شرح كتاب "صحيح الإمام البخاري "الشرح الثاني الدرس رقم ( 169 ) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
يتابع فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري في هذا الدرس، وهو الدرس رقم (169) من الشرح الثاني لـ«الجامع الصحيح» للإمام البخاري رحمه الله، شرحَ أبوابٍ من أواخر الكتاب، وهي أبواب جليلة في العقيدة والإيمان. يبيّن الشيخ فيها تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، ويشرح الأحاديث القدسية التي يرويها النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل. ويتناول كذلك منهج التعامل مع ما عند أهل الكتاب، وفضل تحسين الصوت بالقرآن، وسبق رحمة الله غضبه، ثم يختم بباب وزن الأعمال والأقوال يوم القيامة.
وتظهر أهمية هذا الدرس في أنه يرسّخ الفهم الصحيح لحقيقة الإيمان، ويربط المسلم بربه الكريم الذي يجزي على القليل كثيرًا. ويعتني الشيخ على عادته بضبط رجال الأسانيد والتعريف بهم، مثل سليمان بن حرب قاضي مكة، وشعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، ومحمد بن عبد الرحيم الملقب بـ«صاعقة». ويؤكد الشيخ ضرورة دراسة صحيح البخاري والتفقه فيه، في زمن تكثر فيه الطعون على السنة النبوية.
ومن أهداف هذا الدرس أن يعرف المشاهد أركان الإيمان عند أهل السنة، وأن يفرّق بين أنواع الوحي، وأن يتعلم الموقف الشرعي من أخبار أهل الكتاب، وأن يدرك أن أعمال العباد وأقوالهم توزن بميزان العدل يوم القيامة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الأعمال من الإيمان، وتسمية الصلاة عملًا
يبيّن الشيخ أن الإمام البخاري أراد بتبويبه أن النبي صلى الله عليه وسلم سمّى الصلاة عملًا، ليقرر أن الأعمال داخلة في الإيمان. فالإيمان عند أهل السنة مركب من قول وعمل. والقول قولان: قول القلب وقول اللسان. والعمل عملان: عمل القلب وعمل الجوارح. ولذلك قال العلماء: الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان.
ويستدل الشيخ بأن الله تعالى سمّى الصلاة إيمانًا في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، أي صلاتكم إلى بيت المقدس. فالأعمال جزء لا يتجزأ من الإيمان. ويعضد ذلك حديث وفد عبد القيس، إذ فسّر النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بالله بالشهادة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأداء الخمس، فجعل ذلك كله إيمانًا وعملًا.
ويشرح الشيخ أيضًا حديث ابن مسعود رضي الله عنه في أفضل الأعمال، ويحث على الخشوع في الصلاة والإقبال عليها، وعلى الإتيان بأركانها وشروطها وواجباتها ومستحباتها. ويبيّن أن المسلم يعرف منزلته عند الله بقدر عنايته بصلاته.
ومن الأدلة الواردة في هذا المحور:
- قال صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
- وسُئل صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال فقال: «الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ، ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
- وقال صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس: «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: آمُرُكُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ، هَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ؟ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَتُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ».
المحور الثاني: عطاء النبي صلى الله عليه وسلم وفضل عمرو بن تغلب رضي الله عنه
يشرح الشيخ حديث عمرو بن تغلب رضي الله عنه. فقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم قومًا ومنع آخرين، فبلغه عتاب من لم يُعطَ. فبيّن صلى الله عليه وسلم أنه قد يعطي الرجل والذي يدعه أحب إليه منه. فهو يعطي أقوامًا لما في قلوبهم من الجزع والهلع، ويَكِل آخرين إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، ومنهم عمرو بن تغلب.
ويبيّن الشيخ أن هذه الكلمة النبوية كانت عند عمرو أغلى من الدنيا كلها. وحُمْر النعم كانت أنفس أموال العرب وأعزها عندهم. ويربط الشيخ ذلك بإعطاء النبي صلى الله عليه وسلم صناديد العرب مئةً من الإبل تأليفًا لقلوبهم، ويؤكد أن ما يبدو في ظاهره شرًّا قد يكون في باطنه خيرًا، فأمر المؤمن كله خير.
ومن الأدلة الواردة في هذا المحور:
- قال صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي أُعْطِي الرَّجُلَ، وَالَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الَّذِي أُعْطِي، ... وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغِنَى وَالْخَيْرِ، مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ».
- فقال عمرو رضي الله عنه: «مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُمْرَ النَّعَمِ».
- وقال صلى الله عليه وسلم: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ».
المحور الثالث: رواية النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه والأحاديث القدسية
يبيّن الشيخ أن الوحي نوعان. الأول وحي متلوّ يُتعبَّد بتلاوته ويُتحدّى بإعجازه، وهو القرآن الكريم. والثاني وحي غير متلوّ، وهو السنة النبوية. ويتميز الحديث القدسي بأن النبي صلى الله عليه وسلم ينسب ألفاظه إلى رب العالمين سبحانه.
ويشرح الشيخ حديث التقرب إلى الله، ويبيّن أن العبد لا يتقرب إلى ربه بشيء إلا تقرّب الله إليه بأعظم منه وأجلّ وأكرم. فنحن نتعامل مع رب كريم يعطي الأجر الجزيل على العمل القليل. وينبه الشيخ على لطيفة إسنادية في رواية أنس عن أبي هريرة رضي الله عنهما، وهي رواية صحابي عن صحابي.
ومن الأدلة الواردة في هذا المحور:
- قال الله تعالى في الحديث القدسي: «إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِذَا أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً».
- وقال تعالى في الحديث القدسي: «لِكُلِّ عَمَلٍ كَفَّارَةٌ، وَالصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ».
- وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَمَّا قَضَى الْخَلْقَ كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي».
المحور الرابع: التعامل مع أهل الكتاب وتحسين الصوت بالقرآن
يتناول الشيخ باب ما يجوز من تفسير التوراة وغيرها من كتب الله. ويبيّن أن العلماء قد يحتجون على أهل الكتاب بما في كتبهم لإقامة الحجة عليهم، كما في قصة الرجم. ويقرر قاعدة التعامل مع أخبارهم: لا نصدقهم خشية أن نصدّق بباطل يخالف ديننا، ولا نكذبهم خشية أن نكذّب بحق يوافق ديننا. أما إذا استبان الحق من الباطل فإننا نحكم بما دلّ عليه الشرع.
ويشير الشيخ إلى خطورة الطعن في حدّ الرجم الثابت بالسنة. ويبيّن أن إنكاره من صور الهجوم على دين الله، وأن الواجب على أهل العلم بيان الحق والرد على الشبهات.
ثم ينتقل الشيخ إلى فضل الماهر بالقرآن، ويحث على تحسين الصوت بالتلاوة مع مراعاة أحكام التجويد. وينبه على أن تقليد أصوات القرّاء بعينهم ليس من السنة، وأن الواجب هو التعلم والإتقان.
ومن الأدلة الواردة في هذا المحور:
- قال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
- وقال صلى الله عليه وسلم: «لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا».
- وقال صلى الله عليه وسلم: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ».
المحور الخامس: القدر واختيار العبد، ووزن الأعمال يوم القيامة
يقرر الشيخ أن كل ما يجري في الكون خلقه الله سبحانه وتعالى. فللعبد اختيار ومشيئة، لكنها لا تخرج عن مشيئة الله وتقديره وعلمه الأزلي. ثم يشرح باب قول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وهو الباب الذي ختم به الإمام البخاري صحيحه. ويبيّن أن أعمال بني آدم وأقوالهم توزن عند الله عز وجل.
وينقل الشيخ قول مجاهد: «القسطاس: العدل بالرومية»، ويبيّن أن القسط مصدر المقسط وهو العادل. ثم يؤكد في ختام الدرس أهمية صحيح البخاري، وحاجة المسلمين إلى دراسته والتفقه فيه، في وجه من يسعون إلى هدم الدين بالطعن في هذا الكتاب العظيم.
ومن الأدلة الواردة في هذا المحور:
- قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾.
النقاط الرئيسية
- الإيمان عند أهل السنة قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح.
- سمّى الله الصلاة إيمانًا، وسمّاها النبي صلى الله عليه وسلم عملًا، فالأعمال جزء من الإيمان.
- الوحي نوعان: متلوّ وهو القرآن، وغير متلوّ وهو السنة، والحديث القدسي تُنسب ألفاظه إلى الله تعالى.
- الله سبحانه يقابل تقرّب العبد إليه بأعظم منه وأكرم، ورحمته سبقت غضبه.
- أخبار أهل الكتاب التي لا نعلم حالها لا نصدّقها ولا نكذّبها، وما خالف شرعنا نردّه.
- العبرة في تحريم الأشربة بالإسكار لا بالأواني، وقد نُسخ النهي عن الانتباذ في الأوعية.
- أعمال العباد وأقوالهم توزن يوم القيامة بميزان العدل.
الفوائد والعبر
- العناية بالصلاة في وقتها، مع إتقان أركانها وواجباتها والخشوع فيها، فهي ميزان منزلة العبد عند ربه.
- المبادرة إلى الطاعات ولو قلّت، لأن الرب الكريم يضاعف الجزاء ويقرّب من تقرّب إليه.
- تقديم محبة الله ورسوله على حطام الدنيا، كما فعل عمرو بن تغلب حين جعل كلمة النبي صلى الله عليه وسلم أحب إليه من حُمْر النعم.
- تعلّم التلاوة وإتقانها وتحسين الصوت بالقرآن، دون تكلّف تقليد الآخرين.
- الحرص على دراسة السنة وصحيح البخاري، للتحصّن من الشبهات والدفاع عن الدين بعلم وبصيرة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات