شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي رَحِـمَـهُ الله الدرس《25》لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
مقدمة
نقدم لكم الدرس الخامس والعشرين من سلسلة شرح مذكرة أصول الفقه للإمام العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله، والذي يقدمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. يركز هذا الدرس على إحدى أهم وأدق المسائل في علم أصول الفقه واللغة العربية، وهي مسألة "المجاز" في القرآن والسنة واللغة.
يكشف هذا الدرس عن أهمية الفهم الدقيق للغة العربية وأساليبها في استنباط الأحكام الشرعية وفهم نصوص الوحي، ويبرز خطورة القول بوجود المجاز على العقيدة السليمة، حيث كان باباً لتأويل صفات الله تعالى وتحريف نصوص الكتاب والسنة. يهدف هذا الدرس إلى ترسيخ المنهج السليم في التعامل مع نصوص الوحي، وبيان أن اللغة العربية غنية بأساليبها البلاغية التي لا تحتاج إلى افتراض المجاز.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: تعريف المجاز وأنواعه وموقف الشيخ الشنقيطي منه
يبدأ الدرس ببيان تعريف المجاز عند القائلين به، وهو: "اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لقرينة". ثم يستعرض الشيخ الأنواع الأربعة للمجاز وهي: المجاز المفرد، والمجاز المركب، والمجاز العقلي، ومجاز النقص والزيادة. ويؤكد الشيخ أن الشيخ الشنقيطي رحمه الله، ومنهج هذا الشرح، ينكر وجود المجاز في الكتاب والسنة واللغة العربية أصلاً، مستنداً إلى عدم اتفاق علماء الأمة على واضع اللغة، واختلافهم على أقوال متعددة، وميلا إلى قول ابن تيمية بأن اللغة إلهام.
يُشدد الشيخ على أن ما يُسمى مجازاً هو في الحقيقة أساليب عربية أصيلة ومعانٍ متبادرة إلى الذهن عند السماع، ولا تستدعي افتراض "وضع أول" و "وضع ثانٍ" للكلمة، وهو ما يعجز القائلون بالمجاز عن إثباته.
المحور الثاني: ربط المجاز بقضايا العقيدة وخطره
يكشف الدرس عن العلاقة الخطيرة بين القول بالمجاز والانحرافات العقدية. فمن أشد ما يُنكر به المجاز في كتاب الله، أنه كان مدخلاً للمعتزلة لنفي صفات الله تعالى (كقولهم: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر)، وللأشاعرة لتحريفها بالتأويل (كما في تأويل الاستواء بالاستيلاء). يُوضح الشيخ أن القول بالمجاز فتح باباً للتجرؤ على كلام الله وتحريفه، بحجة أن المجاز يجوز نفيه وحذفه وتأويله.
يُقدم الشيخ أمثلة من الآيات التي ادعى فيها البعض المجاز، مثل قوله تعالى عن الجمادات: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ﴾، ويُبين أن الجمادات لها إرادة حقيقية تليق بها، فلا مجاز في الآية. هذا الربط بين المجاز وقضايا العقيدة يُعد من أهم ما يميز هذا الشرح.
المحور الثالث: تفنيد أنواع المجاز وأمثلتها
يتناول الدرس تفصيل أنواع المجاز التي ذكرها القائلون به، ويُفندها واحدة تلو الأخرى. ففي المجاز المفرد، يشرح الاستعارة (مثل: "رأيت أسداً يرمي" بمعنى رجل شجاع) والمجاز المرسل (مثل: إطلاق الدماء وإرادة الدية). وفي المجاز المركب، يشرح الاستعارة التمثيلية (مثل الأمثال السائرة كقولهم: "الصيف ضيعت اللبن") والمجاز المركب المرسل (مثل: "هوايَ مع الركب اليمانيين مصعدُ" للدلالة على التحسر).
ثم ينتقل إلى المجاز العقلي، الذي يكون التجوز فيه في الإسناد لا في اللفظ، ومثاله: "أنبت الربيع البقل"، حيث الإسناد هنا مجازي لأن المنبت الحقيقي هو الله. ويُبين الشيخ أن السكاكي أنكر هذا النوع ورده إلى الاستعارة المكنية. أما مجاز النقص والزيادة، فمثال النقص: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ والمراد أهل القرية، ومثال الزيادة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. يُفنّد الشيخ هذه الأنواع ويُبين أن ما يُدعى مجازاً هو أساليب عربية معروفة، وأن القول بالحذف والزيادة في القرآن خطير لأنه يجيز حذف أو زيادة شيء من كتاب الله.
النقاط الرئيسية
- التحقيق الذي يدين به الشيخ هو أنه لا مجاز في اللغة العربية، ولا في القرآن، ولا في السنة.
- القول بالمجاز بدأ مع المعتزلة وكان مدخلاً لنفي صفات الله تعالى، ثم تبعه الأشاعرة في تأويلها.
- ما يُسمى مجازاً هو في الحقيقة أساليب عربية بليغة ومعانٍ متبادرة إلى الذهن لا تستدعي افتراض مجاز.
- تفنيد أنواع المجاز المفرد والمركب والعقلي ومجاز النقص والزيادة، وبيان عدم صحة القول بها في نصوص الوحي.
- استعصاء إثبات "الوضع الأول" و "الوضع الثاني" للكلمات على القائلين بالمجاز.
- تأكيد أن اللغة العربية لا تحتاج إلى المجاز لبيان بلاغتها، وأنها غنية بأساليبها الحقيقية.
- الإشارة إلى أن الإمام ابن القيم رحمه الله لقب المجاز بـ"الطاغوت الثالث" وأبطله من سبعين وجهاً.
الفوائد والعبر
- ضرورة الفهم العميق والدقيق للغة العربية وأساليبها البلاغية لفهم صحيح لنصوص الوحي.
- الحذر الشديد من إحداث مصطلحات أو مفاهيم في أصول الفقه لم ترد عن السلف، لما لها من آثار سلبية على العقيدة.
- تقدير بلاغة القرآن الكريم وكماله، وأنه لا يحتاج إلى افتراض المجاز لبيان عظمته.
- أهمية الرجوع إلى منهج السلف الصالح في فهم النصوص الشرعية، والتحذير من التقليد الأعمى للمتأخرين في المسائل العقدية واللغوية.
- تنمية ملكة التفكير النقدي والتحقيق في المسائل العلمية، وعدم التسليم بالمسلمات دون دليل وبرهان.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات