شرح كتاب " سنن أبي داود" ( 1 الترجمة والممقدمة) لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الأول من شرح كتاب «سنن أبي داود»، أحد الكتب الستة التي عليها مدار السنة النبوية. يلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وقد بدأ الشيخ هذا الكتاب بعد أن أتمّ بتوفيق الله شرح «صحيح الإمام البخاري». واستهلّ المجلس بخطبة الحاجة، ثم سأل الله العلم النافع والعمل الصالح، والتيسير والتوفيق لإتمام الكتاب كما أعان على ختم الصحيح.
خصّص الشيخ هذا المجلس لمقدمة الكتاب وترجمة مصنّفه الإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني رحمه الله. فعرض نسبه ومولده ورحلاته في طلب الحديث، وشيوخه وتلاميذه، وثناء الأئمة عليه. ثم بيّن مكانة كتابه «السنن» ومنهجه فيه، ووقف عند قصته مع الأمير الموفّق، وهي قصة تُظهر عزة العالم ومساواته بين الناس في العلم.
أهداف هذا الدرس: التعرّف على سيرة الإمام أبي داود ومكانته، وفهم منهجه في كتاب «السنن» وشرطه في الأحاديث، وإدراك أن العلم الحقيقي هو ما يثمر عملاً وخشية وأخلاقاً، لا مجرد الحفظ والجمع.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: افتتاح المجلس بخطبة الحاجة ومنهج الدراسة
افتتح الشيخ الدرس بخطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يعلّمها أصحابه، وهي حمد الله والاستعانة به والاستغفار، والتعوّذ من شرور النفس وسيئات الأعمال، والشهادتان. ثم تلا الآيات الثلاث المشهورة التي تجمع الأمر بالتقوى، وختم بالتحذير من محدثات الأمور والبدع.
وبيّن الشيخ أن منهجه في الكتاب يبدأ بترجمة الإمام المصنّف قبل الدخول في الأبواب. فمعرفة صاحب الكتاب ومنزلته وشرطه في التصنيف مدخلٌ ضروري لفهم الكتاب وتقدير أحاديثه.
الآيات الواردة في الخطبة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]
«فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».
المحور الثاني: ترجمة الإمام أبي داود، نسبه ورحلته وشيوخه وتلاميذه
هو الإمام الحافظ سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شدّاد بن عمرو الأزدي السجستاني. نسبته «الأزدي» إلى قبيلة الأزد، و«السجستاني» إلى إقليم سجستان. وُلد سنة اثنتين ومئتين للهجرة. رحل رحلة واسعة في طلب الحديث، فجمع وصنّف وبرع في هذا الشأن. سمع بالعراق وخراسان والشام ومصر والحجاز والجزيرة وغيرها.
ومن أبرز شيوخه:
- مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، وهو أعلى شيخ له.
- عبد الله بن رجاء.
- أبو الوليد الطيالسي.
- سليمان بن حرب.
- عبد الله بن مسلمة القعنبي، من تلاميذ الإمام مالك.
وتتلمذ على الإمام أحمد بن حنبل ولازمه وأكثر عنه. وأدرك كبار الحفاظ مثل يحيى بن معين وعلي بن المديني وأبي بكر بن أبي شيبة.
ومن تلاميذه: الإمام أبو عيسى الترمذي، والإمام النسائي، وابنه أبو بكر عبد الله بن أبي داود، وأبو سعيد بن الأعرابي، وأبو عبيد الآجري، وخلق كثير. وكان رحمه الله يتورّع عن الرواية عن بعض من تُكلِّم فيهم، فلا يحدّث عنهم لضعفهم.
ونبّه الشيخ إلى لطيفة في باب رواية الأكابر عن الأصاغر: فقد روى الإمام أحمد عن تلميذه أبي داود حديثاً واحداً. وعلّق الشيخ بأن الطالب قد يرتفع شأنه حتى يروي عنه شيخه، وهذا يدل على علوّ منزلته.
المحور الثالث: ثناء الأئمة عليه، والعلم المقرون بالعمل والورع
تتابعت أقوال الأئمة في الثناء على أبي داود:
- أبو بكر الخلال: وصفه بأنه الإمام المقدَّم في زمانه، لم يسبقه أحد في زمانه إلى معرفته بتخريج العلوم وبصره بمواضعها، وأنه رجل ورع مقدَّم.
- أحمد بن محمد بن ياسين: قال إنه كان أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله ﷺ وعلمه وعلله وسنده، في أعلى درجة من النسك والعفاف والصلاح والورع.
- إبراهيم الحربي: قال لما صنّف أبو داود كتاب السنن: «أُلِينَ لأبي داود الحديثُ كما أُلين لداود عليه السلام الحديدُ».
- محمد بن مخلد: ذكر أنه كان يفي بمذاكرة مئة ألف حديث، وأن أهل زمانه أقرّوا له بالحفظ والتقدم.
- الحافظ موسى بن هارون: قال: «خُلِق أبو داود في الدنيا للحديث، وفي الآخرة للجنة».
- أبو حاتم ابن حبان: قال إنه أحد أئمة الدنيا فقهاً وعلماً وحفظاً ونسكاً وورعاً وإتقاناً، جمع وصنّف وذبّ عن السنن.
- الحاكم: قال إنه إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة.
وذكر الشيخ قصة سهل بن عبد الله التستري، الزاهد العابد، حين زار أبا داود فقال له: لي إليك حاجة. فلما وعده أبو داود بقضائها إن استطاع، قال: «أخرج لي لسانك الذي تحدّث به أحاديث رسول الله ﷺ حتى أقبّله». فأخرجه فقبّله. وفي القصة إكرام للسان الذي يذبّ عن السنة وينشرها.
وتوقف الشيخ عند تكرار صفات الورع والنسك والعفاف في تراجم الأئمة. وقرّر أن العلم ليس مجرد الحفظ، بل هو ما أثمر عملاً. فينبغي أن يسأل طالب العلم نفسه: هل هذّب العلم أخلاقي ومعاملتي؟ وهل جعلني أراقب الله في السر والعلن؟ وذكر الإمام الذهبي أن أبا داود كان على مذهب السلف في اتباع السنة والتسليم لها، وترك الخوض في مضائق الكلام.
المحور الرابع: كتاب «السنن»، عدد أحاديثه ومنهج مصنّفه فيه
قال أبو داود: «كتبتُ عن رسول الله ﷺ خمسمئة ألف حديث، انتخبتُ منها ما ضمّنته هذا الكتاب». وتشمل هذه الروايات المرفوع والموقوف على الصحابة والمقطوع على التابعين، وتُعدّ فيها الطرق والأسانيد. وجمع في كتابه أربعة آلاف وثمانمئة حديث تقريباً.
ونبّه الشيخ إلى أن العبرة عند المحدثين بالأسانيد. فالحديث الواحد قد يُروى في سبعة مواضع فيُعدّ سبعة أحاديث.
وقال أبو داود: «ذكرتُ الصحيح وما يشبهه ويقاربه»، وقال: «ويكفي الإنسانَ لدينه من ذلك أربعة أحاديث»:
- «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».
- «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ».
- «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».
- «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ».
ونقل الشيخ تعقيب الإمام الذهبي بأن المسلم لا يكفيه ذلك وحده، بل يحتاج إلى عدد كثير من السنن الصحيحة. لكن هذه الأحاديث الأربعة أصول جامعة، من فقهها وعمل بها انفتح له باب العمل ببقية السنة.
ومن منهجه قوله: «وما كان فيه وهنٌ شديد بيّنته». فما سكت عنه ليس بالضرورة صحيحاً، بل قد يكون حسناً أو فيه ضعف محتمل. وبيّن الذهبي أن أحاديث الكتاب على مراتب:
- أعلاها ما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم.
- ثم ما أخرجه أحدهما دون الآخر.
- ثم ما كان إسناده جيداً سالماً من العلة والشذوذ.
- ثم ما كان إسناده صالحاً قبله العلماء.
- ثم ما في إسناده لين لسوء حفظ راويه، وهذا يسكت عنه أبو داود غالباً.
- ثم ما ظهر ضعفه الشديد، وهذا لا يسكت عنه غالباً بل يبيّنه.
وأشار الشيخ إلى أن كتاب السنن من أجمع كتب أحاديث الأحكام، وأن أبا داود جمع بين الفقه والحديث. وقد ذكر ابن منده أن الذين خرّجوا الثابت وميّزوا الخطأ من الصواب أربعة: البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
المحور الخامس: قصة أبي داود مع الأمير الموفّق، عزة العالم ومساواة الناس في العلم
روى الخطيب البغدادي عن أبي بكر بن جابر، خادم أبي داود، أنه قال: كنا ببغداد، فجاء الأمير أبو أحمد الموفّق، وليّ العهد، فاستأذن على أبي داود فأذن له. وكانت البصرة قد خربت وهجرها الناس بعد فتنة الزنج وما جرى فيها من قتل وفساد، حتى أخمد الله تلك الفتنة على يد الموفّق. فطلب الموفّق من أبي داود ثلاث خصال:
- الأولى: أن ينتقل إلى البصرة فيتخذها وطناً، ليرحل إليه طلبة العلم فتُعمَّر بالسنة. فأجابه إلى ذلك.
- الثانية: أن يروي لأولاده كتاب السنن. فأجابه إلى ذلك.
- الثالثة: أن يفرد لأولاده مجلساً خاصاً، لأن أولاد الخلفاء لا يجلسون مع العامة. فأبى أبو داود وقال: «أمّا هذه فلا سبيل إليها، لأن الناس في العلم سواء».
فكان أولاد الموفّق يحضرون مجلسه في المسجد ويقعدون في ناحية بينهم وبين الناس ستر، ويسمعون مع العامة. وعلّق الشيخ بأن البلاد تُعمَّر بالسنة وبالعلماء الربانيين. وبيّن أن الحاكم الصالح يُعرف بإكرامه للعلماء وتقريبهم، وأن من مناقب الموفّق أنه عرف قدر أهل العلم وسعى في إحياء البلاد بالسنة. وفي القصة أيضاً درس في عزة العالم وصيانة العلم عن التمييز بين الشريف والوضيع، والغني والفقير.
النقاط الرئيسية
- هذا المجلس بداية شرح «سنن أبي داود» بعد إتمام شرح «صحيح البخاري»، وقد افتُتح بخطبة الحاجة.
- الإمام أبو داود هو سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني، وُلد سنة 202هـ، ورحل إلى الأمصار في طلب الحديث.
- من أبرز شيوخه الإمام أحمد ومسلم بن إبراهيم والقعنبي، ومن تلاميذه الترمذي والنسائي، وروى عنه شيخه الإمام أحمد حديثاً واحداً.
- انتخب كتابه من خمسمئة ألف حديث، فجمع فيه نحو 4800 حديث، وذكر فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وبيّن ما فيه وهن شديد.
- سكوت أبي داود عن الحديث لا يعني صحته بالضرورة، وأحاديث كتابه على مراتب كما فصّلها الإمام الذهبي.
- أجمع الأئمة على إمامته في الحديث والفقه، مع ورعه ونسكه وعفافه، وكان على مذهب السلف.
- قصته مع الموفّق تقرّر مبدأ «الناس في العلم سواء»، وتبيّن أن عمارة البلاد تكون بنشر السنة.
الفوائد والعبر
- العلم للعمل: ليس المقصود من طلب العلم كثرة الحفظ، بل أن يهذّب الأخلاق والمعاملة ويورث خشية الله في السر والعلن. فليحاسب طالب العلم نفسه على أثر ما يتعلّم.
- الصبر على الطلب: رحلات أبي داود وجمعه مئات الآلاف من الأحاديث تعلّمنا أن العلم لا يُنال إلا بالجد والتعب وطول الملازمة.
- أصول جامعة للحياة: العمل بالأحاديث الأربعة يضبط حياة المسلم، وهي: إخلاص النية، وترك ما لا يعني، ومحبة الخير للآخرين، وتحرّي الحلال واتقاء الشبهات.
- عزة العالم وتواضعه: لا يُذلّ العلم لأحد، والناس فيه سواء. فلا يُخصّ أهل الجاه بما يُحرم منه غيرهم، مع حفظ الأدب ومراعاة المصلحة.
- التثبت في الحكم على الأحاديث: فهم مناهج الأئمة في كتبهم، كمعنى سكوت أبي داود، يحمي المسلم من التساهل في نسبة الأقوال إلى النبي ﷺ ومن الاستدلال بما لا يثبت.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات