شرح كتاب "صحيح الإمام البخاري " الشرح الثاني الدرس رقم ( 86 ) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس السادس والثمانون من الشرح الثاني لكتاب «الجامع الصحيح» للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله، ويلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ألقى الشيخ الدرس بعد مغرب يوم السبت، الخامس من جمادى الآخرة سنة 1438هـ، الموافق للرابع من مارس سنة 2017م. ويتناول الدرس أحاديث من كتاب المغازي، أولها باب «بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد رضي الله عنهما إلى اليمن قبل حجة الوداع»، ثم باب «غزوة ذي الخلصة».
ويكتسب الدرس أهميته من أنه يقرر مسائل عقدية كبيرة، أهمها مكانة أصحاب النبي ﷺ ووجوب محبتهم وسلامة القلب لهم، والتحذير من الطعن فيهم. ويبيّن صفات الخوارج كما وصفها النبي ﷺ، وأن الحكم على الناس يكون بالظاهر. كما يتحدث عن عناية الإسلام بتحقيق التوحيد وهدم مظاهر الشرك، وعن بعض أحكام الحج كالإهلال بما أهلّ به النبي ﷺ.
ويهدف الدرس إلى أن يفهم المشاهد هذه الأحاديث فهماً صحيحاً على منهج أهل السنة والجماعة، ويعرف موقفه من الصحابة ومن أهل البدع، ويحرص على الصدق ويبتعد عن الكذب، ويهتم بتعليم أهل بيته العلم الشرعي.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: بعث علي وخالد رضي الله عنهما إلى اليمن، والتعليق على عبارة «عليه السلام»
بدأ الشيخ بالتعليق على عبارة «عليه السلام» الواردة بعد اسم علي رضي الله عنه في ترجمة الباب. ورجّح أنها في الغالب من زيادات النُّسّاخ لا من كلام الإمام البخاري. وبيّن أن الأحسن أن يقال «رضي الله عنه»، فالعرف الذي استقر عند أهل العلم أن الصلاة والسلام للنبي ﷺ والأنبياء، والترضي للصحابة، والترحم على من بعدهم من العلماء. ومع ذلك فلا حرج في الأصل؛ لأن ذلك كله دعاء، وقد قال النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى».
ثم شرح حديث البراء بن عازب رضي الله عنه: بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى اليمن، ثم أرسل علياً رضي الله عنه مكانه، وقال له: «مُرْ أَصْحَابَ خَالِدٍ، مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ أَنْ يُعَقِّبَ مَعَكَ فَلْيُعَقِّبْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُقْبِلْ». قال البراء: «فَكُنْتُ فِيمَنْ عَقَّبَ مَعَهُ، فَغَنِمْتُ أَوَاقٍ ذَوَاتِ عَدَدٍ»، أي أوقيات كثيرة من الفضة.
ولاحظ الشيخ أن في إسناد الحديث إبراهيمَ بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق يروي عن أبيه، وأبوه يروي عن جده أبي إسحاق السبيعي. واستفاد من ذلك أن العلم كان يتوارثه أهل البيت الواحد، وأن الأمة إذا أرادت أن تستعيد عزتها وقيادتها فعليها أن تعتني بتعليم العلم الشرعي في البيوت قبل المساجد. فيعلّم الرجل زوجته وأبناءه وبناته القرآن والسنة، ولا يكتفي بأن يكون أولاده أطباء أو مهندسين.
المحور الثاني: حديث بريدة ومحبة الصحابة رضي الله عنهم
شرح الشيخ حديث بريدة رضي الله عنه. أرسل النبي ﷺ علياً إلى خالد ليقبض الخُمس، وكان بريدة يبغض علياً، فلما ذكر ذلك للنبي ﷺ قال له: «يَا بُرَيْدَةُ، أَتُبْغِضُ عَلِيًّا؟» فقال: نعم. فقال: «لَا تُبْغِضْهُ؛ فَإِنَّ لَهُ فِي الخُمُسِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ». وأثنى الشيخ على صدق بريدة وصراحته مع النبي ﷺ، وقرر أن المؤمن قد يقع في أخطاء كثيرة لكنه لا يكذب.
وأكد الشيخ أن ما وقع بين الصحابة لا يبيح لأحد الطعن فيهم. وردّ على الروافض الذين يدّعون محبة آل البيت ثم يطعنون في الصحابة، وبيّن تناقض قولهم إن علياً رضي الله عنه سكت عن حق له، وهو الشجاع من بني هاشم أقوى بطون قريش. وأوضح أن ثناء الله على الصحابة خبرٌ، والأخبار لا يدخلها النسخ، وإلا لكان الكلام كذباً، تعالى الله عن ذلك. قال تعالى:
﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]
﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100]
وبيّن أن ما كان بينهم من خلاف يطهّره الله يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: 47]. فواجبنا ألا نذكرهم إلا بخير. ثم تحدث عن مراتب البغض في الله: فالكافر يُبغض بغضاً كاملاً، والمبتدع المسلم خير من الكافر لأن مآله إلى الجنة، أما من اعتقد تحريف القرآن أو كفّر الصحابة فقد وقع في الكفر الصريح.
المحور الثالث: حديث أبي سعيد الخدري، وصفات الخوارج، والحكم بالظاهر
بعث علي رضي الله عنه من اليمن بذُهيبة في أديم مقروظ، أي جلد مدبوغ بالقَرَظ، لم تُخلَّص من ترابها. فقسمها النبي ﷺ بين أربعة نفر يتألفهم: عيينة بن بدر الفزاري، والأقرع بن حابس، وزيد الخيل، وعلقمة أو عامر بن الطفيل. فاعترض بعض أصحابه، فقال ﷺ: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً». وبيّن الشيخ أن «في» هنا بمعنى «على»، فالله تعالى فوق السماء، كما في قوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، أي عليها.
ثم قام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا رسول الله اتق الله. فقال ﷺ: «وَيْلَكَ، أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ». واستأذن خالد في قتله، فقال ﷺ: «لَا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي»، ثم قال: «إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ».
ثم وصف النبي ﷺ الخوارج فقال: «إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ رَطْبًا لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ... لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ». وقرر الشيخ أن الحكم على الناس يكون بظواهرهم، وأن الخروج على الحكام لا يجوز إلا بالشرط الذي في الحديث: «إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ». وحذّر من تكفير بلاد المسلمين بغير حق.
المحور الرابع: إهلال علي رضي الله عنه بما أهلّ به النبي ﷺ
في حديث جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ أمر علياً حين قدم من اليمن أن يبقى على إحرامه، فقال له: «بِمَ أَهْلَلْتَ يَا عَلِيُّ؟» قال: بما أهلّ به النبي ﷺ. قال: «فَأَهْدِ، وَامْكُثْ حَرَامًا كَمَا أَنْتَ».
وفي حديث أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ أهلّ بعمرة وحج، وأمر من لم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة. ولما قدم علي رضي الله عنه قال له النبي ﷺ: «بِمَ أَهْلَلْتَ؟ فَإِنَّ مَعَنَا أَهْلَكَ»، قال: أهللت بما أهلّ به النبي ﷺ، قال: «فَأَمْسِكْ، فَإِنَّ مَعَنَا هَدْيًا». ويُستفاد من ذلك جواز الإحرام المعلَّق على إحرام شخص آخر، وأن من ساق الهدي يبقى على إحرامه.
المحور الخامس: غزوة ذي الخلصة ووجوب تحقيق التوحيد
ذو الخلصة بيت كان في الجاهلية في خثعم، يسمونه «الكعبة اليمانية»، يُعبد فيه الوثن من دون الله تعالى، مضاهاةً للكعبة المشرفة. فقال النبي ﷺ لجرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه: «أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ». فانطلق في خمسين ومئة فارس من أحمس. وكان جرير لا يثبت على الخيل، فضرب النبي ﷺ في صدره وقال: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا».
فكسر جرير الوثن وحرّقه، ثم أرسل إلى النبي ﷺ من يخبره: «وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ»، فبرّك النبي ﷺ على خيل أحمس ورجالها خمس مرات. وأكد الشيخ أن أعظم ما ينبغي أن ينشغل به الدعاة هو تعليم الناس التوحيد وتحذيرهم من الشرك ووسائله.
النقاط الرئيسية
- المستقر عند أهل العلم: الصلاة والسلام للأنبياء، والترضي للصحابة، والترحم على من بعدهم، ولا حرج في غير ذلك لأنه كله دعاء.
- الصحابة رضي الله عنهم عدول، وقد أخبر الله برضاه عنهم، والأخبار لا تُنسخ، فلا يجوز الطعن فيهم ولا ذكرهم إلا بخير.
- الصدق من أبرز صفات المؤمن، كما ظهر من صراحة بريدة رضي الله عنه مع النبي ﷺ، والكذب لا يليق بالمسلم.
- الخوارج يقرؤون القرآن ولا يجاوز حناجرهم، ويمرقون من الدين، ومن علاماتهم الطعن في الأئمة والعلماء والتسرع في التكفير.
- الحكم على الناس يكون بالظاهر، ولا يجوز الخروج على الحاكم إلا عند الكفر البواح الذي فيه برهان من الله.
- يجوز أن يُحرم المسلم إحراماً معلّقاً على إحرام غيره، ومن ساق الهدي يبقى على إحرامه.
- هدم مظاهر الشرك وتعليم التوحيد من أعظم مقاصد الإسلام، كما في هدم ذي الخلصة.
الفوائد والعبر
- تعليم العلم الشرعي في البيت: يعلّم المسلم زوجته وأولاده القرآن والسنة، كما توارث آل أبي إسحاق السبيعي رواية الحديث جيلاً بعد جيل.
- سلامة القلب واللسان تجاه الصحابة: لا تبغض أحداً منهم، واترك ما شجر بينهم لله الذي وعدهم بنزع الغل من صدورهم.
- الصدق في كل حال: الصراحة مع الصدق أفضل من النفاق الذي يُظهر لك شيئاً ويخفي غيره، والمؤمن لا يكذب.
- الحذر من الغلو والتكفير: احكم على الناس بظواهرهم، واترك سرائرهم لله، ولا تتبع من يتسرع في تكفير المسلمين ومجتمعاتهم.
- جعل التوحيد أول الأولويات: ينبغي أن ينشغل المسلم والداعية بتعليم الناس التوحيد وتحذيرهم من كل ما يُعبد من دون الله.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات