شرح كتاب "صحيح الإمام البخاري " الشرح الثاني الدرس رقم ( 62 ) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
يواصل فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري في هذا الدرس، وهو الدرس الثاني والستون من الشرح الثاني لكتاب «الجامع الصحيح» للإمام البخاري رحمه الله، شرحَ أحاديث كتاب «أحاديث الأنبياء». ويتناول بابَ «ما ذُكر عن بني إسرائيل» وما يليه من أبواب، كحديث الغار وقصة أصحاب الكهف. وهذه الأحاديث كنزٌ من القصص النبوي الصحيح، ساقها النبي صلى الله عليه وسلم لأمته عبرةً وموعظةً وتحذيرًا من سلوك طريق الأمم السابقة.
ومن أهمية هذا الموضوع أن القصص النبوي يجمع بين صحة الخبر وعمق المعنى. ففيه بيانُ سنن الله في الابتلاء بالنعم والنقم، وأثرُ الإخلاص والعمل الصالح في تفريج الكربات، وسعةُ رحمة الله بالتائبين، وخطرُ التشبه باليهود والنصارى في عباداتهم وعاداتهم.
ويهدف الدرس إلى أن يعرف طالب العلم معاني هذه الأحاديث وفقهها، وأن يحذر من مشابهة أهل الكتاب، وأن يعرف شكر النعمة وخطر جحودها، وأن يتعلم التوسل المشروع بالأعمال الصالحة، وأن يعظم رجاؤه في رحمة الله مع خوفه من عذابه.
المحور الأول: التحذير من اتباع سنن اليهود والنصارى
بيّن الشيخ أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن من هذه الأمة من سيقلد الأمم السابقة تقليدًا دقيقًا، حتى في الأمور التي لا معنى لها. وهذا الخبر من دلائل النبوة، وهو كذلك تحذيرٌ للأمة من هذا المسلك.
ومن صور التشبه التي حذّر منها النبي صلى الله عليه وسلم اتخاذُ القبور مساجد. فقد كان صلى الله عليه وسلم في مرض موته يحذّر من ذلك ويلعن من فعله، سدًّا لذريعة الشرك وتعظيم المقبورين. ومن الصور أيضًا ما رُوي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تكره أن يضع المصلي يده على خاصرته، وتقول إن اليهود تفعله. ومنها وصل الشعر، فقد خطب معاوية رضي الله عنه وفي يده قُصّةٌ من شعر، وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم في هلاك بني إسرائيل بسببه.
ومن الأدلة على ذلك:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ».
وقال صلى الله عليه وسلم: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا.
وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُمْ».
المحور الثاني: سياسة الأمم وفضل هذه الأمة
شرح الشيخ حديث أن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، أي يتولّون أمورهم كما يفعل الأمراء والولاة بالرعية. أما هذه الأمة فلا نبي بعد نبيها صلى الله عليه وسلم، وسيكون فيها خلفاء. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوفاء ببيعة الأول فالأول، وإعطاء الولاة حقهم، وترك حسابهم إلى الله.
كما شرح الشيخ حديث الأجراء، وفيه مثلُ اليهود والنصارى والمسلمين. فاليهود عملوا من أول النهار إلى نصفه على قيراط قيراط، والنصارى عملوا من نصف النهار إلى العصر على قيراط قيراط، والمسلمون عملوا من العصر إلى غروب الشمس على قيراطين قيراطين. فلما اعترض أهل الكتاب قال الله تعالى إن ذلك فضله يؤتيه من يشاء. وفي الحديث بيانُ فضل هذه الأمة مع قِصَر مدتها.
ومن الأدلة على ذلك:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ»، قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ، أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ».
وقال صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ كَانَ فِيمَا قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَإِنَّهُ عُمَرُ».
المحور الثالث: الابتلاء بالنعم في قصة الأبرص والأقرع والأعمى
وقف الشيخ طويلًا عند قصة الثلاثة من بني إسرائيل الذين أراد الله أن يبتليهم. فبعث إليهم ملكًا شفى كلَّ واحد منهم من علته، وأعطاه المال الذي يحبه. فأُعطي الأبرص ناقة عُشَراء، وأُعطي الأقرع بقرة حاملًا، وأُعطي الأعمى شاة والدًا، فكثرت أموالهم حتى صار لكل واحد منهم وادٍ.
ثم جاءهم الملك في صورة رجل مسكين انقطعت به السبل في سفره، يسألهم بالذي أعطاهم. فجحد الأبرص والأقرع نعمة الله، وقالا: إنما ورثنا هذا المال كابرًا عن كابر. وأما الأعمى فاعترف بفضل الله وقال: قد كنت أعمى فردّ الله إليّ بصري، فخذ ما شئت. فرضي الله عنه وسخط على صاحبيه.
ونبّه الشيخ إلى أن بعض الناس إذا كانوا فقراء رقّوا للمساكين، فإذا أغناهم الله بخلوا وتكبروا ونسوا ماضيهم. واستشهد على ذلك بقوله تعالى:
﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: 38]
وفي آخر الحديث قول الملك للأعمى: «أَمْسِكْ مَالَكَ، فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ، وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ».
المحور الرابع: أصحاب الكهف وحديث الغار والتوسل بالعمل الصالح
شرح الشيخ ترجمة الإمام البخاري لقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف: 9]. وبيّن أن الكهف هو الفتح في الجبل، وأن الرقيم هو الكتاب المرقوم أي المكتوب، وفسّر غيرها من الألفاظ مثل «الوصيد» وهو الفناء، و«مؤصدة» أي مطبقة. واستشهد بقوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ [الكهف: 11].
ثم شرح حديث الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار فانطبقت عليهم صخرة. فقال بعضهم لبعض: «إِنَّهُ وَاللَّهِ يَا هَؤُلاَءِ، لاَ يُنْجِيكُمْ إِلَّا الصِّدْقُ، فَلْيَدْعُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ صَدَقَ فِيهِ». ودعا كلُّ واحد منهم بعمل صالح أخلص فيه لله:
- الأول حفظ أجرة أجيره ونمّاها حتى صارت بقرًا وراعيها، ثم دفعها إليه كاملة.
- الثاني برّ بوالديه، فبات قائمًا باللبن عند رأسيهما حتى طلع الفجر وصبيته يتضاغون من الجوع.
- الثالث قدر على ابنة عمه بعد حاجتها، فتركها خشيةً لله لما ذكّرته به.
ففرّج الله عنهم بإخلاصهم. وبيّن الشيخ أن التوسل المشروع يكون بأسماء الله وصفاته، وبالأعمال الصالحة، وبدعاء الرجل الصالح الحي. وأما التوسل بذوات المخلوقين وجاههم فليس من المشروع.
المحور الخامس: سعة رحمة الله ومغفرته
ساق الشيخ جملة من الأحاديث التي تدل على سعة رحمة الله تعالى:
- حديث الرجل الذي كان يداين الناس، فيُنظر الموسر ويتجاوز عن المعسر، فتجاوز الله عنه وأدخله الجنة.
- حديث الرجل الذي أوصى أهله أن يحرقوه ويذروه في البحر خشيةً من عذاب الله، فغفر الله له لخشيته.
- حديث البغيّ التي سقت كلبًا كاد يقتله العطش فغُفر لها.
- حديث قاتل المائة الذي تاب، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب.
وأكّد الشيخ أن هذه الأحاديث تفتح باب الرجاء، لكنها لا تبيح التهاون في المعاصي. وبيّن أن التوبة النصوح تمحو ما قبلها مهما عظم الذنب، وأن حقوق العباد لا بد من أدائها إلى أصحابها.
ومن الأدلة على ذلك:
قال النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي كان يداين الناس: «كُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا وَأُجَازِيهِمْ، فَأُنْظِرُ المُوسِرَ، وَأَتَجَاوَزُ عَنِ المُعْسِرِ، فَأَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ».
وقال صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ كَادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ، إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَسَقَتْهُ، فَغُفِرَ لَهَا بِهِ».
وقال صلى الله عليه وسلم في قاتل المائة: «فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي، وَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَهُمَا، فَوُجِدَ إِلَى هَذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ، فَغُفِرَ لَهُ».
النقاط الرئيسية
- أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من هذه الأمة من سيتبع سنن اليهود والنصارى، وهذا تحذيرٌ يوجب الحذر من التشبه بهم.
- اتخاذ القبور مساجد من أعظم ذرائع الشرك، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم من فعله.
- النعم ابتلاء، وشكرها بالاعتراف بها لله وبذلها في سبيله، وجحودها سببٌ لسخط الله.
- الإخلاص في العمل الصالح سبب لتفريج الكربات، والتوسل بالعمل الصالح من التوسل المشروع.
- من أُعطي فضلًا في الدنيا فليتجاوز عن الناس ويُنظر المعسر، فالجزاء من جنس العمل.
- رحمة الله واسعة، وباب التوبة مفتوح لكل مذنب ولو عظمت ذنوبه.
- فضّل الله هذه الأمة على من قبلها، فهي أقصر الأمم عمرًا وأعظمها أجرًا.
الفوائد والعبر
- تذكّر حالك قبل أن ينعم الله عليك، وارحم المحتاج كما كنت تحب أن تُرحم، ولا تقل: «إنما ورثته كابرًا عن كابر».
- اجعل لنفسك خبيئةً من العمل الصالح الخالص لله، كبرّ الوالدين وأداء الأمانة والعفة عن الحرام، تكون لك ذخرًا في الشدائد.
- لا تحقرن من المعروف شيئًا، فقد غفر الله لامرأة بسقي كلب، ولرجل بالتجاوز عن المعسرين.
- لا تيأس من رحمة الله مهما عظم ذنبك، وبادر إلى التوبة، وفارق بيئة المعصية إلى بيئة الطاعة.
- احرص على مخالفة أهل الكتاب في عباداتهم وعاداتهم، والزم السنة في الصلاة والهيئة والزينة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات