صحيح الإمام البخاري " الشرح الثاني تكملة الدرس رقم (35-2) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
يواصل فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري في هذا الدرس، وهو تكملة الدرس رقم (35) من الشرح الثاني لصحيح الإمام البخاري، شرحَ أبواب كتاب البيوع. وهذا الكتاب من أعظم أبواب الفقه صلةً بحياة الناس اليومية، إذ يتناول الأحكام والآداب التي ينبغي أن يقوم عليها الكسب والتجارة والمعاملات بين المسلمين.
يتناول الدرس أبوابًا متتابعة من صحيح البخاري، منها: كسب الرجل وعمله بيده، والسهولة والسماحة في الشراء والبيع، وإنظار المعسر، وبيان البيِّعَين ونصحهما، وبيع الخلط من التمر، وما قيل في اللحام والجزار، ومحق الكذب والكتمان للبركة. ثم يتناول أبواب الربا وآكله وشاهده وكاتبه وموكله، وما يُكره من الحلف في البيع، وأبواب أهل المهن كالصوَّاغ والقَين (الحداد) والخياط والنساج والنجار، وأخيرًا باب شراء الحوائج بالنفس.
ويهدف الدرس إلى ترسيخ فقه الكسب الحلال في نفس المسلم، وربط التجارة بمراقبة الله تعالى. كما يحذّر من الربا والغش والأيمان الكاذبة، ويبيّن شرف المهن والحِرَف، ويقدّم فوائد حديثية وإسنادية في التعريف بالرواة وأنسابهم.
المحور الأول: فضل الكسب من عمل اليد والتعفف عن سؤال الناس
بدأ الشيخ بأحاديث تبيّن شرف العمل باليد، وأن خير ما يأكله الإنسان ما كان من كسبه. وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل بنبي الله داود عليه السلام، فقد كان مَلِكًا ومع ذلك كان يأكل من عمل يده.
عن المقدام رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ».
ثم ذكر أحاديث الحثّ على التعفف وترك المسألة، ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «لَأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ». ومنها حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه في المعنى نفسه. فالمسلم يعمل ويكدّ ولا يذلّ نفسه بسؤال الناس.
وفي أبواب المهن أورد البخاري أن من الصحابة من كان قَينًا (حدادًا) كخبّاب بن الأرت رضي الله عنه، وذكر الخياط الذي دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى طعام، والمرأة النسّاجة التي أهدت البُردة، والغلام النجار الذي صنع المنبر. ونبّه الشيخ على أن من يمتهن عملًا مباحًا فيه خير كثير، وأن الحِرَف لا تُنقِص من قدر صاحبها.
المحور الثاني: السماحة في البيع والشراء وإنظار المعسر
تناول الشيخ باب «السهولة والسماحة في الشراء والبيع، ومن طلب حقًّا فليطلبه في عفاف». وبيّن أن المعاملة الحسنة سبب لرحمة الله، وأن المسلم ينبغي أن يكون سهلًا ليّنًا في بيعه وشرائه ومطالبته بحقه.
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى».
ثم شرح باب «من أنظر موسرًا» وباب «من أنظر معسرًا»، وأورد حديث حذيفة رضي الله عنه: «تَلَقَّتِ الْمَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَالُوا: أَعَمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا وَيَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُوسِرِ، قَالَ: فَتَجَاوَزُوا عَنْهُ». وذكر اختلاف الروايات في ألفاظه بين الإنظار والتجاوز، والتيسير على الموسر والتجاوز عن المعسر.
وأورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ». وعلّق الشيخ بأن الإنسان إذا تجاوز عن المعسرين فإن الله سبحانه قد يتجاوز عنه يوم القيامة، فالجزاء من جنس العمل.
المحور الثالث: الصدق والبيان في البيع وخطر الغش والحلف
شرح الشيخ باب «إذا بيَّن البيِّعان ولم يكتما ونصحا»، وذكر كتاب النبي صلى الله عليه وسلم للعدّاء بن خالد: «بيعُ المسلمِ المسلمَ، لا داءَ ولا خِبثةَ ولا غائلة». ونقل قول قتادة في تفسير الغائلة بأنها الزنا والسرقة والإباق. ونقل أيضًا قول عقبة بن عامر: لا يحلّ لامرئ يبيع سلعة يعلم أن بها داءً إلا أخبره، حتى لا يقع في التدليس.
وأورد حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا». وأكّد الشيخ أن الواجب ربط الناس بالله تعالى في تجارتهم، وانتقد ما يفعله كثير من التجار اليوم من الكذب والغش، وبيّن أن الصدق والبيان خير لهم في الدنيا والآخرة.
وفي باب ما يُكره من الحلف في البيع أورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ». وأورد حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه في الرجل الذي أقام سلعته في السوق فحلف بالله لقد أُعطي بها ما لم يُعطَ، ليوقع فيها رجلًا من المسلمين، فنزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 77].
وفي باب بيع الخِلط من التمر أورد حديث أبي سعيد رضي الله عنه حين كانوا يبيعون صاعين من التمر الرديء بصاع من الجيد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، وَلَا دِرْهَمَيْنِ بِدِرْهَمٍ». وفي هذا بيان لربا الفضل في الأصناف الربوية.
المحور الرابع: تحريم الربا وعقوبة آكله وموكله
عقد البخاري أبوابًا عدة في الربا، بدأها بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 130]. ثم أورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ، أَمِنَ الْحَلَالِ أَمْ مِنَ الْحَرَامِ». ونبّه الشيخ على صنيع البخاري في إعادة الحديث بالإسناد نفسه تحت تبويب مختلف، لاستنباط فائدة فقهية جديدة.
وفي باب آكل الربا وشاهده وكاتبه تلا الشيخ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]. وذكر حديث عائشة رضي الله عنها أنه لما نزلت آخر سورة البقرة قرأهن النبي صلى الله عليه وسلم على الناس في المسجد، ثم حرّم التجارة في الخمر. ثم ذكر حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها رجل يسبح في نهر من دم، كلما أراد أن يخرج رُمي في فيه بحجر فرجع كما كان، وفُسِّر بأنه آكل الربا. وعلّق الشيخ بأن المرابي يظلم المساكين، ويترك المال لأولاده يتمتعون به، ثم يُعذَّب هو في قبره.
وفي باب موكل الربا تلا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 278]. ونقل قول ابن عباس رضي الله عنهما إن آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281]. وأورد حديث أبي جحيفة رضي الله عنه: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ، وَثَمَنِ الْكَلْبِ، وَكَسْبِ الْأَمَةِ، وَلَعَنَ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ، وَآكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ، وَلَعَنَ الْمُصَوِّرَ».
وحذّر الشيخ من الفتاوى التي تبيح فوائد البنوك، وبيّن أنها من الربا المحرم. واستدل بقوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: 276]، وبيّن أن المال الربوي ممحوق البركة وإن كثر في الظاهر.
المحور الخامس: فوائد من أبواب المهن وشراء الحوائج
في باب اللحام والجزار أورد البخاري قصة أبي شعيب الأنصاري رضي الله عنه، وقد رأى الجوع في وجه النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر غلامه القصّاب أن يصنع طعامًا يكفي خمسة. فتبعهم رجل سادس، فاستأذن له النبي صلى الله عليه وسلم صاحبَ الطعام. وفي ذلك أدب الاستئذان في الطعام، وأن الضيف لا يُدخل معه غير المدعوّ إلا بإذن صاحب البيت.
وفي باب الصوّاغ ذكر قصة علي رضي الله عنه حين أراد أن يستعين بصوّاغ على حمل الإذخر وبيعه، ليستعين بثمنه في وليمة زواجه بفاطمة رضي الله عنها. وذكر حديث تحريم مكة واستثناء الإذخر لصاغتهم وبيوتهم وقبورهم. وفي باب القين أورد قصة خبّاب رضي الله عنه مع العاص بن وائل الذي قال: لن أقضيك حتى تكفر بمحمد، فنزل قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: 77].
وفي باب الخياط ذكر حديث أنس رضي الله عنه وتتبّع النبي صلى الله عليه وسلم الدُّبَّاء (القرع) من حوالي القصعة، فقال أنس: «فلم أزل أحب الدُّباء من يومئذ». وفي باب النساج ذكر قصة البُردة التي أُهديت للنبي صلى الله عليه وسلم، فسأله إياها رجل ليجعلها كفنه، فكانت كفنه. وفي باب النجار ذكر صنع المنبر، وحنين الجذع وبكاءه حتى ضمّه النبي صلى الله عليه وسلم إليه. ونقل الشيخ قول الحسن البصري: «يا معشر المسلمين، الخشبة تحنّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقًا إليه، فأنتم أحقّ أن تشتاقوا إليه».
وفي باب شراء الحوائج بالنفس بيّن أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى بنفسه، فاشترى جملًا من عمر، وشاة من مشرك، وبعيرًا من جابر، واشترى طعامًا من يهودي نسيئة. واستنبط الشيخ من ذلك جواز التجارة مع غير المسلمين ما لم تكن في محرّم. كما نبّه على مسألة تعليق الصور وأنها تمنع دخول الملائكة، وأن تعليقها محرم في البيوت وغيرها. وأفاد فوائد إسنادية، منها أن الزُّبيدي نسبةٌ إلى قبيلة زُبيد، ومن ذلك أيضًا التنبيه على ما قد يكون من زيادات النُّسّاخ في نسخ الصحيح، كقول «عليه السلام» بعد اسم علي رضي الله عنه.
النقاط الرئيسية
- أفضل الكسب ما كان من عمل اليد، وقد كان نبي الله داود عليه السلام يأكل من عمل يده.
- التعفف عن سؤال الناس والعمل ولو بالاحتطاب خير من ذلّ المسألة.
- السماحة في البيع والشراء والاقتضاء سبب لرحمة الله، وإنظار المعسر والتجاوز عنه سبب لتجاوز الله عن العبد.
- الصدق والبيان في البيع سبب للبركة، والكذب والكتمان والحلف الكاذب تمحق البركة.
- الربا من كبائر الذنوب، ولُعن آكله وموكله وكاتبه وشاهده، وعقوبته شديدة في البرزخ والآخرة. وفوائد البنوك من الربا المحرم.
- المهن والحِرَف كالحدادة والخياطة والنسيج والنجارة والصياغة شريفة، وقد امتهنها الصحابة رضي الله عنهم.
- يجوز للإنسان شراء حوائجه بنفسه، ويجوز التعامل التجاري مع غير المسلمين في المباحات.
الفوائد والعبر
- تحرّي الحلال: على المسلم أن يسأل نفسه دائمًا عن مصدر ماله، ولا يكون ممن لا يبالي أمِن حلال أخذه أم من حرام.
- اعتزاز المسلم بعمله: لا يستحي المسلم من أي مهنة مباحة، فالأنبياء والصحابة عملوا بأيديهم، والعيب كل العيب في التكاسل وسؤال الناس.
- الرحمة بالمدينين: من كان له دَين على معسر فليُنظِره أو يتجاوز عنه، رجاء أن يتجاوز الله عنه يوم القيامة.
- الأمانة في التجارة: على التاجر أن يبيّن عيوب سلعته، وأن يجتنب الأيمان لترويجها، فإن البركة في الصدق لا في كثرة الحلف.
- اجتناب الربا بكل صوره: ينبغي الحذر من المعاملات الربوية وفوائد البنوك، وعدم الاغترار بفتاوى المبيحين، وعلى المسلم أن يبحث عن البدائل الشرعية حفاظًا على دينه وبركة ماله.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات