ترجمة الإمام محمد بن إسماعيل البخاري (2) لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
# 02. ترجمة الإمام البخاري (2)
**المحاضر:** الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري
--- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، نعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وإن خير الهدي هدي محمد عليه الصلاة والسلام، وإن شر الأمور محدثاتها، وإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: نحيا في هذه الليلة الطيبة المباركة مع الدرس الثاني من دروس شرح كتاب "الأدب المفرد"، وما زال الكلام موصولاً حول ترجمة الإمام الكبير، شيخ الإسلام وإمام الدنيا في عصره، أبي عبد الله البخاري رحمه الله تعالى. قال شيخ الإسلام الذهبي رحمه الله تعالى: "ذكر حفظه وسعة علمه وذكائه". كما وقفنا عند هذا، عند سعة حفظ وعلم وذكاء الإمام البخاري رحمه الله تعالى. قال محمد بن أحمد غنجار في "تاريخ بخارى": سمعت أبا عمرو أحمد بن محمد المقرئ يقول: سمعت مهيد بن سليم يقول: سمعت جعفر بن محمد القطان إمام كرمينية يقول: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: "كتبت عن ألف شيخ وأكثر، عن كل واحد منهم عشرة آلاف حديث وأكثر، ما عندي حديث إلا أذكر إسناده". يعني كتب عن أكثر من ألف شيخ، عن كل شيخ عشرة آلاف. والمراد بالحديث هنا أي السنة، سواء كان موصولاً أو مقطوعاً أو موقوفاً أو مرفوعاً، سواء كان تفسيراً، فهذا هو المراد. قال ابن حجر: وحدثنا محمد بن عمران الجرجاني قال: سمعت عبد الرحمن بن محمد البخاري يقول: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: "لقيت أكثر من ألف رجل من أهل الحجاز والعراق والشام، لقيتهم كرات -يعني كرة بعد كرة-، أهل الشام ومصر والجزيرة مرتين، وأهل البصرة أربع مرات، وبالحجاز ست مرات، ولا أحصي كم دخلت الكوفة وبغداد مع محدثي خراسان، منهم المكي بن إبراهيم ويحيى بن يحيى..." فما رأيت واحداً منهم يختلف في هذه الأشياء: أن الدين قول وعمل، وأن القرآن كلام الله. فقد كان رحمه الله تعالى، على كثرة المشايخ، إلا أنه كان يختار وينتقي، ما كان يأخذ عن كل أحد رحمه الله تعالى عليه، يأخذ عن أهل السنة. وهل كان يوجد مثل هذه الأعداد؟ نعم، كانت القرية يوجد فيها المحدث والفقيه والمفسر واللغوي، وكان العلم منتشراً، ولذلك كان الملوك والوزراء يجلون العلماء. قال محمد بن أبي حاتم الوراق، وراق البخاري: سمعت حاشد بن إسماعيل وآخر يقولان: "كان أبو عبد الله البخاري يختلف معنا إلى مشايخ البصرة وهو غلام، فلا يكتب حتى أتى على ذلك أيام، فكنا نقول له: إنك تختلف معنا ولا تكتب! -يختلف يعني يذهب معنا، الاختلاف هنا بمعنى الذهاب والمجيء- فما تصنع؟ فقال لنا يوماً بعد ستة عشر يوماً: إنكم قد أكثرتم علي وألححتم، فاعرضوا علي ما كتبتم. فأخرجنا إليه ما كان عندنا، فزاد على خمسة عشر ألف حديث، فقرأها كلها عن ظهر قلب، حتى جعلنا نحكم كتبنا من حفظه". ثم قال: "أترون أنني أختلف هدراً -يعني أذهب باطلاً- وأضيع أيامي؟". فعرفوا أنه لا يتقدمه أحد. في خلال أسبوعين، وهو يسمع فقط، يحفظ خمسة عشر ألف حديث! هذا شيء يفزع له، كله من عند الله. وأهل الإسلام القطل قالوا: "كان أهل المعرفة من البصريين يعدون خلفه في طلب الحديث وهو شاب، حتى يغلبوه على نفسه ويجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب عنه". وكان شاباً لم يخرج وجهه -يعني لم تنبت لحيته-. وقال أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ صاحب كتاب "الكامل في الضعفاء": "سمعت عدة مشايخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد، فسمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا لهذا الإسناد، وإسناد هذا لهذا المتن... ودفعوا إلى كل واحد عشرة أحاديث ليلقوها على البخاري في المجلس". فاجتمع الناس، وانتدب أحدهم فسأل البخاري عن حديث من عشرته، فقال: "لا أعرف". وسأله عن آخر فقال: "لا أعرف". فكان الفقهاء يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: "الرجل فهم، انتبه وفهم المسألة". ومن كان لا يدري من العوام يقولون: "هذا البخاري ما عرف حديثاً!". فلما علم أنهم قد فرغوا، التفت إلى الأول فقال: "أما حديثك الأول فكذا، والثاني كذا..."، فرد كل متن إلى إسناده، وفعل بالآخرين مثل ذلك، فأقر له الناس بالحفظ، وقالوا: "أنه أحفظ أهل الأرض". وكان ابن صاعد إذا ذكره يقول: "الكبش النطاح!". وكما قلت في بعض المجالس، حق للبخاري أن يحفظ من أول سماع، لندرة الذنوب والمعاصي، ما رأى الفاسقات المجرمات في الطرقات كما نرى الآن، ولا سمع قرآناً في الطين كما نسمع الآن، نعيش نكداً وهماً وبلاءً. فاتق الله يعلمك. وقال غنجار: حدثنا منصور بن إسحاق الأسدي قال: سمعت عبد الله بن محمد بن إبراهيم الزغوني يقول: سمعت يوسف بن موسى المروروذي يقول: "كنت بالبصرة في الجامع الكبير، فسمعت منادياً ينادي: يا أهل العلم، قد قدم محمد بن إسماعيل البخاري. فقاموا في طلبه وكنت معهم، فرأينا رجلاً شاباً يصلي خلف الأسطوانة، فلما فرغ من الصلاة أحدقوا به وسألوه أن يعقد لهم مجلس الإملاء، فأجابهم". مجلس الإملاء: أن يملي الشيخ من حفظه أو من كتابه أحاديث بإسناده إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقد عقد الشيخ أحمد بن الصديق الغماري رحمه الله بعض مجالس الإملاء في الأزهر الشريف، نسأل الله أن يعيد له هيبته وكرامته. فلما كان الغد اجتمع عليه خلق كثير، فجلس للإملاء وقال: "يا أهل البصرة، أنا شاب وقد سألتموني أن أحدثكم، وسأحدثكم بأحاديث عن أهل بلدكم تستفيدون". ثم قال: "حدثنا عبد الله بن عثمان بن جبلة...". وذكر أحاديث، وقال: "ليس هذا عندكم، إنما عندكم عن غيره". وأملى مجلساً على هذا النسق، يقول في كل حديث: "هو عندكم كذا، والصواب كذا". وهذا يسمى "الغرائب". وكان أبو حاتم وأبو زرعة ومحمد بن مسلم بن وارة، لا يطلبون من يغرب، بل يطلبون الحديث المعروف. وقال محمد بن أبي حاتم الوراق: "قرأ علينا أبو عبد الله كتاب الهبة، فقال: ليس في هبة وكيع إلا حديثان مسندان أو ثلاثة، وفي كتاب عبد الله بن نمر خمسة، وفي كتابي هذا خمس مائة حديث أو أكثر". وقال: "سمعت أبا عبد الله يقول: فكرت في أصحاب أنس، فحضرني في ساعة ثلاث مائة". -يعني تلاميذ أنس-. وسمعته يقول: "ما قدمت على أحد إلا كان انتفاعه بي أكثر من انتفاعي به". وهذا ليس تزكية للنفس، بل ذكر لحقيقة واقعة. وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت إبراهيم بن خالد المروزي يقول: "رأيت أبا عمار الحسين بن حريث يثني على أبي عبد الله البخاري ويقول: لا أعلم أني رأيت مثله، كأنه لم يخلق إلا للحديث". وقال محمد بن يوسف الفربري: "لما دخلت البصرة صرت إلى بندار -محمد بن بشار-، فقال لي: من أين أنت؟ قلت: من خراسان. قال: من أيها؟ قلت: من بخارى. قال: تعرف محمد بن إسماعيل؟ قلت: أنا من قرابته. فكان بعد ذلك يرفعني فوق الناس إكراماً للبخاري رحمه الله". وقال أبو قريش محمد بن جمعة الحافظ: "سمعت محمد بن بشار يقول: حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالري، والدارمي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل ببخارى، ومسلم بن الحجاج بنيسابور". وقال الحاكم: "سمعت محمد بن يعقوب الحافظ يقول: رأيت مسلم بن الحجاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبي، هذا من أدب الطلبة مع شيوخهم، ومن إمامة البخاري رحمه الله تعالى". ثم قال: "سمعت أحمد بن حمدون يقول: رأيت محمد بن إسماعيل في جنازة سعيد بن مروان، ومحمد بن يحيى الذهلي يسأله عن الأسامي والكنى والعلل، ومحمد بن إسماعيل يمر فيه مثل السهم، لا يتوقف، كأنه يقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}". أخبرنا محمد بن خالد المطوعي ببخارى قال: حدثنا مسبح بن سعيد البخاري: سمعت عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي -أي الدارمي- يقول: "قد رأيت العلماء بالحجاز والعراقين، فما رأيت فيهم أجمع من محمد بن إسماعيل". وقال محمد بن حمدون بن رستم: "سمعت مسلم بن الحجاج جاء إلى البخاري فقال: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله". وقال أبو عيسى الترمذي: "لم أر بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل". وقال أبو بكر الخطيب البغدادي: "سئل أبو زرعة عن حديث لهيعة، فقال: يتركه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل. وسئل عن محمد بن حميد الرازي، فقال: يتركه أبو عبد الله". فذكر ذلك لأبي عبد الله فقال: "بره لنا قديم" -يعني كان يحسن إلينا فسكت عنه-. وهذا من إنصاف البخاري وورعه، حتى في الجرح والتعديل كان عفيف اللسان. نقف إن شاء الله تعالى عند ذكر فضله وعبادته وورعه وصلاحه. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا. اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، برحمتك يا أرحم الراحمين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه وسلم.