شرح كتاب " زاد المعاد " للإمام ابن القيم الجوزية (162) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,460 مشاهدة
236 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس الثاني والستون بعد المئة من شرح كتاب «زاد المعاد في هدي خير العباد» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول الدرس بابًا مهمًّا من أبواب فقه الأسرة، وهو هدي النبي ﷺ وقضاؤه في الحضانة. ومدار الكلام فيه على قصة ابنة حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنهما، حين اختصم في حضانتها علي بن أبي طالب وجعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة رضي الله عنهم، فقضى بها النبي ﷺ لخالتها.

والحضانة من أعظم ما جاءت الشريعة بحفظه، لأنها رعاية لطفل ضعيف لا يقدر على القيام بمصالحه. ولذلك اعتنى العلماء بتحديد من هو أحق بها، ومتى تسقط، وكيف يُجمع بين النصوص التي يبدو بينها تعارض. ويعرض ابن القيم في هذا الموضع أقوال الأئمة، ومنها اعتراض ابن حزم والجواب عنه، ويقف على علل الأحكام ومقاصدها.

وأهداف هذا الدرس أن يعرف المشاهد قضاء النبي ﷺ في حضانة ابنة حمزة، وأن يفهم معنى قوله ﷺ: «الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ»، وأن يقف على مسألة سقوط الحضانة بزواج الحاضنة وعلّتها، وأن يرى منهج أهل العلم في نقد الأسانيد والجمع بين الأدلة.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: قصة اختصام الصحابة في حضانة ابنة حمزة رضي الله عنه

لما خرج النبي ﷺ من مكة في عمرة القضاء تبعته ابنة عمه حمزة رضي الله عنه تنادي: يا عمّ، يا عمّ. فأخذها علي رضي الله عنه، ثم اختصم فيها هو وجعفر وزيد. فقال علي: هي ابنة عمي، وأنا أخذتها. وقال جعفر: هي ابنة عمي، وخالتها تحتي، أي زوجتي. وقال زيد: هي ابنة أخي، وذلك لأن النبي ﷺ كان قد آخى بينه وبين حمزة.

وذكر الشيخ أن كل واحد منهم بنى دعواه على سبب ظنّه موجبًا للتقديم. فعليٌّ احتج بالقرابة وبأنه سبق إلى أخذها، وجعفرٌ احتج بالقرابة وبأن خالتها زوجته، وزيدٌ احتج بالمؤاخاة وبأنه وصيّ حمزة. فقضى بها النبي ﷺ لخالتها، وطيّب خاطر كل واحد منهم بكلمة تليق به.

عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ ﷺ لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ، وَقَالَ لِعَلِيٍّ: أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ، وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي، وَقَالَ لِزَيْدٍ: أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا» (رواه البخاري).

المحور الثاني: منزلة الخالة في الحضانة وتقديم قرابة الأم

في قوله ﷺ: «الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ» دليل على أن الخالة تقوم مقام الأم في الحضانة عند عدمها. وقد قدّمها النبي ﷺ على أبناء العم وعلى من له حق المؤاخاة. ونبّه الشيخ إلى أن هذا الحكم مقدَّم عند الحنفية والمالكية والشافعية وغيرهم، لأن الخالة أوفر شفقة وأقرب إلى معنى الأمومة.

ونقل الشيخ كلام الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله في «تهذيب الآثار». ومفاده أن حديث ابنة حمزة يدل على أن قرابات الطفل من النساء من جهة الأم أحقّ بحضانته من عصبته من الرجال من جهة الأب، ما لم يبلغ الطفل حدّ الاختيار. وذلك أن النبي ﷺ قضى بها لخالتها، مع أن ابنَي عمها عليًّا وجعفرًا كانا ينازعان فيها.

المحور الثالث: سقوط الحضانة بزواج الحاضنة وعلّة ذلك

من المسائل التي استُشكلت في الحديث أن الخالة كانت متزوجة من جعفر، ومع ذلك قُضي لها بالحضانة. والمعروف أن الحاضنة إذا تزوجت سقط حقها، لحديث: «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» (رواه أبو داود وأحمد). وقد ذكر الشيخ هذا الإشكال وكيف أجاب عنه ابن القيم.

وحاصل الجواب أن الحضانة لا تسقط بالزواج لأنه حقّ لله تعالى، وإنما تسقط مراعاةً لحق الزوج. فالزوج يملك منفعة الاستمتاع بزوجته، ويتضرر بانشغالها بطفل غيره. فإذا رضي الزوج بالحضانة زالت المفسدة وبقي الحق، كما كان في قصة جعفر رضي الله عنه، فهو نفسه كان يطلب الحضانة لخالتها.

وذكر الشيخ أيضًا تفريق بعض أهل العلم بين الأم وغيرها من الحاضنات. فالأم إذا تزوجت سقطت حضانتها لأن الأب ينازعها، وأما الخالة ونحوها فلا تسقط حضانتها بالزواج إذا كان الزوج قريبًا للطفل أو راضيًا. وفي ذلك عدة مذاهب عرضها الدرس.

المحور الرابع: الكلام على إسناد الحديث والرد على ابن حزم

عرض الشيخ طرق الحديث، ومنها رواية إسرائيل عن أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ وهبيرة بن يريم عن علي رضي الله عنه. وقد طعن الإمام ابن حزم رحمه الله في هذه الرواية، وقال إن هانئًا وهبيرة مجهولان.

وردّ ابن القيم رحمه الله ذلك، فبيّن أنهما معروفان بالرواية عن علي رضي الله عنه، وأن أصل القصة ثابت في صحيح البخاري من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه. فلا يضرّ الحكم ما قيل في بعض الطرق. وفي هذا مثال على منهج الأئمة في نقد الأسانيد بإنصاف، والجمع بين الروايات قبل ردّها.

النقاط الرئيسية

  • قضى النبي ﷺ بحضانة ابنة حمزة لخالتها، وقال: «الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ».
  • اختصم في حضانتها علي وجعفر وزيد رضي الله عنهم، وبنى كل واحد منهم دعواه على سبب: القرابة أو الزوجية أو المؤاخاة.
  • تُقدَّم قرابة الأم من النساء في الحضانة على العصبة من الرجال، لأنهن أوفر شفقة.
  • سقوط الحضانة بزواج الحاضنة إنما هو مراعاة لحق الزوج، فإذا رضي بقي حق الحضانة.
  • فرّق بعض العلماء بين الأم وغيرها في سقوط الحضانة بالزواج.
  • ردّ ابن القيم دعوى ابن حزم بجهالة هانئ بن هانئ وهبيرة بن يريم، وبيّن أن أصل القصة في صحيح البخاري.
  • طيّب النبي ﷺ خاطر كل واحد من المتخاصمين بثناء يليق به بعد أن قضى بينهم.

الفوائد والعبر

  • مصلحة الطفل هي المقصد الأعظم في أحكام الحضانة، فينبغي أن تُقدَّم على رغبات المتنازعين.
  • القاضي والمصلح بين الناس يحسن به أن يجبر خاطر من لم يُقضَ له، كما فعل النبي ﷺ مع علي وجعفر وزيد.
  • معرفة علل الأحكام ومقاصدها تعين على فهم النصوص والجمع بين ما يبدو بينها تعارض.
  • ينبغي للمسلم أن يعرف لقرابة الأم قدرها، وأن يحسن إلى الخالة لأنها بمنزلة الأم.
  • طالب العلم يتعلّم الإنصاف في نقد الأقوال والأسانيد، وأن يتثبّت قبل أن يردّ حديثًا أو يحكم على راوٍ.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات