سلسلة دروس في قضايا المنهج- مبحث الإيمان- ( 4 ) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
مقدمة
يعتبر مبحث الإيمان من أهم مباحث العقيدة الإسلامية، إذ يرتكز عليه فهم الدين وتطبيقاته العملية. هذا الدرس، وهو الرابع من سلسلة دروس في قضايا المنهج يقدمه فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري، يتناول موضوعًا بالغ الأهمية وهو الكفر وأنواعه، وعلاقته بالإيمان، وذلك من منظور أهل السنة والجماعة.
يهدف هذا الدرس إلى توضيح مفهوم الكفر في اللغة والشرع، وبيان أنواعه المختلفة، مع التركيز على الفرق بين كفر الاعتقاد وكفر العمل، وتأثير كل منهما على إيمان المسلم. كما يهدف إلى تحذير المسلمين من الوقوع في أنواع الكفر المختلفة، وتبيان أهمية الحذر من الغلو في التكفير أو التساهل فيه.
المحاور الرئيسية
تعريف الكفر لغة وشرعًا
يشرح الشيخ الأثري أن الكفر في اللغة يعني التغطية والستر، كما في قولنا "كفرت الحبة" أي غطيتها وسترتها في الأرض. أما في الشرع، فالكفر هو تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء به عن ربه عز وجل، أو رد شيء مما جاء به.
ويضيف الشيخ أن الكفر هو إنكار ما علم أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء به من عند الله سبحانه وتعالى، سواء كان ذلك في أسماء الله وصفاته، أو أفعاله، أو أحكامه.
أنواع الكفر (كفر الاعتقاد وكفر العمل)
يوضح الشيخ أن الكفر نوعان: كفر اعتقاد وكفر عمل. كفر الاعتقاد هو الكفر الذي يخرج صاحبه من الملة، وهو يشمل أنواعًا مثل كفر التكذيب، وكفر الإباء والاستكبار، وكفر الشك، وكفر النفاق، وكفر الإعراض.
أما كفر العمل، فمنه ما هو مخرج من الملة ومنه ما لا يخرج منها. فالسجود للصنم، أو الاستهانة بالمصحف، أو قتل النبي صلى الله عليه وسلم، كلها أعمال تدل على الكفر وتخرج صاحبها من الملة. بينما بعض المعاصي الكبيرة قد تعتبر من كفر العمل الذي لا يخرج من الملة.
أقسام كفر الاعتقاد عند ابن القيم
يشير الشيخ إلى تقسيم ابن القيم للكفر الأكبر في كتابه "مدارج السالكين" إلى خمسة أقسام: كفر التكذيب والجحود، وكفر الإباء والاستكبار، وكفر الشك، وكفر النفاق، وكفر الإعراض.
ويشرح الشيخ كل قسم من هذه الأقسام، مع إعطاء أمثلة عليها، مثل كفر التكذيب الذي مارسته كفار قريش، وكفر الإباء والاستكبار الذي تجلى في رفضهم لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم مع علمهم بصدقه.
كفر العمل وتفصيله
يؤكد الشيخ على أن الكفر لا يكون بالاعتقاد فقط، بل قد يكون بالعمل أيضًا. فمن سجد لصنم، أو استهان بالمصحف، أو قتل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كفر عملًا، وهذا الكفر يخرجه من الملة.
ويشدد الشيخ على خطأ من يقول بأن كفر العمل لا يخرج من الملة بإطلاق، فهذا القول هو قول المرجئة. ويستدل الشيخ على أن بعض الأعمال تعتبر كفرًا مخرجًا من الملة، مثل الاستهزاء بآيات الله، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 65-66].
الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة
يبين الشيخ أن الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة هما من الكفر العملي قطعًا. ولكن هناك تفصيل في هذه المسألة، فالحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرًا أكبر إذا اعتقد الحاكم أن حكمه أفضل من حكم الله، أو مساوٍ له. وقد يكون كفرًا أصغر إذا اعتقد أن حكم الله هو الأفضل، ولكنه يحكم بغيره لسبب ما.
وبالنسبة لترك الصلاة، فمن تركها جحودًا فهو كافر بالإجماع، ومن تركها عمدًا فهو كافر أيضًا، ومن تركها تكاسلًا فهذا هو الذي فيه الخلاف بين العلماء.
النقاط الرئيسية
- الكفر في اللغة يعني التغطية والستر، وفي الشرع يعني تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم.
- الكفر نوعان: كفر اعتقاد (يخرج من الملة) وكفر عمل (منه ما يخرج ومنه ما لا يخرج).
- أقسام كفر الاعتقاد عند ابن القيم: التكذيب، الإباء والاستكبار، الشك، النفاق، الإعراض.
- الاستهانة بالمصحف والسجود لغير الله من صور الكفر العملي المخرج من الملة.
- الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرًا أكبر أو أصغر بحسب اعتقاد الحاكم.
- ترك الصلاة جحودًا كفر بالإجماع، وتركه عمدًا كفر أيضًا، وتركه تكاسلًا فيه خلاف.
- يجب الحذر من الغلو في التكفير أو التساهل فيه.
الفوائد والعبر
- تعزيز الفهم الصحيح لمفهوم الإيمان والكفر وأثرهما على حياة المسلم.
- الحذر من الوقوع في أنواع الكفر المختلفة، سواء كانت اعتقادية أو عملية.
- التأكيد على أهمية تعظيم شعائر الله، مثل القرآن الكريم والصلاة.
- تجنب الغلو في التكفير أو التساهل فيه، والالتزام بمنهج أهل السنة والجماعة.
- العمل على إصلاح المجتمع والدعوة إلى تطبيق شرع الله في جميع جوانب الحياة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات