شرح كتاب " زاد المعاد " للإمام ابن القيم الجوزية (166) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,708 مشاهدة
34 مشاركة
منذ 4 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس السادس والستون بعد المئة من شرح كتاب «زاد المعاد في هدي خير العباد» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتابع الشيخ فيه شرح باب الرضاع وأحكامه، وهو باب تترتب عليه مسائل كثيرة في التحريم والمحرمية، ويحتاج إليه الناس في أنكحتهم وصلة أرحامهم وفي معرفة من يحل لهم الدخول عليه.

ومدار الدرس على مسألة «لبن الفحل»، أي هل يثبت التحريم من جهة الزوج صاحب اللبن كما يثبت من جهة المرأة المرضعة. ويذكر فيه ابن القيم القول الذي تدل عليه السنة الصحيحة الصريحة، ويرد على من خالفه. ثم ينتقل إلى مسائل تتفرع عنها، كمن أرضعته نساء رجلٍ واحد كل واحدة منهن رضعة، وحكم البنت المخلوقة من ماء الزنا، وعدد الرضعات التي يثبت بها التحريم.

والمقصود من هذا الدرس أن يعرف طالب العلم حكم لبن الفحل بأدلته، وأن السنة تُقدَّم على قول كل أحد، وأن يفهم كيف تأتي السنة مبيِّنة للقرآن ومفصِّلة له، وأن يعرف أقوال أهل العلم في عدد الرضعات المحرِّمة وما يرجّحه الدليل منها.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: ثبوت التحريم بلبن الفحل

يقرر ابن القيم أن الحق الذي لا يجوز القول بغيره هو ثبوت التحريم بلبن الفحل. فإذا أرضعت المرأة طفلاً صار زوجها صاحب اللبن أباً له من الرضاع، وصار آباء الزوج أجداداً للطفل، وإخوته أعماماً له، وأخواته عماتٍ له. فالحرمة تنتشر من جهة الرجل كما تنتشر من جهة المرأة.

ودليل ذلك حديث عائشة رضي الله عنها لما استأذن عليها أفلح أخو أبي القعيس، فأبت أن تأذن له حتى تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكانت امرأة أبي القعيس هي التي أرضعتها، ولم يرضعها الرجل، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «ائْذَنِي لَهُ فَإِنَّهُ عَمُّكِ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ».

ويدل عليه كذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»، وفي رواية: «مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ». وسُئل ابن عباس رضي الله عنهما عن رجل له امرأتان، أرضعت إحداهما جارية وأرضعت الأخرى غلاماً، هل يحل للغلام أن يتزوج الجارية؟ فقال: «لَا، اللِّقَاحُ وَاحِدٌ».

المحور الثاني: تقديم السنة على قول كل أحد، والرد على المخالفين

يبيّن ابن القيم أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تُتَّبع، وأنها لا تُترك لقول أحد كائناً من كان. ومن خالفها من الصحابة فإنما خالفها لأن الحديث لم يبلغه. ولو تُركت السنن لمخالفة بعض الناس لها لضاع منها شيء كثير، ولعُبد الله على غير مراده. ويحذّر من أن تُترك السنة لعادة الناس، أو لتقليد من لا يجب اتباعه.

ومن الأمثلة على ذلك قصة زينب بنت أبي سلمة. كانت أسماء بنت أبي بكر قد أرضعتها، وكان الزبير بن العوام رضي الله عنه يراها ابنته، ثم أراد ابنه أن يتزوجها، وسُئل عن ذلك الصحابة وهم يومئذ متوافرون، فقالوا: إن الرضاعة من قِبَل الرجل لا تحرّم شيئاً. وذكر الشيخ أن جماعة من التابعين كانوا لا يرون بلبن الفحل بأساً، حتى أخبرهم الحكم بحديث أبي القعيس فرجعوا إليه. والعبرة في ذلك أن الحجة في السنة، لا في كثرة من خالفها.

وقد احتج المخالفون بأن الله تعالى لم يذكر في التحريم بالرضاع إلا الأمهات والأخوات، فقال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23]، ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ﴾ [النساء: 24]. فأجاب ابن القيم بأن السنة الصحيحة الصريحة لا تُترك بمثل هذا الفهم، وأن القرآن إما أن يدل على هذا التحريم وإما أن يكون ساكتاً عنه فتأتي السنة ببيانه. ولفظ ﴿أَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾ يشمل الأخت من جهة الأب الرضاعي. ونظير ذلك أن السنة حرّمت الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، ولم يُذكر ذلك في الآية، ولم يقل أحد إن هذا التحريم زيادة على القرآن تُرَدّ.

المحور الثالث: من أرضعته نساء رجلٍ واحد كل واحدة منهن رضعة

صورة المسألة رجل له خمس نساء أو أمهات أولاد، أرضعت كل واحدة منهن طفلاً رضعة واحدة. فلا تصير واحدة منهن أماً له، لأن واحدة منهن لم تكمل له خمس رضعات. فهل يصير الزوج أباً له؟ في ذلك وجهان. والصحيح أنه يصير أباً له، لأن الطفل رضع من لبنه خمس رضعات، ولبن الفحل أصل قائم بنفسه، ولا يتوقف على أمومة المرضعة.

ويتفرع على هذا ما لو أرضعته بنات رجلٍ أو أخواته خمس رضعات متفرقة، فهل يصير الرجل جداً أو خالاً له؟ ويرجّح ابن القيم الفرق بين المسألتين. ففي المسألة الأولى اللبن كله لرجل واحد فثبتت أبوته. وأما في هذه فاللبن ليس للرجل، وإنما التحريم فرع عن أمومة المرضعة، فإذا لم تكن المرضعة أماً للطفل لم يكن أبوها جداً له ولا أخوها خالاً له.

المحور الرابع: تحريم البنت المخلوقة من ماء الزنا، وأحكام البنتية من الرضاع

يقرر ابن القيم أن البنت المخلوقة من ماء الزاني تحرم عليه، وهو قول جمهور المسلمين. وحجته أن الشرع إذا حرّم على الرجل البنت التي رضعت من لبنه، فكيف يُبيح له البنت المخلوقة من مائه وهي بضعة منه؟ هذا من المستحيل. بل نُقل عن الإمام أحمد أن من تزوجها يُقتل.

ويذكر أن البنتية تتبعّض في الأحكام. فالبنت من الرضاع بنت في حكمين فقط هما التحريم والمحرمية، ولا تأخذ سائر أحكام البنت من الميراث والنفقة والولاية. وكذلك البنت من الزنا هي بنت في التحريم، وإن لم تأخذ بقية أحكام البنت. ومثل هذا كثير في الشريعة.

المحور الخامس: عدد الرضعات المحرِّمة

أجمع المسلمون على أن الرضاع يحرّم في الجملة، واختلفوا في القدر الذي يثبت به التحريم:

  • قالت طائفة: قليله وكثيره سواء، وهو قول أبي حنيفة ومالك ورواية عن أحمد.
  • وقالت طائفة: لا يثبت التحريم بأقل من ثلاث رضعات.
  • وقالت طائفة: لا يثبت بأقل من خمس رضعات، وهو قول ابن مسعود وابن الزبير وعطاء وطاوس، وهو مذهب الشافعي وظاهر مذهب أحمد.
  • وقيل غير ذلك، كالسبع والعشر.

واحتج من قال بالتحريم بالقليل والكثير بأن الله علّق التحريم على اسم الرضاع، فحيث وُجد اسمه وُجد حكمه. واحتجوا بحديث عقبة بن الحارث، وقد تزوج امرأة فجاءت أمة سوداء وقالت إنها أرضعتهما، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «كَيْفَ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنْ قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا؟ دَعْهَا عَنْكَ»، ولم يسأل عن عدد الرضعات.

واحتج من قال بالخمس بحديث عائشة رضي الله عنها: «كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ». واحتج من قال بالثلاث بقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ».

النقاط الرئيسية

  • التحريم يثبت بلبن الفحل، فزوج المرضعة أبٌ للرضيع، وإخوته أعمامه، وآباؤه أجداده.
  • حديث أفلح أخي أبي القعيس نصٌّ صريح في المسألة: «ائْذَنِي لَهُ فَإِنَّهُ عَمُّكِ».
  • السنة تُقدَّم على قول كل أحد، ومن خالفها من السلف فإنما خالفها لأنها لم تبلغه.
  • السنة تأتي مبيِّنة للقرآن، وما أثبتته من التحريم لا يُعدّ معارضة لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ﴾.
  • من رضع من لبن رجلٍ واحد خمس رضعات من نسائه المتعددات صار ابناً له على الصحيح، وإن لم تصر واحدة منهن أماً له.
  • البنت المخلوقة من ماء الزنا تحرم على الزاني، والبنتية من الرضاع خاصة بالتحريم والمحرمية.
  • أهل العلم مختلفون في عدد الرضعات المحرِّمة، وأشهر الأقوال: قليله وكثيره سواء، أو ثلاث، أو خمس.

الفوائد والعبر

  • ينبغي أن يكون المسلم وقّافاً عند السنة، فإذا صح الحديث لم يقدّم عليه عادة ولا تقليداً ولا كثرة من خالفه.
  • من سار على هدي الصحابة وجب عليه أن يتثبت في المسائل كما فعلت عائشة رضي الله عنها، فلم تأذن حتى سألت النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يرجع إلى الحق إذا ظهر له كما رجع التابعون لما بلغهم الحديث.
  • على الأسر أن تحفظ الرضاع وتضبطه، فتعرف من أرضعت المرأة وكم أرضعته، حتى لا يقع نكاح محرّم، ولا يُمنع أحد من محرمية ثابتة له.
  • الشريعة تحفظ الأنساب والأعراض، ومن ذلك تحريم البنت من ماء الزنا على الزاني، وفيه دليل على كمال هذا الدين وحكمته.
  • فهم القرآن يكون بالسنة، فمن اكتفى بالقرآن وأعرض عن بيان النبي صلى الله عليه وسلم ضلّ عن مراد الله.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات