شرح كتاب " صحيح الإمام البخاري " الشرح الثاني الدرس رقم (12) لفضيلة الشيخ أبوحفص بن العربي الأثري.

2,264 مشاهدة
367 مشاركة
منذ 5 سنوات
```html

المقدمة

هذا هو المجلس الثاني عشر من مجالس شرح «الجامع الصحيح» للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله، ضمن الشرح الثاني الذي يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. ويبدأ هذا المجلس بـ«كتاب مواقيت الصلاة»، وهو في بعض النسخ والروايات «باب مواقيت الصلاة». ويشرح الشيخ أحاديثه شرحًا يجمع بين الفقه والصنعة الحديثية، فيبيّن الرواة وأنسابهم، ويذكر اختلاف ألفاظ الروايات، ويعلّق على الأسانيد.

وتنبع أهمية هذا الموضوع من أن الصلاة عمود الدين وأعظم أركانه العملية. وقد جعلها الله تعالى فريضة محددة بأوقات لا يجوز التفريط فيها. ومعرفة المواقيت شرط لصحة أداء الصلاة على الوجه المشروع، كما أن العناية بها دليل على تعظيم شعائر الله.

ويهدف هذا الدرس إلى تعريف المشاهد بالأصل الشرعي لتحديد أوقات الصلاة، وبمكانة الصلاة وفضلها في تكفير الذنوب. كما يتناول آداب المصلي أثناء مناجاته لربه، وأحكام الإبراد بالظهر في شدة الحر، وأوقات الظهر والعصر، وحكم الجمع بين الصلاتين عند الحاجة، مع فوائد تربوية ومنهجية نبّه عليها الشيخ أثناء الشرح.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الصلاة كتاب موقوت وإمامة جبريل عليه السلام

افتتح الإمام البخاري هذا الكتاب بقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]، أي مفروضًا في أوقات محددة وقّتها الله عليهم. ثم أورد حديث مالك عن ابن شهاب، وهو أول حديث في «الموطأ». وفيه أن عمر بن عبد العزيز أخّر الصلاة يومًا وهو أمير المدينة، فدخل عليه عروة بن الزبير، وأخبره أن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أخّر الصلاة يومًا وهو بالعراق، فأنكر عليه أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه.

واحتج أبو مسعود بأن جبريل عليه السلام نزل فصلّى، وصلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه الصلوات الخمس، ثم قال: «بِهَذَا أُمِرْتَ». فقال عمر لعروة: اعلم ما تحدّث به، أوَإنّ جبريل هو الذي أقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقت الصلاة؟ وروى عروة كذلك عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر، أي في أول الوقت.

واستنبط الشيخ من هذا الحديث فائدة منهجية مهمة، وهي أن الإحاطة بالسنة كلها ليست شرطًا في كبار العلماء. فعمر بن عبد العزيز، مجدّد القرن الثاني رحمه الله، خفي عليه أمر من أمور الصلاة حتى بلغه عن عروة. ثم ذكر الشيخ قوله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: 31]، وبيّن أن في الآية تلويحًا بأن تارك الصلاة متشبّه بالمشركين.

المحور الثاني: مكانة الصلاة وفضلها وخطر تضييعها

أورد البخاري حديث وفد عبد القيس. وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بأربع ونهاهم عن أربع، وذكر من المأمورات الإيمان بالله وإقام الصلاة. وفسّر الشيخ الأوعية المنهي عنها: الدُّبّاء والحنتم والمزفّت والنقير، ثم بيّن أن هذا النهي نُسخ بعد ذلك. ونبّه على حرص الوفد على التلقّي والأخذ عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل ذلك قدوة لطالب العلم. ثم ذكر حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه في «باب البيعة على إقامة الصلاة»: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ». ولفت الشيخ إلى أن في الإسناد ثلاثة من البجليين على نسق واحد.

وفي «باب الصلاة كفارة» أورد البخاري حديث حذيفة رضي الله عنه في الفتنة، وفيه أن فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفّرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي. وفي الحديث نفسه أن الباب الذي بين عمر والفتن العظام هو عمر نفسه رضي الله عنه، وأنه يُكسر ولا يُفتح. وبيّن الشيخ أن الفتنة انفتحت على الأمة بمقتل عمر، ثم اشتدت بمقتل عثمان رضي الله عنهما. وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه في الرجل الذي أصاب من امرأة قبلة نزل قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]. فلما قال الرجل: ألي هذا؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ».

وفي «باب فضل الصلاة لوقتها» حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». وفي «باب الصلوات الخمس كفارة» حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا، مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ؟ قَالُوا: لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا، قَالَ: فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا».

وفي «باب تضييع الصلاة عن وقتها» أثر أنس بن مالك رضي الله عنه: «مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قِيلَ: الصَّلَاةُ؟ قَالَ: أَلَيْسَ ضَيَّعْتُمْ مَا ضَيَّعْتُمْ فِيهَا». ودخل عليه الزهري بدمشق وهو يبكي، فقال أنس: «لَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْتُ إِلَّا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ قَدْ ضُيِّعَتْ». وهذا تحذير بليغ من التهاون في أوقات الصلاة.

المحور الثالث: المصلي يناجي ربه وآداب الصلاة

أورد البخاري في «باب المصلي يناجي ربه عز وجل» حديث أنس رضي الله عنه: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَتْفِلَنَّ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى». وبيّن الشيخ أن البخاري ساق روايات سعيد بن أبي عروبة وشعبة وحميد الطويل، وأن ذلك من الصنعة الحديثية في بيان اختلاف الألفاظ. ومن هذه الألفاظ: «لَا يَبْزُقْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ».

كما ذكر حديث: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ كَالْكَلْبِ»، وبيّن أن المشروع رفع المرفقين في السجود وعدم افتراش الذراعين. ونبّه كذلك على التمييز بين مسلم بن إبراهيم شيخ البخاري، وبين مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح.

المحور الرابع: الإبراد بالظهر وأوقات الظهر والعصر

شرح الشيخ «باب الإبراد بالظهر في شدة الحر»، وبيّن أن معنى الإبراد تأخير الصلاة حتى ينكسر الحر. واستدل بحديث: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ»، وبحديث شكوى النار إلى ربها حين أُذن لها بنَفَسين: نَفَس في الشتاء ونَفَس في الصيف، فأشد ما يجده الناس من الحر ومن الزمهرير من ذلك. وذكر الشيخ تجربة إخوانه من أنصار السنة في السودان، إذ يكون الإبراد عندهم في أول الوقت لأن الحر يزداد كلما اقترب العصر. وذكر كذلك شدة حرّ حضرموت وعدن.

ثم شرح «باب الإبراد بالظهر في السفر» وحديث أبي ذر رضي الله عنه: «أَبْرِدْ... حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ». وفي «باب وقت الظهر عند الزوال» أورد حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج حين زاغت الشمس فصلّى الظهر، ثم قام على المنبر وقال: «سَلُونِي». وقام عبد الله بن حذافة فسأل عن أبيه، ثم برك عمر رضي الله عنه على ركبتيه وقال: «رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا»، فسكن غضب النبي صلى الله عليه وسلم. وأثنى الشيخ على فقه عمر رضي الله عنه في هذا الموقف.

وذكر حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه في بيان أوقات الصلوات، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم:

  • كان يصلي الصبح وأحدهم يعرف جليسه، ويقرأ فيها ما بين الستين إلى المائة.
  • وكان يصلي الظهر إذا زالت الشمس.
  • وكان يصلي العصر وأحدهم يذهب إلى أقصى المدينة ثم يرجع والشمس حيّة.
  • وكان لا يبالي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل.
وفي «باب وقت العصر» حديث عائشة رضي الله عنها: «كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ»، وهو دليل على التبكير بصلاة العصر.

المحور الخامس: الجمع بين الصلاتين للحاجة

في «باب تأخير الظهر إلى العصر» أورد البخاري حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: «صَلَّى بِالْمَدِينَةِ سَبْعًا وَثَمَانِيًا: الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ». ولما سُئل ابن عباس عن ذلك بيّن أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد ألّا يُحرج أمته.

وقرّر الشيخ أن الجمع رخصة عارضة تُشرع عند الحاجة، ولا تختص بالسفر دون الإقامة. وأن من جمع في الحضر لحاجة فإنه يتمّ ولا يقصر. ثم ضرب لذلك مثالًا تطبيقيًا معاصرًا:

  • الطبيب الجرّاح الذي تمتد عمليته من الظهر ساعات طويلة له أن يجمع جمع تقديم.
  • وإن دخل العملية قبل الظهر ولم يخرج إلا بعد العصر جمع جمع تأخير.
ولا يُقال له: اترك المريض ينزف واذهب لتصلي، فإن الله عز وجل رحيم كريم، وقد رفع الحرج عن عباده.

النقاط الرئيسية

  • الصلاة فريضة موقوتة، وأوقاتها توقيفية أقامها جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم.
  • الإحاطة بالسنة كلها ليست شرطًا في كبار العلماء، فقد خفي على عمر بن عبد العزيز أمر من أمور المواقيت.
  • الصلاة على وقتها أحب الأعمال إلى الله، والصلوات الخمس تكفّر الخطايا كما يزيل النهر الدرن.
  • العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والحسنات تمحو الصغائر، أما الكبائر فتحتاج إلى إقامة حد أو توبة.
  • المصلي يناجي ربه، فلا يبصق أمامه ولا عن يمينه، ولا يفترش ذراعيه في السجود.
  • يُستحب الإبراد بالظهر عند اشتداد الحر في الحضر والسفر، والأصل التبكير بالعصر.
  • الجمع بين الصلاتين رخصة لرفع الحرج عند الحاجة، كحال الطبيب في العمليات الجراحية الطويلة.

الفوائد والعبر

  • المحافظة على الصلاة في أول وقتها: ذلك هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أحب العمل إلى الله، وتأخيرها بلا عذر من التضييع الذي بكى منه أنس رضي الله عنه.
  • الإكثار من الحسنات بعد الزلات: إذا وقع المسلم في صغيرة فليبادر بالصلاة والأعمال الصالحة، فإن الحسنات يذهبن السيئات، مع لزوم التوبة النصوح من الكبائر.
  • الأدب مع الله في الصلاة: استشعار المصلي أنه يناجي ربه يورث الخشوع وحسن الهيئة واجتناب ما يُخلّ بالأدب.
  • فقه التيسير ورفع الحرج: الشريعة تراعي أحوال الناس كالحر الشديد وظروف العمل الضرورية، فيأخذ المسلم بالرخص المشروعة دون تفريط ولا تشدد.
  • تقديم بر الوالدين والتواضع في طلب العلم: بر الوالدين مقدَّم على جهاد الطلب، فلا يكون إلا بإذنهما بخلاف جهاد الدفع. ويقبل طالب العلم الحق ممن جاء به ولو كان دونه، كما قبل عمر بن عبد العزيز من عروة.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات