شرح كتاب "صحيح الإمام البخاري " الشرح الثاني الدرس رقم ( 75) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,776 مشاهدة
373 مشاركة
منذ 4 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس الخامس والسبعون من الشرح الثاني لكتاب «الجامع الصحيح» للإمام البخاري رحمه الله تعالى، يقدمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول أبوابًا من «مناقب الأنصار» تتعلق بالمرحلة الأولى بعد الهجرة إلى المدينة النبوية، وهي مرحلة تأسيس المجتمع المسلم. وفيها: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وإسلام عبد الله بن سلام، وموقف اليهود من النبي ﷺ، وصوم عاشوراء، وقصة إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه.

ثم ينتقل الدرس إلى مطالع «كتاب المغازي»، فيذكر أول غزوات النبي ﷺ، وهي غزوة العُشَيرة، ثم قصة سعد بن معاذ مع أمية بن خلف، وإخبار النبي ﷺ بمقتل أمية. وفي ذلك دليل من دلائل النبوة. ثم يمهّد الدرس لغزوة بدر الكبرى وما نزل فيها من آيات النصر والإمداد بالملائكة.

ويهدف الدرس إلى بيان معاني الأخوة الإيمانية القائمة على العقيدة، وإبراز عفّة الصحابة وتعففهم، وتقرير أن الإسلام هو الدين الحق الناسخ لما قبله. كما يبيّن مخالفة أهل الكتاب فيما خالفوا فيه الحق، ويستخرج من السيرة النبوية أحكامًا فقهية في الزواج والوليمة والبيوع.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وقصة عبد الرحمن بن عوف

ترك المهاجرون ديارهم وأموالهم في سبيل الله، ونصرهم الأنصار. فآخى النبي ﷺ بين الفريقين حتى صار أهل المدينة ومن نزل عليهم إخوانًا متحابين في الله. ومن ذلك مؤاخاته ﷺ بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، وبين سلمان الفارسي وأبي الدرداء رضي الله عنهم.

وبيّن الشيخ أن الأخوة الحقة هي أخوة الإيمان وحدها. وأما من يجعل أصحاب الأديان المختلفة إخوة في الدين فقوله باطل، لأن الدين المقبول عند الله هو الإسلام وحده، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]، وقال: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85].

ثم ذكر قصة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه. عرض عليه سعد بن الربيع أن يقاسمه أهله وماله، فقال عبد الرحمن: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلَّنِي عَلَى السُّوقِ». فتاجر وربح وتزوج، فقال له النبي ﷺ: «مَهْيَمْ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ؟» فأخبره بزواجه على وزن نواة من ذهب، فقال ﷺ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ».

واستنبط الشيخ من القصة فوائد فقهية، منها:

  • لا يُشترط إعلام الكبير أو إقامة الاحتفالات لصحة الزواج، فقد علم النبي ﷺ بزواج عبد الرحمن بعد وقوعه.
  • الوليمة مشروعة على قدر الاستطاعة، ولو بشاة.
  • يجوز أن تكون الوليمة بغير لحم إذا لم يتيسّر، كما وقع في وليمة النبي ﷺ على صفية رضي الله عنها.

المحور الثاني: إسلام عبد الله بن سلام وشهادته على قومه

كان عبد الله بن سلام رضي الله عنه من كبار علماء اليهود، وكان يعرف صفة النبي ﷺ مما بقي صحيحًا في التوراة. فلما قدم النبي ﷺ المدينة جاءه وقال: «إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ: مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ وَمَا بَالُ الْوَلَدِ يَنْزِعُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ؟».

فأجابه النبي ﷺ بما أخبره به جبريل عليه السلام:

  • أول أشراط الساعة نارٌ تحشر الناس من المشرق إلى المغرب.
  • أول طعام أهل الجنة زيادة كبد الحوت.
  • الشبه في الولد تابع لسبق ماء الرجل أو ماء المرأة.

فقال عبد الله: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ». ثم وصف اليهود بأنهم قوم بُهت. فلما سألهم النبي ﷺ عنه قبل أن يعلموا بإسلامه أثنوا عليه، فلما علموا بإسلامه وقعوا فيه. وفي ذلك بيان لكذبهم وتلوّن مواقفهم. ثم ذكر الشيخ قوله ﷺ: «لَوْ آمَنَ بِي عَشَرَةٌ مِنَ الْيَهُودِ لَآمَنَ بِي الْيَهُودُ».

المحور الثالث: موقف المسلمين من أهل الكتاب وصوم عاشوراء

قدم النبي ﷺ المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء. فسألهم عن ذلك، فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون. فقال ﷺ: «نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ»، وأمر بصومه. وبيّن الشيخ أن المسلمين أولى بالأنبياء من غيرهم لأنهم على دينهم الحق، وأن السنّة مخالفة اليهود بصيام التاسع مع العاشر.

وذكر حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ كان يسدل شعره، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وأهل الكتاب يسدلون. وكان ﷺ «يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ»، ثم فرق بعد ذلك. فاستقر الأمر على مخالفتهم.

ثم ذكر تفسير ابن عباس لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: 91]، قال: «هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ جَزَّءُوهُ أَجْزَاءً، فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ». وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85].

المحور الرابع: إسلام سلمان الفارسي ومسائل في البيوع

ذكر الإمام البخاري أن سلمان الفارسي رضي الله عنه تداوله بضعة عشر من ربٍّ إلى رب، حتى انتهى إلى المدينة ولقي النبي ﷺ. وأكّد الشيخ أن الله إذا أراد شيئًا هيّأ أسبابه، وأن العبد قد يُبتلى لحكمة ربانية يكون في عاقبتها الخير. كما ذكر قول سلمان: «فَتْرَةٌ بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ ﷺ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ».

وتعرّض الشيخ لمسألة الصرف من حديث البراء بن عازب وزيد بن أرقم رضي الله عنهما: «مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَلَا يَصْلُحُ». فبيع النقد بالنقد يجب فيه التقابض في المجلس، ولا يجوز فيه التأجيل.

المحور الخامس: بدايات المغازي وقصة سعد بن معاذ وأمية بن خلف

افتتح الإمام البخاري «كتاب المغازي» بحديث زيد بن أرقم رضي الله عنه أن النبي ﷺ غزا تسع عشرة غزوة، أولها العُسيرة أو العُشيرة.

ثم ذكر قصة سعد بن معاذ رضي الله عنه حين قدم مكة معتمرًا ونزل على صديقه أمية بن خلف. فاعترضه أبو جهل وتوعّده، فردّ عليه سعد بأنه سيقطع عليهم طريق تجارتهم إلى الشام عبر المدينة. ثم أخبر سعدٌ أميةَ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إِنَّهُمْ قَاتِلُوكَ». ففزع أمية فزعًا شديدًا، وقال: «وَاللَّهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ».

ونبّه الشيخ إلى أن المشركين كانوا يعتقدون صدق النبي ﷺ، لكنهم جحدوا الحق، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: 33]. وقد عزم أمية على ألا يخرج إلى بدر، فلم يزل به أبو جهل حتى خرج، فقُتل ببدر كما أخبر النبي ﷺ. وهذا من أعظم دلائل النبوة.

ثم أشار الشيخ إلى الآيات النازلة في غزوة بدر، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: 123]، وقوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: 7]. وفيها بيان أن النصر من عند الله وحده، وأن إمداد المؤمنين بالملائكة كان بشرى وطمأنينة لقلوبهم.

النقاط الرئيسية

  • المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار نموذج فريد للأخوة الإيمانية التي لا تكون إلا بين المسلمين.
  • عفّة عبد الرحمن بن عوف وسعيه في التجارة مثال على الاعتماد على النفس مع شكر المحسن.
  • الوليمة مشروعة على قدر الاستطاعة، ولا يُشترط في الزواج إقامة الاحتفالات.
  • إسلام عبد الله بن سلام شاهد على صدق النبوة وعلى بُهتان اليهود وتلوّن مواقفهم.
  • المسلمون أولى بموسى عليه السلام وسائر الأنبياء، واستقر الشرع على مخالفة أهل الكتاب.
  • بيع النقد بالنقد يُشترط فيه التقابض يدًا بيد، ولا تجوز فيه النسيئة.
  • إخبار النبي ﷺ بمقتل أمية بن خلف ووقوعه في بدر من دلائل النبوة الظاهرة.

الفوائد والعبر

  • أن يجعل المسلم ولاءه ومحبته مبنيين على الإيمان، وأن يحذر من الدعوات التي تسوّي بين الأديان.
  • أن يتعفف عمّا في أيدي الناس ويطلب الرزق الحلال بالسعي والعمل، مع الدعاء لمن أحسن إليه.
  • أن ييسّر أمور الزواج ولا يتكلف ما لا يُطيق، فالوليمة على قدر الوسع.
  • أن يصبر على الابتلاء ويثق بتدبير الله، كما صبر سلمان الفارسي حتى هداه الله إلى الحق.
  • أن يتعلم أحكام المعاملات قبل الدخول في التجارة، كأحكام الصرف والتقابض، حتى لا يقع في الربا.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات