شرح كتاب " طريق الوصول إلى العلم المأمول" الدرس ( 1 ) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الأول في شرح كتاب «طريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول»، يلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ألّف الكتابَ العلامةُ الفقيه الأصولي عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله، وجمع فيه ما استخلصه من القواعد والضوابط والأصول من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله. وقد تميّز السعدي بين علماء عصره لأنه استوعب كثيرًا مما كتبه هذان الإمامان.
يبدأ الشيخ الدرس بخطبة الحاجة، ثم يذكّر بأن طلب العلم واجب حتى في أوقات المحن، وأن الأمة لا تخلو من طائفة ظاهرة على الحق. وقبل الدخول في متن الكتاب يعرّف بأهم مصطلحاته: القاعدة والضابط والأصل، ويبيّن الفروق بينها ويذكر لها أمثلة. ثم يقرأ مقدمة السعدي ويقف عند ثنائه على شيخ الإسلام ابن تيمية.
والهدف من الدرس أن يفهم طالب العلم هذه المصطلحات قبل أن يقرأ في كتب القواعد والأشباه والنظائر، فيعرف كيف تُستنبط أحكام الجزئيات من الأحكام الكلية، ويعرف قدر الأئمة الذين أُخذت عنهم هذه القواعد.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الثبات على طلب العلم في زمن المحن
بدأ الشيخ بخطبة الحاجة، ثم تكلم عن أحوال المسلمين وما يمرون به من محن. وبيّن أن هذه المحن لا تكون سببًا لترك العلم، فالصحابة رضي الله عنهم لم يتركوا التعلم مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى وهم في الجهاد. وهذا يرد على من يشكك في جدوى مجالس العلم في أوقات الشدة.
وذكّر الشيخ بوعد النبي صلى الله عليه وسلم ببقاء طائفة منصورة على الحق، وهم أهل الحديث ومن كان على اعتقادهم واعتقاد السلف. وذكر أن المجلس كان مخصصًا لكتب السنة والأسانيد، ثم اختاروا هذا الكتاب استجابة لطلب كثير من الحاضرين.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» [رواه مسلم].
المحور الثاني: تعريف القاعدة لغة واصطلاحًا مع أمثلتها
القواعد في اللغة جمع قاعدة، ومعناها الأساس. وقد يكون الأساس حسيًّا مثل قواعد البيت، أو معنويًّا مثل قواعد الدين. ومن المعنى الحسي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: 127]، أي أساس البيت. ومثله قوله تعالى: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: 26].
وفي الاصطلاح: القاعدة حكم كلي ينطبق على جزئياته لتُعرف أحكامها منه. وبعض العلماء يقول إنها حكم أغلبي، لأن بعض القواعد لها استثناءات. فمن نظر إلى القواعد التي لا استثناء فيها قال: حكم كلي، ومن نظر إلى ما فيه استثناء قال: حكم أغلبي.
ومن أمثلتها قاعدة «الأمر للوجوب»، فنعرف بها وجوب الصلاة والزكاة من قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. ومنها قاعدة «النهي للتحريم»، فنعرف بها تحريم الزنا من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]، وتحريم الخمر من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90].
ومنها قاعدة «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب». فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114] نزل في صحابي بعينه، لكن حكمه عام لكل من وقع في معصية. ومن الأمثلة في النحو قاعدة «الفاعل مرفوع».
المحور الثالث: الضابط والفرق بينه وبين القاعدة
الضابط في اللغة من الضبط، وهو حفظ الشيء بالحزم، ويقال: رجل ضابط أي حازم. وفي الاصطلاح: هو ما يجمع فروعًا من باب واحد. فإذا كان الحكم خاصًّا بباب واحد كالصلاة أو الزكاة أو الحج سُمّي ضابطًا لا قاعدة.
والفروق بينهما ثلاثة. القاعدة أعم وأوسع، والضابط أخص وأضيق، كما جاء في حاشية البناني: «القاعدة لا تختص بباب، بخلاف الضابط». والقواعد متفق عليها في الجملة بين العلماء، أما الضابط فقد يختص بمذهب معين. ومع هذا الفرق في الاصطلاح، كثير من مؤلفي كتب القواعد يخلطون بينهما عند التطبيق.
ومن الأمثلة على ذلك كتاب «القواعد» للإمام ابن رجب الحنبلي، فقد سمّى فيه ضوابط قواعد. فمنها: هل الماء الجاري كالماء الراكد، أم كل جرية منه لها حكم الماء المنفرد؟ ومنها: شعر الحيوان في حكم المنفصل عنه لا المتصل، وكذلك الظفر. ومنها القاعدة السادسة والعشرون: «من أتلف شيئًا لدفع أذاه له لم يضمنه، وإن أتلفه لدفع أذاه به ضمنه». ونقل الشيخ عن الفيومي في «المصباح المنير» أن القاعدة في الاصطلاح بمعنى الضابط، وهي الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته.
المحور الرابع: الأصل ومعانيه الاصطلاحية
الأصول جمع أصل، وهو في اللغة ما يُبنى عليه غيره، فمعناه قريب من معنى القاعدة. وفي الاصطلاح يُطلق الأصل على أربعة معانٍ: الراجح، والمستصحب، والقاعدة الكلية، والدليل. ويُعرف المعنى المراد من سياق الكلام.
فمن الأصل بمعنى الراجح قولهم: «الأصل في النزول إلى السجود أن يكون باليدين قبل الركبتين»، أي أن هذا هو القول الراجح. ومن الأصل بمعنى المستصحب: «الأصل في الفروج التحريم»، و«الأصل في المضار التحريم»، فلا يجوز أكل الحيات والعقارب. وكذلك «الأصل في المنافع الإباحة»، فما ليس ملكًا لأحد كعشب الصحراء وشجر البرية الذي لا سور حوله يُستصحب فيه حكم الإباحة.
ومن الأصل بمعنى القاعدة الكلية قولهم: «الأصل أن الأمر للوجوب». ومن الأصل بمعنى الدليل قولهم: «الأصل في وجوب الصلاة قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾»، أي دليل وجوبها. ويرى الشيخ أن الأصل أعم من القاعدة، وأن المعنى المقصود منه في هذا الكتاب هو الدليل.
المحور الخامس: مقدمة السعدي ومكانة شيخ الإسلام ابن تيمية
قرأ الشيخ مقدمة السعدي، وفيها أن كتب شيخ الإسلام ابن تيمية جمعت العلوم النافعة كلها: علوم الأصول والفروع، والنقل والعقل، والأخلاق والآداب الظاهرة والباطنة. وجمعت بين المقاصد والوسائل، وبين المسائل ودلائلها، وبين الأحكام وحِكَمها وأسرارها. وفيها أيضًا تقرير مذاهب الحق والرد على جميع المبطلين.
وذكر الشيخ أن الشاطبي اشتهر بعلم مقاصد الشريعة بسبب كتابه «الموافقات»، لكن من يبحث في كلام ابن تيمية في المقاصد يجد عنده أكثر مما عند الشاطبي. وأشار إلى ردوده على المبتدعة في «اقتضاء الصراط المستقيم» و«منهاج السنة النبوية» و«درء تعارض العقل والنقل» و«بيان تلبيس الجهمية». وكان رحمه الله ناصحًا للحكام، فأعطاهم حقهم الشرعي دون إفراط ولا تفريط. ورد على المخالفين بأسلوب هادئ يقصد به إقامة الحجة لا الشتم.
ونقل الشيخ ثناء الأئمة عليه. فالحافظ المزي قال إنه لم يُرَ مثله، والإمام الذهبي قال: «كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث». وحتى تقي الدين السبكي، وكان من خصومه، أقرّ له بالإمامة في الدين. وعجب الشيخ من أن إمامًا عاش نحو سبعة وستين عامًا هجريًّا ترك هذا القدر الكبير من المؤلفات والفتاوى.
النقاط الرئيسية
- كتاب «طريق الوصول إلى العلم المأمول» للسعدي يجمع القواعد والضوابط والأصول المأخوذة من كتب ابن تيمية وابن القيم.
- القاعدة لغة: الأساس الحسي أو المعنوي. واصطلاحًا: حكم كلي أو أغلبي ينطبق على جزئياته لتُعرف أحكامها منه.
- الضابط يجمع فروعًا من باب واحد، فهو أخص من القاعدة، وقد يختص بمذهب معين، أما القاعدة فمتفق عليها في الجملة.
- كثير من العلماء، ومنهم ابن رجب في كتاب «القواعد»، يسمّون الضابط قاعدة.
- الأصل في الاصطلاح يُطلق على أربعة معانٍ: الراجح، والمستصحب، والقاعدة الكلية، والدليل.
- من القواعد المهمة: الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والأصل في المنافع الإباحة وفي المضار التحريم.
- شيخ الإسلام ابن تيمية من أكابر علماء الأمة، وقد شهد له بالإمامة أهل العلم من الموافقين والمخالفين.
الفوائد والعبر
- إذا فهم طالب العلم الفرق بين القاعدة والضابط والأصل قرأ كتب القواعد والأشباه والنظائر بفهم صحيح، ولم يخلط بين المصطلحات.
- القواعد الكلية تختصر على طالب العلم الطريق، فيعرف بها أحكام مسائل كثيرة دون أن يحفظ كل مسألة وحدها.
- المحن لا تكون عذرًا لترك طلب العلم، فالصحابة رضي الله عنهم تعلموا حتى في الجهاد.
- إذا لم يجد المسلم دليلًا خاصًّا في مسألة رجع إلى الأصل المستصحب، فالمنافع على الإباحة، والمضار والفروج على التحريم.
- ينبغي أن يعرف طالب العلم قدر الأئمة الربانيين، وأن يتعلم منهم الإنصاف في الرد على المخالف، فيكون الغرض إقامة الحجة لا الانتصار للنفس.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات