شرح كتاب " زاد المعاد " للإمام ابن القيم الجوزية(100) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري

1,858 مشاهدة
342 مشاركة
منذ 7 سنوات
```html

المقدمة

هذا هو المجلس المئة من شرح كتاب «زاد المعاد في هدي خير العباد» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول فيه فصلًا مهمًّا من فصول السيرة النبوية، هو قدوم وفد نصارى نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما جرى بينهم وبينه من محاورة ودعوة إلى الإسلام، ثم دعوتهم إلى المباهلة، وانتهاء الأمر بالصلح على الجزية.

وترجع أهمية هذا الفصل إلى أنه يكشف منهج النبي صلى الله عليه وسلم في دعوة أهل الكتاب ومحاورتهم، وفي إقامة الحجة عليهم بالحكمة والبرهان. كما يبيّن أحكامًا فقهية مهمة تتعلق بالعهود والمواثيق مع غير المسلمين، والجزية وشروطها، والوفاء بالعهد.

ويهدف هذا الدرس إلى أن يتعرّف المشاهد على أحداث وفد نجران وتفاصيلها، وأن يفهم آية المباهلة ومعناها وسبب نزولها. ويهدف كذلك إلى إدراك حقيقة كبرى: أنّ معرفة الحق وحدها لا تكفي ما لم يقترن بها الانقياد والاتباع، وأن الكبر وحب الرياسة والدنيا من أعظم الصوارف عن قبول الحق.

المحور الأول: قدوم وفد نجران ومكانتهم عند قومهم

كان أهل نجران نصارى، وقد قدم وفدهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة. وكان فيهم أشرافهم وأهل الرأي منهم، وعلى رأسهم العاقب أميرهم وصاحب مشورتهم، والسيّد صاحب رحلهم ومجتمعهم، وأبو حارثة بن علقمة أسقفهم وحبرهم وصاحب مدارسهم.

وقد دخلوا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليهم ثياب الحِبَرات وهيئة التجمّل. ولما حانت صلاتهم قاموا يصلّون في المسجد، فأراد الناس منعهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوهم»، فصلّوا إلى المشرق. واستنبط أهل العلم من ذلك جواز دخول أهل الكتاب المسجد، وتمكينهم من صلاتهم بحضرة المسلمين إذا كان ذلك عارضًا ولم يُتّخذ عادة.

ويبيّن الشيخ أن ملوك الروم كانوا قد شرّفوا هذا الأسقف ومَوَّلوه وبنوا له الكنائس وأكرموه، لما بلغهم من علمه واجتهاده في دينهم. وكان لهذا الإكرام الدنيوي أثر بالغ في موقفه من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم.

المحور الثاني: معرفة الحق لا تكفي دون اتباعه

يقف الشيخ عند قصة أبي حارثة وأخيه كُرز بن علقمة. فقد تعثّرت بكرز بغلته في الطريق إلى المدينة، فقال: «تَعِسَ الأبعد»، يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له أبو حارثة: «بل أنت تعِست، أتشتم رجلًا من المرسلين؟ إنه للنبي الذي كنا ننتظر».

فسأله أخوه: فما يمنعك منه وأنت تعلم هذا؟ فأجاب بأن هؤلاء الملوك أعطوهم وشرّفوهم وأكرموهم، وقد أبوا إلا خلافه، ولو اتبعه لنزعوا منه كل ما يرى. فكان ذلك سببًا في إسلام كرز بعد ذلك، أما أبو حارثة فآثر الدنيا على الحق.

ويقرر الشيخ تبعًا لابن القيم أن كثيرًا من الناس يعرفون الحق ولا يتبعونه، كبرًا وترفّعًا، أو حرصًا على جاه أو رياسة أو مال. وأن الإقرار بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفة صدقه لا يُدخل صاحبه في الإسلام حتى يلتزم طاعته واتباعه. فهذا حال من قال الله فيهم:

﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 146]

المحور الثالث: المحاورة في شأن عيسى عليه السلام وآية المباهلة

حاور وفد نجران النبي صلى الله عليه وسلم في شأن عيسى عليه السلام. فأنزل الله تعالى صدر سورة آل عمران، مبيّنًا حقيقة عيسى، وأنه عبد الله ورسوله، وأنّ خَلقه من غير أب ليس بأعجب من خلق آدم من غير أب ولا أم:

﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ۝ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: 59-60]

فلما أصرّوا على باطلهم بعد قيام الحجة، أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعوهم إلى المباهلة، وهي أن يجتمع الفريقان ثم يبتهلا إلى الله، أي يتضرّعا ويجتهدا في الدعاء بأن يجعل لعنته على الكاذب منهما:

﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: 61]

ويبيّن الشيخ أن المباهلة مشروعة مع أهل الباطل المعاندين إذا قامت عليهم الحجة فلم يرجعوا. وأن النصارى أحجموا عنها لعلمهم بصدقه صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح البخاري أن أحد الرجلين قال لصاحبه:

«لَا تَفْعَلْ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَاعَنَّا لَا نُفْلِحُ نَحْنُ وَلَا عَقِبُنَا مِنْ بَعْدِنَا»

المحور الرابع: الصلح على الجزية وشروط العهد

لما امتنع وفد نجران عن المباهلة رضوا بالصلح وأداء الجزية. فصالحهم النبي صلى الله عليه وسلم على ألفي حُلّة: ألف في شهر صفر، وألف في شهر رجب، قيمة كل حلة أوقية. فما زاد على ذلك أو نقص يُحسب بالحساب.

ومن شروط العهد أن يُعيروا المسلمين عند الحاجة، كأن يقع كيد باليمن، أعدادًا من الدروع والخيل والإبل وأصناف السلاح، على أن تكون مضمونة حتى تُرَدّ إليهم. ومنها كذلك أن يقوموا بضيافة رسل النبي صلى الله عليه وسلم ومؤنتهم مدة إقامتهم عندهم.

وفي المقابل كان لهم جوار الله وذمة رسوله على أنفسهم وأموالهم ومِلّتهم وبِيَعهم، فلا تُهدم لهم كنيسة، ولا يُفتنون عن دينهم، ما لم يُحدثوا حدثًا أو يأكلوا الربا. وفي هذا بيان لعدل الإسلام ووفائه بالعهود، وأن عقد الذمة يقوم على حقوق وواجبات متبادلة.

المحور الخامس: أبو عبيدة أمين هذه الأمة

طلب أهل نجران من النبي صلى الله عليه وسلم أن يبعث معهم رجلًا أمينًا يقبض ما صالحوا عليه. فتطلّع الصحابة رضي الله عنهم إلى هذه المنزلة رغبة في هذا الوصف الشريف، فاختار النبي صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه.

«لَأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ» ... فَلَمَّا قَامَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ» [رواه البخاري]

وفي ذلك منقبة عظيمة لأبي عبيدة رضي الله عنه. وفيه أيضًا أن الأمانة شرط فيمن يتولى أموال المسلمين وعهودهم، وأن الإمام يختار للولايات أهل الكفاءة والأمانة.

النقاط الرئيسية

  • قدم وفد نصارى نجران على النبي صلى الله عليه وسلم، وفيهم العاقب والسيد والأسقف أبو حارثة بن علقمة.
  • يجوز دخول أهل الكتاب المسجد، وقد مكّنهم النبي صلى الله عليه وسلم من صلاتهم فيه.
  • عرف بعض علماء النصارى نبوته صلى الله عليه وسلم، لكن حب الدنيا والجاه صرفهم عن اتباعه.
  • نزل صدر سورة آل عمران في بيان حقيقة عيسى عليه السلام، وأن مثله عند الله كمثل آدم.
  • المباهلة مشروعة مع المعاند بعد قيام الحجة، وقد نكل عنها النصارى خوفًا من عاقبتها.
  • صالحهم النبي صلى الله عليه وسلم على ألفي حلة وعارية السلاح، مع تأمينهم على دينهم وأموالهم.
  • بعث النبي صلى الله عليه وسلم معهم أبا عبيدة بن الجراح، أمين هذه الأمة.

الفوائد والعبر

  • الحذر من الكبر وحب الرياسة: فهما من أعظم ما يصدّ عن قبول الحق، فليحرص المسلم على الانقياد للحق متى ظهر له، ولو خالف هواه ومصالحه.
  • العلم يقتضي العمل: معرفة الحق حجة على صاحبها إن لم يتبعه، فالعبرة بالاتباع والانقياد لا بمجرد المعرفة.
  • الدعوة بالحكمة والحجة: يتعلم الداعية من هدي النبي صلى الله عليه وسلم محاورة المخالف بالبرهان الواضح، والصبر عليه حتى تقوم الحجة.
  • الوفاء بالعهود: الإسلام دين العدل والوفاء، يحفظ حقوق المعاهدين ما داموا ملتزمين بعهدهم.
  • تعظيم خلق الأمانة: الأمانة من أشرف الصفات التي يتنافس فيها المؤمنون، وبها نال أبو عبيدة رضي الله عنه هذا الوسام النبوي.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات