شرح كتاب "صحيح الإمام البخاري " الشرح الثاني الدرس رقم ( 78) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,783 مشاهدة
68 مشاركة
منذ 4 سنوات

المقدمة

يتابع فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري في هذا الدرس، وهو الدرس الثامن والسبعون من الشرح الثاني لـ«الجامع الصحيح» للإمام البخاري رحمه الله، شرحَ كتاب المغازي. ويقف الدرس عند باب «غزوة أحد»، وهي من أعظم الوقائع في السيرة النبوية. ففيها ابتُلي المسلمون ابتلاءً شديدًا، واستُشهد فيها خيار الصحابة رضي الله عنهم، ونزلت فيها آيات كثيرة من سورة آل عمران تبيّن أسباب ما أصابهم وما فيه من الحِكَم.

ويشرح الشيخ الآيات التي صدّر بها الإمام البخاري الباب، ثم الأحاديث التي ساقها فيه. ومن هذه الأحاديث: نزول جبريل عليه السلام يوم أحد، وقصة الرماة ومخالفتهم أمر النبي ﷺ، والحوار بين أبي سفيان والمسلمين بعد المعركة، وأخبار الشهداء كمصعب بن عمير وأنس بن النضر رضي الله عنهما، ووداع النبي ﷺ للأحياء والأموات. ويربط الشيخ هذه الوقائع بحال الأمة اليوم وما تعانيه من نكبات.

ويهدف الدرس إلى أن يفهم المشاهد سنن الله في النصر والهزيمة، وأن يعرف عاقبة مخالفة أمر النبي ﷺ والتنازع والحرص على الدنيا، وأن يتعلم من صدق الصحابة وتضحيتهم، وأن يتمسك بالكتاب والسنة لأنهما سبيل العزة والكرامة.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: آيات غزوة أحد ومنهج القرآن في معالجة المصيبة

صدّر الإمام البخاري الباب بآيات من سورة آل عمران تذكر خروج النبي ﷺ وتنظيمه صفوف المؤمنين للقتال. ثم تأتي آيات تسلّي المؤمنين وتنهاهم عن الوهن والحزن، وتبيّن أن الأيام دُوَل، وأن وراء الابتلاء حِكَمًا: أن يعلم الله الصادقين، وأن يتخذ من المؤمنين شهداء، وأن يمحّص الذين آمنوا ويمحق الكافرين.

ونبّه الشيخ إلى أن المؤمن إذا أصابته مصيبة فعليه ألّا يحزن حزنًا يقعده عن العمل، لأن الله قد يرفع بها درجته، ويعفو عن كثير. وما أصاب المسلمين اليوم من مصائب قد أصاب خير الناس من قبلهم.

﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 121]

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 139-140]

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]

المحور الثاني: قصة الرماة وعاقبة مخالفة أمر النبي ﷺ

شرح الشيخ حديث البراء بن عازب رضي الله عنه. فقد جعل النبي ﷺ على الرماة عبد الله بن جبير رضي الله عنه، وأمرهم ألّا يتركوا مكانهم سواء انتصر المسلمون أو هُزموا. فلما انكشف المشركون وظهرت الغنيمة ترك أكثر الرماة الجبل، مع أن أميرهم ذكّرهم بأمر رسول الله ﷺ، فتحوّل النصر إلى ابتلاء، وقُتل من المسلمين سبعون.

وربط الشيخ ذلك بواقع الأمة. فالنكبات تنزل حين يبتعد الناس عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ويُفتنون بالدنيا. ولكل مسلم ثغر يقف عليه، سواء كان طبيبًا أو مهندسًا أو عالمًا أو داعيًا، فلا يترك ثغره من أجل الدنيا، ولا يذهب إلى مواضع المعصية والفتنة.

﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: 152]

المحور الثالث: الحوار بين أبي سفيان والمسلمين بعد المعركة

سأل أبو سفيان: أفي القوم محمد؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ فنهى النبي ﷺ أصحابه عن إجابته. فلما ظن أنهم قُتلوا لم يملك عمر رضي الله عنه نفسه، فقال: كذبتَ يا عدو الله، أبقى الله عليك ما يُخزيك. ونبّه الشيخ إلى أدب الصحابة مع النبي ﷺ في أشد المواقف، فهم لم يتجرؤوا على مخالفة أمره بعد ذلك.

ثم قال أبو سفيان: اعلُ هُبَل، فأمرهم النبي ﷺ أن يقولوا: «اللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ». وقال: لنا العُزّى ولا عُزّى لكم، فأمرهم أن يقولوا: «اللهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ». وفي هذا أن المسلم يُظهر عقيدة التوحيد حتى في ساعة الهزيمة. وذكر الشيخ أيضًا أن أبا سفيان أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه.

المحور الرابع: الشهداء وصدق الصحابة رضي الله عنهم

ذكر الشيخ أخبار الصحابة الذين استُشهدوا يوم أحد:

  • مصعب بن عمير رضي الله عنه: لم يوجد له يوم قُتل إلا نَمِرَة، إذا غُطّي بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غُطّيت رجلاه خرج رأسه. فأمرهم النبي ﷺ أن يغطّوا رأسه وأن يجعلوا على رجليه شيئًا من الإذخر.
  • عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: قُدّم إليه طعام وكان صائمًا، فتذكّر مصعبًا وحمزة رضي الله عنهما، وقال: خشينا أن تكون حسناتنا قد عُجّلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام.
  • صاحب التمرات: سأل النبي ﷺ: أرأيت إن قُتلت فأين أنا؟ فقال: «فِي الْجَنَّةِ»، فألقى تمرات كنّ في يده، ثم قاتل حتى قُتل. واستطال أن يبقى حيًّا حتى يأكلها.
  • أنس بن النضر رضي الله عنه: غاب عن بدر، فقال يوم أحد: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ، وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ»، وقال إنه يجد ريح الجنة دون أحد. وُجد فيه بضع وثمانون ضربة وطعنة ورمية، ولم تعرفه إلا أخته ببنانه.

﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23]

وشرح الشيخ حديث جابر رضي الله عنه: «اصْطَبَحَ الْخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ نَاسٌ، ثُمَّ قُتِلُوا شُهَدَاءَ». وبيّن أن ذلك كان قبل تحريم الخمر.

المحور الخامس: الوداع النبوي، والتحذير من الدنيا، وموقف المنافقين

في حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي ﷺ صلّى على قتلى أحد بعد ثماني سنين، كالمودّع للأحياء والأموات، ثم صعد المنبر فقال:

«إِنِّي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَرَطٌ، وَأَنَا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ، وَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْحَوْضُ، وَإِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَقَامِي هَذَا، وَإِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوهَا»

وبيّن الشيخ أن التنافس على الدنيا أوصل الناس إلى التقاتل، حتى صار الأخ يقتل أخاه والابن يقتل أباه. ثم تكلم على حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه في رجوع المنافقين يوم أحد، واختلاف الصحابة فيهم إلى فريقين: فريق يقول نقاتلهم، وفريق يقول لا نقاتلهم. فنزل قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: 88]. وقال النبي ﷺ عن المدينة:

«إِنَّهَا طَيْبَةُ، تَنْفِي الذُّنُوبَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ»

وشرح حديث جابر رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران: 122]، والطائفتان هما بنو سلمة وبنو حارثة. وكان جابر يقول إنه لا يحب أنها لم تنزل، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾. ثم شرح حديث جابر حين تزوج ثيّبًا لتقوم على أخواته بعد استشهاد أبيه يوم أحد، وقصة الدَّين الذي تركه أبوه.

النقاط الرئيسية

  • نزلت في غزوة أحد آيات من سورة آل عمران تبيّن حِكَم الابتلاء، كتمحيص المؤمنين واتخاذ الشهداء منهم.
  • مخالفة أمر النبي ﷺ والتنازع والحرص على الغنيمة هي أسباب ما أصاب المسلمين يوم أحد.
  • حين دخل الوهن على الأمة وتعلّقت بالدنيا وتركت سنة نبيها ﷺ نزلت بها النكبات.
  • أظهر المسلمون عقيدة التوحيد بعد الهزيمة بقولهم: «اللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ» و«اللهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ».
  • كان الصحابة يخشون أن تكون حسناتهم قد عُجّلت لهم في الدنيا، مع ما كانوا عليه من الصدق والتضحية.
  • كان النبي ﷺ يخاف على أمته من التنافس على الدنيا أكثر مما يخاف عليها من الشرك.
  • تنفي المدينة الخبث كما تنفي النار خبث الفضة، وحين رجع المنافقون يوم أحد ظهرت حقيقتهم.

الفوائد والعبر

  • اثبت على الثغر الذي أقامك الله فيه، سواء كان علمًا أو دعوة أو مهنة نافعة، ولا تتركه من أجل عرض من الدنيا.
  • تمسّك بالكتاب والسنة، فهما سبيل العزة والكرامة، وهما الحصن من الغزو الفكري الذي يسعى إلى تغيير العقائد وتحريف النصوص.
  • إذا أصابتك مصيبة فلا تهن ولا تحزن، واعلم أن الله يرفع بها الدرجات ويكفّر بها السيئات.
  • حاسب نفسك كما كان الصحابة يحاسبون أنفسهم، ولا تغترّ بعملك ولا تأمن على نفسك.
  • احذر التنافس على الدنيا، وأكثر من سؤال الله أن يسقيك من حوض نبيه ﷺ شربة لا تظمأ بعدها أبدًا.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات