شرح كتاب "صحيح الإمام البخاري " الشرح الثاني الدرس رقم ( 66 ) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,766 مشاهدة
323 مشاركة
منذ 4 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس السادس والستون من الشرح الثاني لكتاب «الجامع الصحيح» للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله، ويقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. يبدأ فيه الشيخ «كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم»، ثم «باب مناقب المهاجرين وفضلهم»، ثم الأبواب التي عقدها الإمام البخاري في فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

ولهذا الموضوع منزلة كبيرة في عقيدة أهل السنة والجماعة، فالصحابة رضي الله عنهم هم الذين نقلوا إلينا القرآن والسنة، والطعن فيهم طعن في الدين الذي حملوه. لذلك جعل الإمام البخاري هذا الكتاب في صحيحه، وجمع فيه الأحاديث التي تبيّن مراتب الصحابة ومن هو الصحابي، وتقدّم أبا بكر رضي الله عنه على الأمة كلها بعد نبيها صلى الله عليه وسلم.

ويهدف هذا الدرس إلى أن يعرف المشاهد التعريف الصحيح للصحابي، وفضل القرون الأولى المفضّلة، ومكانة المهاجرين، وأن يتأمل مواقف الصديق رضي الله عنه في الهجرة والدعوة، وفي يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي بيعة السقيفة، حتى يمتلئ قلبه بمحبة الصحابة وتعظيم قدرهم.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: تعريف الصحابي وفضل الصحبة

بدأ الإمام البخاري الكتاب بقوله: «ومن صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه». وبيّن الشيخ أن هذا هو التعريف المعتمد عند أهل الحديث: فكل من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به، ولو مدة يسيرة، ثم مات على الإسلام، فهو صحابي. وشرط الإسلام هنا يُخرج من رآه وهو كافر.

ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وفيه أن الفتح يكون ببركة الصحابة ثم التابعين ثم أتباع التابعين. وفي هذا دليل على أن للصحبة بركة عظيمة، وأن شرفها لا تبلغه أعمال من جاء بعدهم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيَقُولُونَ: فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ...» (رواه البخاري)

المحور الثاني: خيرية القرون المفضّلة وصفات من يأتي بعدهم

شرح الشيخ حديث عمران بن حصين وحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما في أن خير الأمة قرن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيأتي بعدهم قوم تظهر فيهم صفات مذمومة، هي: التسرّع في الشهادة، والخيانة، وترك الوفاء بالنذر، وظهور السِّمَن من الإقبال على الدنيا والترف.

ونبّه الشيخ إلى أثر إبراهيم النخعي: «كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار». فالسلف كانوا يربّون أبناءهم من الصغر على تعظيم الشهادة واليمين والعهد، وعلى ألا يتساهلوا فيها.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ... ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ» (رواه البخاري)

وقال صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ» (رواه البخاري)

المحور الثالث: مناقب المهاجرين وصحبة الصديق في الهجرة

عقد الإمام البخاري بابًا في مناقب المهاجرين وفضلهم، وبدأ بأبي بكر عبد الله بن أبي قحافة التيمي رضي الله عنه، واستدل بآيتين من القرآن: الأولى تشهد للمهاجرين بالصدق، والثانية تثبت لأبي بكر وصف «صاحب» رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار، وهي منقبة لا يشاركه فيها أحد.

قال الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: 8]

وقال تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40]

ثم شرح الشيخ حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما في قصة الهجرة. وفيه يحكي أبو بكر رضي الله عنه كيف سوّى للنبي صلى الله عليه وسلم مكانًا في ظل صخرة وفرش له، ثم خرج يحرسه، ثم حلب له اللبن من راعٍ، وبرّده بالماء حتى برد أسفله، وانتظر حتى استيقظ صلى الله عليه وسلم فقال له: اشرب يا رسول الله، قال أبو بكر: «فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ». وفي الحديث أيضًا قصة سراقة بن مالك لما أدركهما. وكل ذلك يكشف عن حب الصديق للنبي صلى الله عليه وسلم وحرصه على خدمته.

وعن أبي بكر رضي الله عنه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: «مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا» (رواه البخاري)

المحور الرابع: فضل أبي بكر الصديق وتقديمه على الأمة

ذكر الإمام البخاري عددًا كبيرًا من الأحاديث في فضل الصديق. منها: سدّ الأبواب الشارعة إلى المسجد إلا بابه، وفي ذلك إشارة إلى خلافته. ومنها: أنه لو كان النبي صلى الله عليه وسلم متخذًا خليلًا لاتخذه خليلًا. ومنها: أنه أحب الرجال إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ومنها: أنه من أوائل من أسلم، كما في حديث عمار: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر».

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ» (رواه البخاري)

وشرح الشيخ حديث أبي الدرداء رضي الله عنه في الخصومة التي وقعت بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. فبيّن تواضع الصديق وسرعة رجوعه، وغضب النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه، وذكر سابقته في التصديق والمواساة. وذكر كذلك حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه في أحب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقول ابن عمر رضي الله عنهما: «كنا نخيِّر بين الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فنخيِّر أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان رضي الله عنهم».

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقَ، وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي؟» مرتين. (رواه البخاري)

وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: أي الناس أحب إليك؟ قال: «عَائِشَةُ»، فقلت: من الرجال؟ فقال: «أَبُوهَا»، قلت: ثم من؟ قال: «ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ»، فعدّ رجالًا. (رواه البخاري)

ومن الأحاديث التي تناولها الدرس أيضًا: حديث الذئب والبقرة اللذين تكلما، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» ولم يكونا حاضرَين، وفيه ثقته الكاملة بإيمانهما. وحديث رؤيا القليب، وفيه أن أبا بكر نزع ذَنوبًا أو ذَنوبين، ثم أخذها عمر فلم يُرَ عبقري ينزع نزعه، وفيه إشارة إلى ترتيب خلافتهما. وحديث جرّ الثوب، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «إِنَّكَ لَسْتَ تَصْنَعُ ذَلِكَ خُيَلَاءَ»، وهي شهادة له بسلامة قلبه من الكبر. وحديث أبواب الجنة، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ».

المحور الخامس: ثبات الصديق يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وبيعة السقيفة

تناول الشيخ حديث عائشة رضي الله عنها في يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. فقد كان الصحابة في ذهول من شدة المصيبة، حتى إن عمر رضي الله عنه أنكر موته. فجاء أبو بكر رضي الله عنه وكشف عن وجه النبي صلى الله عليه وسلم وقبّله، ثم خرج إلى الناس فخطبهم خطبة ثبّتهم الله بها، وذكّرهم بآيات من القرآن كأنهم لم يسمعوها قبل ذلك اليوم.

قال أبو بكر رضي الله عنه: «أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ»، وقرأ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]، وقرأ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144]

ثم شرح الشيخ ما جرى في سقيفة بني ساعدة. فقد قال الصديق رضي الله عنه للأنصار كلمته المشهورة: «نحن الأمراء وأنتم الوزراء»، وبيّن لهم أن هذا الأمر في قريش لأنهم أوسط العرب دارًا وأعربهم أحسابًا. وقال عمر رضي الله عنه: «بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم»، ثم بايعه وبايعه الناس. وأورد الشيخ أيضًا قول عائشة رضي الله عنها: إن الله ردّ بخطبة عمر من كان في قلبه نفاق، ثم بصّر بأبي بكر الناسَ الهدى وعرّفهم الحق الذي عليهم.

وعن محمد ابن الحنفية قال: قلت لأبي (علي بن أبي طالب رضي الله عنه): أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: «أَبُو بَكْرٍ»، قلت: ثم من؟ قال: «ثُمَّ عُمَرُ»، وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال: «مَا أَنَا إِلَّا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ». (رواه البخاري)

النقاط الرئيسية

  • الصحابي هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه مؤمنًا به ومات على الإسلام، ولو كانت صحبته قصيرة.
  • خير الأمة قرن النبي صلى الله عليه وسلم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، وللصحبة بركة ظهرت في الفتوحات.
  • من علامات تغيّر الزمان: التساهل في الشهادة واليمين، والخيانة، وترك الوفاء بالنذر، والانشغال بالترف.
  • شهد القرآن للمهاجرين بالصدق، وانفرد أبو بكر رضي الله عنه بوصف «صاحب» رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار.
  • أبو بكر أحب الرجال إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأكثرهم فضلًا عليه بصحبته وماله، وأول من صدّقه وواساه.
  • ترتيب الأفضلية عند الصحابة: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان رضي الله عنهم، وقد أقرّ بذلك علي رضي الله عنه نفسه.
  • ثبّت الله الأمة بالصديق يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، واجتمعت عليه الكلمة في بيعة السقيفة.

الفوائد والعبر

  • محبة الصحابة ومعرفة منازلهم جزء من الدين. فعلى المسلم أن يحفظ لسانه عنهم، وأن يدافع عن أعراضهم، وأن يقتدي بهم.
  • ينبغي أن يُربّى الأبناء من الصغر على تعظيم الشهادة واليمين والعهد كما كان السلف يفعلون، وأن يُحذَّروا من التساهل فيها.
  • في خدمة الصديق للنبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة قدوة في صدق المحبة وحسن الصحبة، وفي تقديم راحة من نحب على راحتنا.
  • المسارعة إلى الاعتذار وطلب العفو بعد الخطأ من أخلاق الكبار، كما فعل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، ولا يُنقص ذلك من قدر صاحبه.
  • من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. فالتعلّق يكون بالله وبدينه لا بالأشخاص، وعند المصائب يُرجع إلى كتاب الله ليثبت القلب.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات