شرح كتاب "صحيح الإمام البخاري " الشرح الثاني الدرس رقم ( 77) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس السابع والسبعون من مجالس الشرح الثاني لكتاب «الجامع الصحيح» للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى، ويلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يواصل الشيخ فيه شرح أحاديث «كتاب المغازي»، ويقف عند باب فضل من شهد بدرًا من الصحابة رضي الله عنهم. وغزوة بدر هي يوم الفرقان الذي أعزّ الله به الإسلام وأهله، وقد خصّ الله من حضرها بفضل كبير ومنزلة عالية.
يسرد الإمام البخاري في هذا الموضع أحاديث يرويها البدريون أو تُروى عنهم، ويذكر أن راويها «شهد بدرًا». ومن هؤلاء أبو مسعود البدري، ورفاعة بن رافع، وعمرو بن عوف، وأبو لبابة، والمقداد بن الأسود، وعمّا رافع بن خديج رضي الله عنهم. وغرضه بيان فضلهم، ومعه فوائد في العقيدة والفقه والسلوك. ثم ختم الإمام الباب بتسمية من سُمّي من أهل بدر مرتّبين على حروف المعجم.
يتعلم المشاهد في هذا الدرس فضل أهل بدر ومكانتهم، ويقف على جملة من الأحكام الشرعية كالمزارعة وقتل الحيات وحرمة دم من نطق بالشهادة. ويتعرف كذلك على مسائل عقدية كسماع أهل القليب لكلام النبي ﷺ. ويخرج بقواعد منهجية، منها أن الفضل لا يقتضي العصمة، وأن كل أحد يؤخذ من قوله ويُردّ إلا النبي ﷺ.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: أحاديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه وفضائل الأعمال
بدأ الشيخ بأحاديث أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري رضي الله عنه. ومنها حديث فضل الآيتين من آخر سورة البقرة، وأنهما تكفيان من قرأهما في ليلته. وذكر الشيخ من معاني الكفاية أنهما تكفيانه شر الشيطان وشر نفسه وشر الهوامّ، وأنهما تكفيان عن قيام الليل.
ومنها حديث نفقة الرجل على أهله، وأنها صدقة يؤجر عليها إذا احتسبها. وفي هذا تنبيه على أن النفقة الواجبة على الزوجة والأولاد عبادة إذا صحبتها النية الصالحة.
وذكر الشيخ قصة عروة بن الزبير مع عمر بن عبد العزيز رحمه الله حين أخّر الصلاة. فأنكر عليه عروة، وحدّثه بحديث أبي مسعود في نزول جبريل عليه السلام وصلاته بالنبي ﷺ وبيانه مواقيت الصلاة. وفي القصة أن الأمراء والعلماء كانوا يتناصحون بالسنة.
قال رسول الله ﷺ: «الْآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، مَنْ قَرَأَهُمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ».
وقال ﷺ: «نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ صَدَقَةٌ».
المحور الثاني: أحكام فقهية من روايات البدريين (المزارعة، والحيّات، وحرمة الدماء)
شرح الشيخ حديث رافع بن خديج عن عمّيه، وكانا قد شهدا بدرًا، في النهي عن المزارعة. وبيّن أن المنهي عنه هو تخصيص قطعة معيّنة من الأرض لصاحبها وقطعة أخرى للمزارع، لأن في ذلك غررًا وظلمًا. فقد تُخرج قطعة ولا تُخرج الأخرى، وقد يختار صاحب الأرض الجيد من الأرض لنفسه، فيقع الخلاف والنزاع. أما المزارعة الجائزة فأن تُزرع الأرض كلها ويقتسما المحصول بنسبة معلومة كالنصف أو الثلث أو الربع.
وذكر حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وكان يقتل الحيات كلها حتى حدّثه أبو لبابة البدري أن النبي ﷺ نهى عن قتل جِنّان البيوت، فأمسك عنها. وبيّن الشيخ أن الحية التي في البيت تُستأذن ثلاثة أيام، فإن بقيت بعدها قُتلت.
وشرح حديث المقداد بن الأسود رضي الله عنه في الكافر الذي يقطع يد المسلم ثم يلوذ منه بشجرة ويقول: أسلمت لله. وفيه عِظَم حرمة دم من نطق بالشهادة. ومعنى «بمنزلتك» أنه صار معصوم الدم كما كنت معصومًا، وأنك صرت مستحقًّا للقتل قصاصًا كما كان هو مباح الدم قبل أن يقولها، وليس المعنى أن القاتل يكفر بذلك.
قال رسول الله ﷺ للمقداد: «لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ».
وعن أبي لبابة رضي الله عنه أن النبي ﷺ «نَهَى عَنْ قَتْلِ جِنَّانِ الْبُيُوتِ».
المحور الثالث: التحذير من فتنة الدنيا والتنافس فيها
ذكر الشيخ حديث عمرو بن عوف الأنصاري، وهو حليف بني عامر بن لؤي وممن شهد بدرًا. وفيه أن النبي ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين ليأتي بجزيتها، وكان ﷺ قد صالح أهلها وأمّر عليهم العلاء بن الحضرمي. فلما قدم أبو عبيدة بالمال، وافى الأنصار صلاة الفجر مع النبي ﷺ وتعرّضوا له، فتبسّم وقال: «أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء؟»، ثم بشّرهم وحذّرهم.
وبيّن الشيخ أن هذا الحديث من دلائل النبوة، فقد وقع ما أخبر به ﷺ، فتنافس الناس في الدنيا حتى أهلكتهم كما أهلكت من قبلهم. فالخوف الحقيقي على الأمة هو من بسط الدنيا وما يتبعه من التنافس والتحاسد، لا من الفقر.
وذكر أيضًا حديث أنس رضي الله عنه أن رجالًا من الأنصار استأذنوا النبي ﷺ أن يتركوا فداء العباس لأنه ابن أختهم، فقال: «لا تدعون منه درهمًا». وفي ذلك العدل وعدم المحاباة في الحقوق ولو كان صاحبها من القرابة.
قال رسول الله ﷺ: «فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ».
وقال ﷺ في فداء العباس: «لَا تَدَعُونَ مِنْهُ دِرْهَمًا».
المحور الرابع: مخاطبة النبي ﷺ لقتلى قليب بدر ومسألة سماع الأموات
شرح الشيخ قصة وقوف النبي ﷺ على قليب بدر يوم انتهت المعركة، ونداءه صناديد قريش المقتولين بأسمائهم. فقال له الصحابة: يا رسول الله، أتنادي أقوامًا قد ماتوا؟ فبيّن ﷺ أنهم يسمعون كلامه في تلك الحال.
وعرض الشيخ اجتهاد أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في ردّ لفظ السماع واستدلالها بالآيات، وأن المعنى عندها: «إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم هو الحق». ثم قرّر أن الحديث ثابت صحيح، وأن هذا السماع خاص بتلك الحال كرامةً للنبي ﷺ وزيادةً في حسرة أولئك الكفار. وأما الآيات فتحمل على أن الموتى لا يسمعون سماع انتفاع وقبول.
وذكر الشيخ معه حديث أنس رضي الله عنه في قتل أبي جهل، وأن ابني عفراء ضرباه حتى برد، ثم وجده عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في آخر رمق. ونبّه الشيخ على أن السلام على أهل القبور وزيارتهم مشروعة للعبرة والدعاء لهم، لا لطلب الحاجات منهم.
قال رسول الله ﷺ لأهل القليب: «فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟»، وقال لأصحابه: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ».
قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ [النمل: 80].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: 22].
المحور الخامس: منزلة أهل بدر وأن الفضل لا يقتضي العصمة، وتسمية البدريين
ذكر الشيخ أن البدريين لهم مكانة خاصة، ومن ذلك أن عطاءهم في عهد عمر رضي الله عنه كان خمسة آلاف، وأنه فضّلهم على غيرهم. وذكر حديث عمر في الرجلين الصالحين من الأنصار اللذين شهدا بدرًا ولقياه يوم السقيفة، وهما عويم بن ساعدة ومعن بن عدي. وذكر حديث جبير بن مطعم في سماعه النبي ﷺ يقرأ في المغرب بسورة الطور حين جاء في فداء أسرى بدر، وأن ذلك أول ما وقر الإيمان في قلبه، مع ما في القرآن من أثر في القلوب.
ثم وقف عند ذكر مسطح بن أثاثة، فهو بدري ومع ذلك خاض فيمن خاض في حادثة الإفك. وقرّر الشيخ أنه ليس من شرط كبار الصالحين ألا يخطئوا، ولا من شرط كبار العلماء ألا يجهلوا شيئًا، فالعصمة للأنبياء وحدهم. واستشهد بقول الإمام مالك رحمه الله إمام دار الهجرة: «كل أحد يؤخذ من قوله ويُردّ إلا صاحب هذا القبر» ﷺ.
وختم الدرس بباب «تسمية من سُمّي من أهل بدر في الجامع الذي وضعه أبو عبد الله على حروف المعجم». وبدأ الإمام بالنبي ﷺ، ثم أبي بكر، ثم سرد الأسماء: إياس بن البكير، وبلال بن رباح، وحمزة بن عبد المطلب، وحاطب بن أبي بلتعة، وأبي حذيفة بن عتبة، وحارثة بن الربيع، وخبيب بن عدي، وخنيس بن حذافة، ورفاعة بن رافع، والزبير بن العوام وغيرهم. ونبّه الشيخ على تسمية لغوية: الصواب أن يقال «حروف المعجم» أو «الحروف الهجائية». أما «أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت» فترتيب آخر للحروف أصله من غير العربية، فلا يصح أن يسمى به الترتيب الهجائي المعروف.
قال رسول الله ﷺ في أهل بدر: «لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ».
وقال جبير بن مطعم رضي الله عنه: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ، وَذَلِكَ أَوَّلَ مَا وَقَرَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِي».
النقاط الرئيسية
- أورد الإمام البخاري أحاديث البدريين ونصّ على شهودهم بدرًا، وغرضه إظهار فضلهم ومنزلتهم.
- من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه، ونفقة الرجل على أهله صدقة إذا احتسبها.
- المزارعة المنهي عنها هي تخصيص قطعة معيّنة من الأرض لكل طرف لما فيها من الغرر، والجائزة هي قسمة المحصول بنسبة مشاعة معلومة.
- لا تُقتل حيات البيوت حتى تُستأذن ثلاثة أيام، ومن نطق بالشهادة حرم دمه ولو قالها في حال القتال.
- أخشى ما خشيه النبي ﷺ على أمته بسط الدنيا والتنافس فيها، لا الفقر.
- سمع أهل قليب بدر كلام النبي ﷺ سماعًا خاصًّا بتلك الحال، والحديث صحيح ثابت.
- الفضل والسبق لا يقتضيان العصمة، وكل أحد يؤخذ من قوله ويُردّ إلا النبي ﷺ.
الفوائد والعبر
- اجعل قراءة خواتيم سورة البقرة وردًا ثابتًا لك كل ليلة، واحتسب نفقتك على أهلك وأولادك لتكون صدقة مأجورة.
- احذر فتنة الدنيا والتنافس على حطامها، وتذكّر أن بسطها قد يكون أخطر على دينك من الفقر.
- تحرّ العدل في المعاملات كالمزارعة والشراكات، واجتنب كل ما فيه غرر يفضي إلى النزاع والخصومة.
- عظّم حرمة دم المسلم ومن نطق بالشهادة، وكفّ يدك ولسانك عن أهل التوحيد.
- أحبب الصحابة واعرف فضلهم، ولا تغلُ في أحد من الناس، فكلٌّ يخطئ ويصيب، والعصمة للأنبياء وحدهم. واجعل السنة الصحيحة هي الحَكَم عند الخلاف.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات