف بين يدي الله جلّ في علاه، وبالسؤال عن كل من تبعهم وانقاد لهم. فالحزبية التي تفرّق الأمة وتعقد الولاء والبراء على غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ضلالٌ يحمل صاحبه وزره ووزر من اتبعه.

وتنبع أهمية هذا الموضوع من خطورة أثر الدعوة في الناس، خيرًا كانت أو شرًّا. فالداعي لا يتحمّل تبعة عمله وحده، بل يمتد أثر دعوته إلى من استجاب له إلى يوم القيامة، كما قرّر النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي استشهد به الشيخ.

أهداف التعلم: أن يدرك المشاهد عِظَم مسؤولية الدعوة، وأن يحذر من التحزّب والتفرّق في الدين، وأن يستحضر الوقوف بين يدي الله والسؤال يوم القيامة، وأن يحرص على أن يكون داعيًا إلى الهدى على منهج الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الوقوف بين يدي الله والسؤال يوم القيامة

افتتح الشيخ موعظته بنداءٍ عامٍّ: «أيها الناس، ستقفون بين يدي إلهٍ جلّ في علاه، فماذا تفعلون؟». وهو تذكيرٌ يوقظ القلوب الغافلة. فكل إنسانٍ موقوفٌ بين يدي ربه، ومسؤولٌ عن قوله وعمله، ولا يملك يومئذٍ حجةً إلا ما وافق الحق.

ويشتد هذا السؤال على من جعل نفسه رأسًا يتبعه الناس، إذ يُسأل عن نفسه وعمّن أضلّهم. ولذلك قال الشيخ: «وكيف لربكم تجيبون عن كل هؤلاء العباد؟».

قال الله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24]، وقال سبحانه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ۝ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: 92-93].

وقال رسول الله ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [متفق عليه].

المحور الثاني: حمل الأوزار، وزر النفس ووزر الأتباع

سأل الشيخ سؤالًا مهيبًا: «هل ستحملون أوزاركم وأوزارهم؟». فمن دعا الناس إلى باطلٍ وفرّقهم عن الجماعة والسنة يحمل يوم القيامة أثقاله وأثقالًا مع أثقاله، جزاءً وفاقًا.

وهذا لا يعارض قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. فالداعي إلى الضلالة إنما يحمل وزر إضلاله وتسبّبه، وهو من كسبه وعمله، ولا يُنقص ذلك من أوزار الأتباع شيئًا.

قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: 25]، وقال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: 13].

المحور الثالث: الدعوة إلى الهدى والدعوة إلى الضلالة

استشهد الشيخ بالحديث النبوي الذي يبيّن أن للدعوة أثرًا ممتدًّا. فمن دعا إلى هدى نال مثل أجور من تبعه إلى يوم القيامة، ومن دعا إلى ضلالة تحمّل مثل آثام من تبعه.

وفي هذا ترغيبٌ عظيمٌ في الدعوة إلى السنة والحق، وترهيبٌ شديدٌ من الدعوة إلى البدع والأهواء والتحزّبات التي تصرف الناس عن الصراط المستقيم.

قال رسول الله ﷺ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» [رواه مسلم].

المحور الرابع: الحزبية تفريقٌ للأمة وضلالٌ عن المنهج

الحزبية أن يُعقد الولاء والبراء على جماعةٍ أو شخصٍ أو تنظيمٍ بدلًا من الكتاب والسنة. فيُحَبّ المرء لانتمائه للحزب لا لاتباعه للحق، ويُعادى لمخالفته الحزب لا لمخالفته الشرع. وهذا من التفرّق الذي ذمّه الله تعالى.

والواجب على المسلمين أن يكونوا جماعةً واحدةً على منهج النبي ﷺ وأصحابه، معتصمين بحبل الله، غير متفرّقين في أحزابٍ وشِيَعٍ يفرح كلٌّ منها بما لديه.

قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۝ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 31-32]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 159].

النقاط الرئيسية

  • كل إنسانٍ سيقف بين يدي الله جلّ في علاه ويُسأل عن عمله.
  • من تصدّر لدعوة الناس يُسأل عن نفسه وعمّن تبعه واقتدى به.
  • الداعي إلى الضلالة يحمل وزره ومثل أوزار أتباعه دون أن ينقص من أوزارهم شيء.
  • الداعي إلى الهدى له مثل أجور من تبعه إلى يوم القيامة.
  • الحزبية ضلالٌ لأنها تفرّق الأمة وتعقد الولاء والبراء على غير الكتاب والسنة.
  • الواجب الاعتصام بحبل الله جميعًا ونبذ التفرّق والتشيّع في الدين.
  • استحضار الآخرة والحساب أعظم رادعٍ عن الدعوة إلى الباطل.

الفوائد والعبر

  • تحرّي الحق قبل الدعوة إليه: لا يدعو المسلم إلا إلى ما ثبت بالكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، فكلمته قد يحمل أجرها أو وزرها إلى يوم القيامة.
  • الحذر من التعصّب للأشخاص والجماعات: يكون الولاء للحق وأهله، لا لحزبٍ أو تنظيمٍ أو شيخٍ بعينه.
  • اغتنام باب الدعوة إلى الخير: نشر سنةٍ أو تعليم علمٍ نافعٍ صدقةٌ جاريةٌ يمتد أجرها بعد الموت.
  • محاسبة النفس قبل يوم الحساب: يستعد العبد للسؤال بسؤال نفسه اليوم: إلى أي شيءٍ أدعو؟ ولمن أوالي وأعادي؟
  • السعي في جمع الكلمة على الحق: اجتماع الأمة على السنة قوةٌ ورحمة، وتفرّقها في الأحزاب ضعفٌ وعذاب.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات