شرح كتاب " زاد المعاد " للإمام ابن القيم الجوزية(67) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,050 مشاهدة
230 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس السابع والستون من شرح كتاب «زاد المعاد في هدي خير العباد» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. ويتناول الدرس فصولًا من فقه السيرة والجهاد، وهي: هديُ النبي ﷺ في الأسرى، وفي الجاسوس، وفي عبيد المشركين إذا أسلموا وخرجوا إلى المسلمين، وفيمن أسلم على شيء في يده، وفيما أتلفه المشركون من أموال المسلمين ودمائهم قبل إسلامهم.

وتظهر أهمية هذا الموضوع في أنه يبيّن عدل الشريعة ورحمتها حتى في حال الحرب. فالأسير في الإسلام لا يُعذَّب ولا يُمتهن، وإنما يُنظر في أمره بحسب مصلحة المسلمين. وتتجلى في هذه الفصول أخلاق النبي ﷺ من وفاءٍ ومكافأةٍ على الإحسان، وعفوٍ عند المقدرة، وعدلٍ لا يحابي فيه قريبًا على حساب الدين.

ومن أهداف هذا الدرس أن يتعرّف طالب العلم على أحكام الأسرى الأربعة: القتل، والمنّ، والفداء بالمال، والمفاداة بأسرى المسلمين. وأن يفهم قصة أسرى بدر وما نزل فيها من القرآن، وقصة إسلام ثمامة بن أثال رضي الله عنه. ويتعلّم كذلك حكم الجاسوس المسلم وتوجيه حديث حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، ويقف على القاعدة العظيمة: أن الإسلام يَجُبّ ما قبله.

المحور الأول: هدي النبي ﷺ في معاملة الأسرى ومكافأة الإحسان

بيّن الشيخ أن النبي ﷺ كان يتصرّف في الأسرى بحسب المصلحة، وذلك على أربعة أوجه:

  • المنّ: أي إطلاق الأسير بلا مقابل.
  • القتل: لمن اشتدت عداوته لله ورسوله، كعقبة بن أبي مُعيط والنضر بن الحارث.
  • الفداء بالمال: يُؤخذ من الأسير مال يتقوّى به المسلمون.
  • المفاداة بالأسرى: يُطلق أسير من المشركين مقابل أسير من المسلمين.

ونبّه الشيخ على أن تعذيب الأسرى وانتهاك حرماتهم والتمثيل بهم ليس من الإسلام في شيء، بل هو من مفاهيم الجاهلية التي جاءت الشريعة بإبطالها.

ومن أعظم شواهد الوفاء قوله ﷺ في أسرى بدر: «لَوْ كَانَ المُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى، لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ» (رواه البخاري). وسبب ذلك أن المطعم أجار النبي ﷺ لما رجع من الطائف فدخل مكة في جواره. فمع كونه كافرًا أراد النبي ﷺ أن يكافئ إحسانه بإحسان أعظم منه، عملًا بقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60].

واستطرد الشيخ في التحذير من أخلاق اللئام الذين يقابلون الإحسان بالإساءة، ويظنون إكرامهم حقًّا مفروضًا لهم، ويحسبون تخلّق المؤمن بأخلاق الإيمان ضعفًا يُستغل. وأورد في ذلك المعنى المشهور: «إذا أنت أكرمت الكريم ملكته، وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا».

المحور الثاني: المنّ على الأسرى وقصة إسلام ثمامة بن أثال رضي الله عنه

ذكر ابن القيم أن النبي ﷺ منّ يوم الحديبية على الذين أرادوا أن يغتالوه ويأخذوا المسلمين على غِرّة فأُسروا، فأطلقهم ﷺ. ثم ذكر قصة ثمامة بن أثال سيد بني حنيفة، وكان من أعيان الرجال وعقلائهم. أُسر فأمر النبي ﷺ أن يُربط بسارية المسجد ليسمع القرآن ويرى أحوال المسلمين.

كان النبي ﷺ يسأله ثلاثة أيام: «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟» فيقول: «إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ المَالَ فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ». ومعنى «ذا دم» أن دمه لن يذهب هدرًا لمكانته في قومه. وفي اليوم الثالث قال ﷺ: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ». فذهب فاغتسل ثم رجع فأسلم وقال: «وَاللهِ مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الوُجُوهِ إِلَيَّ...» (متفق عليه).

ولما قدم مكة معتمرًا وقيل له: صبوت، قال: «لَا، وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَلَا وَاللهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ اليَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ». فكان ذلك حصارًا اقتصاديًّا على قريش حتى اشتدّ بهم الجوع، فكتبوا إلى النبي ﷺ يناشدونه الرحم، فأمر ثمامة بإطلاق الميرة.

وبيّن الشيخ أن هذه القصة مثال على أن الإحسان يثمر في نفوس الكرام. وأشار إلى أن أهل الحديث كانوا يستدلون بالنظر في الوجوه على صلاح الرجل، وأن لين القول مع أهل الفساد والشر قد يزيدهم فسادًا.

المحور الثالث: مشورة أسرى بدر وصور الفداء والعدل في الأحكام

استشار النبي ﷺ أصحابه في أسرى بدر. فأشار أبو بكر الصديق رضي الله عنه بأخذ الفدية لتكون قوة للمسلمين، رجاء أن يهديهم الله إلى الإسلام. وأشار عمر رضي الله عنه بضرب أعناقهم لأنهم أئمة الكفر وصناديده. فمال النبي ﷺ إلى قول أبي بكر.

ثم جاء عمر من الغد فوجد النبي ﷺ وأبا بكر يبكيان، فقال ﷺ: «أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ» (رواه مسلم). وأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: 67].

ونقل ابن القيم خلاف العلماء في أيّ الرأيين كان أصوب، ورجّحت طائفة قول أبي بكر لأمور، منها:

  • أن الأمر استقر عليه في النهاية.
  • موافقته للكتاب الذي سبق من الله بإحلال الغنائم.
  • موافقته للرحمة التي غلبت الغضب.
  • تشبيه النبي ﷺ له بإبراهيم وعيسى عليهما السلام، وتشبيه عمر بنوح وموسى عليهما السلام.
  • ما حصل من إسلام أكثر أولئك الأسرى وخروج المسلمين من أصلابهم.
  • ما حصل من القوة للمسلمين بالفداء.

وأما بكاء النبي ﷺ فكان رحمةً لمن أراد بالفداء عرض الدنيا من بعض الصحابة، لأن الفتنة إذا نزلت تعمّ.

ومن صور العدل أن الأنصار استأذنوا أن يتركوا للعباس عمّ النبي ﷺ فداءه، فقال: «لَا تَدَعُونَ مِنْهُ دِرْهَمًا» (رواه البخاري). وعلّق الشيخ بأن من منهج أهل السنة عدم المحاباة على حساب الدين ولو للأقربين، وأن الدفاع إنما يكون عن المنهج لا عن الأشخاص.

وذكر من صور الفداء:

  • استيهابه ﷺ الجارية التي نفّلها أبو بكر لسلمة بن الأكوع، وبعثه بها إلى مكة ففدى بها ناسًا من المسلمين.
  • فداؤه رجلين من المسلمين برجل من بني عقيل.
  • ردّه سبي هوازن بعد القسمة مع تطييب قلوب الغانمين، وتعويض من لم تطب نفسه.
  • جعله فداء بعض أسرى بدر أن يعلّموا أولاد الأنصار الكتابة، وفي هذا دليل على جواز الفداء بالعمل كما يجوز بالمال.

وتناول الدرس كذلك أحكام السبي: استرقاق العرب كغيرهم، وقصة عتق جويرية بنت الحارث رضي الله عنها وزواج النبي ﷺ بها، وإباحة وطء المسبيّة بملك اليمين بعد الاستبراء، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24]. ومن رحمته ﷺ أنه نهى عن التفريق بين الوالدة وولدها، فقال: «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» (رواه الترمذي). وكان يعطي أهل البيت جميعًا لواحد كراهية أن يفرّق بينهم.

المحور الرابع: حكم الجاسوس وتوجيه حديث حاطب وأهل بدر

ثبت أن النبي ﷺ قتل جاسوسًا من المشركين (رواه البخاري). وأما الجاسوس المسلم فبيّن الشيخ أن التجسس على المسلمين كبيرة من الكبائر، لكنه ليس كفرًا مخرجًا من الملة. وأمره راجع إلى وليّ أمر المسلمين: إن شاء قتله، وإن شاء عاقبه بما دون القتل، وإن شاء عفا عنه.

والدليل قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، حين استأذن عمر رضي الله عنه في قتله، فقال ﷺ: «وَمَا يُدْرِيكَ؟ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» (متفق عليه). واستدل به مالك وابن عقيل من الحنابلة وغيرهم على جواز قتل الجاسوس المسلم، لأن النبي ﷺ علّل ترك قتله بعلّة خاصة هي شهود بدر. ولو كان الإسلام وحده مانعًا من القتل لما علّل بما هو أخصّ منه، وقال ابن القيم: «وهذا أقوى».

وأجاب الشيخ عن إشكال قد يرد: هل يعني قوله «اعملوا ما شئتم» الإذن بالمعاصي أو الشرك؟ فبيّن أن أهل بدر معصومون من الردة شرعًا وواقعًا. فالله لا يغفر الشرك، ولم يرتدّ أحد منهم قط، ولم يقع أحد منهم في كبيرة قذرة متعمَّدة كالزنا والسرقة.

وما وقع من حاطب كان زلّة عن تأويل. وكذلك ما وقع من قدامة بن مظعون رضي الله عنه حين شرب الخمر متأوّلًا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا﴾ [المائدة: 93]. والتأويل من موانع التكفير والتفسيق والتبديع.

المحور الخامس: عبيد المشركين إذا أسلموا، والإسلام يَجُبّ ما قبله

كان من هديه ﷺ أن عبيد المشركين إذا خرجوا إلى المسلمين مسلمين أعتقهم ولم يردّهم إلى ساداتهم، كما فعل بعبيد الطائف الذين نزلوا إليه.

وكان من هديه أن من أسلم على شيء في يده فهو له، ولا يُنظر إلى سببه قبل الإسلام، سواء كان غصبًا أو نهبًا أو غير ذلك. وبيّن الشيخ أن هذا من تيسير الإسلام وترغيبه، لئلا يكون ما في يد الكافر حاجزًا عن دخوله في الدين.

وكان ﷺ لا يُضمِّن المشركين إذا أسلموا ما أتلفوه على المسلمين من نفس أو مال حال الحرب. والأصل في ذلك حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه لما بسط يده ليبايع واشترط أن يُغفر له، فقال ﷺ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟» (رواه مسلم).

وحذّر الشيخ في هذا السياق ممن يبيع دينه بعرض من الدنيا فيرتدّ عنه طمعًا في مال أو منصب. فالإسلام أغلى من الدنيا كلها، ولا يضحّي المؤمن بدينه أبدًا.

النقاط الرئيسية

  • يتخيّر الإمام في الأسرى بين القتل والمنّ والفداء بالمال أو بالعمل والمفاداة بأسرى المسلمين، وفق المصلحة الشرعية، ويحرم تعذيبهم أو امتهانهم.
  • كافأ النبي ﷺ المطعم بن عدي على إحسانه وهو كافر، وهذا أصل في الوفاء ومقابلة الإحسان بالإحسان.
  • قصة ثمامة بن أثال شاهد على أثر العفو والإحسان في هداية القلوب، وعلى عزة المؤمن بدينه.
  • في أسرى بدر أخذ النبي ﷺ برأي أبي بكر في الفداء، ونزلت آية الأنفال، ورجّح جمع من العلماء رأي الصديق لما ترتب عليه من الخير العظيم.
  • لا محاباة في دين الله ولو للأقارب، كما في رفض النبي ﷺ إسقاط فداء عمّه العباس.
  • الجاسوس المسلم مرتكب لكبيرة غير مكفّرة، وأمره إلى وليّ الأمر، وأهل بدر معصومون من الردة شرعًا وواقعًا.
  • الإسلام يهدم ما قبله، فمن أسلم فله ما في يده، ولا يضمن ما أتلفه حال كفره.

الفوائد والعبر

  • أن يتحلّى المسلم بالوفاء ويكافئ من أحسن إليه ولو كان مخالفًا له، وأن يحذر من أخلاق اللئام الذين يقابلون المعروف بالجحود.
  • أن العفو والإحسان قد يكونان سببًا في هداية الناس أكثر من الشدة، مع وضع كلٍّ في موضعه، فالحلم مع أهل الشر قد يزيدهم شرًّا.
  • أن يكون الولاء للحق والمنهج لا للأشخاص، فلا يحابي المسلم قريبًا أو صاحبًا على حساب دين الله.
  • أن يتثبّت المسلم في الحكم على من وقع في خطأ متأوّلًا، فالتأويل من موانع التكفير والتبديع، وتُحفظ لأهل السابقة مكانتهم.
  • أن باب التوبة والإسلام مفتوح، فالإسلام يجبّ ما قبله، والدين أغلى من الدنيا بأسرها فلا يُباع بعرض زائل.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات