شرح كتاب سبل السلام الموصلةإلى بلوغ المرام : 《 صفة الحج 1 》فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي.
المقدمة
يفتتح فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري -حفظه الله- في هذا الدرس من سلسلة شرح كتاب «سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام» للإمام الصنعاني رحمه الله، بابًا من أعظم أبواب الفقه العملي، وهو «باب صفة الحج ودخول مكة». ومراد الحافظ ابن حجر رحمه الله بهذا الباب، كما بيّنه الصنعاني، هو بيان المناسك والإتيان بها مرتبة، وكيفية وقوعها. وقد صدّره بحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما الذي يُعدّ أجمع حديث في وصف حجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو وافٍ بجميع ذلك.
وتنبع أهمية هذا الدرس من أن الحج ركن من أركان الإسلام، وأن صحته وقبوله مرتبطان باتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال: «لتأخذوا مناسككم». فيأخذ الشيخ المشاهد في رحلة تفصيلية تبدأ من ذي الحليفة، مرورًا بالإهلال بالتوحيد، والطواف، والسعي، ويوم التروية، والوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، وانتهاءً برمي جمرة العقبة والنحر والإفاضة إلى البيت.
ولا يقتصر الدرس على الجانب الفقهي فحسب، بل يمزج الشيخ فيه بين العلم والتربية، فينبّه على آداب المُحرِم وحاله من العبودية، ويحذّر من منكرات وأخطاء شائعة تقع من بعض الحجاج والمعتمرين. ويهدف الدرس إلى أن يتعلم المسلم كيفية أداء المناسك على وفق السنة، وأن يستشعر عظمة العبادة وقدسية المكان، وأن يحفظ حجه وعمرته مما يُنقص أجرهما.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: حديث جابر رضي الله عنه وسياق حجة النبي صلى الله عليه وسلم
بيّن الشيخ أن حديث جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري رضي الله عنهما من الأحاديث الطوال، كحديث الجساسة وبعض أحاديث الفتن، وقد أفرد الإمام الطبراني رحمه الله جزءًا في الأحاديث الطوال. وقد اختصره الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام لأنه أراد وصف مواضع بعينها من حجة النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث بتمامه في صحيح مسلم.
ومن أوائل ما في الحديث قوله: «حتى إذا أتينا ذا الحليفة»، وهي الميقات المعروف اليوم بـ«أبيار علي». وهناك ولدت أسماء بنت عميس رضي الله عنها، وكانت يومئذ زوجًا للصديق رضي الله عنه، فولدت محمد بن أبي بكر، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم:
«اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ، وَأَحْرِمِي»
وفي ذلك دليل على جواز إحرام النفساء والحائض، وأن الاستثفار هو التحفّظ بثوب يُشدّ لئلا يخرج الدم. ثم صلى النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد ذي الحليفة، وركب ناقته «القصواء»، ونبّه الشيخ إلى جواز تسمية الحيوانات للتمييز بينها، وأن القصواء غير العضباء على الصحيح.
المحور الثاني: الإهلال بالتوحيد وأدب المُحرِم في حال إحرامه
لما استوت الناقة بالنبي صلى الله عليه وسلم على البيداء أهلّ بالتوحيد قائلًا:
«لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ»
وأكّد الشيخ أن المحرم في حال عبودية خاصة، فكما أن المصلي لا ينشغل في صلاته إلا بها، فكذلك المحرم لا ينبغي أن ينشغل إلا بنسكه وذكر ربه: فالذي يلبي يلبي، والذي يكبر يكبر، والذي يهلل يهلل، والذي يسبح أو يستغفر يفعل ذلك، من الميقات إلى البيت الحرام. ولا يجوز له الانشغال بسفاسف الأمور واللغو، فضلًا عن المحرمات كالغيبة والنميمة.
وقرر الشيخ قاعدة تربوية نافعة: «إذا لم تكن في طاعة فلا تكن في معصية»، فإن فتر المحرم عن الذكر فليكن صمته تفكرًا لا معصية. وذكر من واقع مشاهداته في العمرة نماذج مؤلمة لمن يفسدون عباداتهم بالتغزّل والحلف بغير الله، مذكّرًا بأن الحج المبرور الذي ليس له جزاء إلا الجنة لا يتحقق إلا بتوفر الشروط وانتفاء الموانع.
المحور الثالث: صفة الطواف وصلاة ركعتي المقام
قال جابر رضي الله عنه: «حتى إذا أتينا البيت استلم الركن، فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا». والركن هو الحجر الأسود الذي يُبتدأ منه الطواف، والسنة فيه: تقبيله، أو استلامه باليد وتقبيلها، أو استلامه بعصا وتقبيلها، فإن عجز أشار إليه. أما السجود عليه فيحتاج إلى دليل. والشوط يكون من الحجر إلى الحجر، ويدعو بين الركن اليماني والحجر الأسود:
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201]
وشرح الشيخ معنى الرَّمَل بأنه إسراع خفيف في المشي مع مقاربة الخطى، وهو دون الهرولة، وأن أصله كان لإظهار القوة أمام قريش ثم صار سنة باقية، وبيّن جواز المزاحمة لتقبيل الحجر بشرط ألّا يزاحم الرجالُ النساءَ، فهذا من المنكرات. ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم مقام إبراهيم عليه السلام -وهو الحجر الذي قام عليه حين بنى الكعبة مع ابنه إسماعيل- فصلى ركعتين، تحقيقًا لقوله تعالى:
﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125]
ثم رجع إلى الركن فاستلمه قبل خروجه إلى الصفا.
المحور الرابع: صفة السعي بين الصفا والمروة
لما دنا النبي صلى الله عليه وسلم من الصفا قرأ:
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158]، «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ»
ونبّه الشيخ على أن الرواية المحفوظة في صحيح مسلم هي «أبدأ» أو «نبدأ» بصيغة الخبر، وأن رواية «ابدؤوا» بصيغة الأمر رواية شاذة خارج الصحيح؛ لأن الحادثة واحدة. ثم رقي الصفا حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحّد الله وكبّره وقال:
«لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ»
ثم دعا بين ذلك، وكرر هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبّت قدماه في بطن الوادي سعى -أي أسرع-، وهو الوادي الذي سعت فيه أم إسماعيل عليهما السلام. وبيّن الشيخ أن الوادي لم يعد ظاهرًا اليوم، وإنما عُلّم موضعه بالمصابيح الخضراء، فيسعى الساعي بينها ويمشي فيما سواها، ثم يفعل على المروة كما فعل على الصفا من الذكر والدعاء.
المحور الخامس: من يوم التروية إلى الإفاضة، مع التنبيه على المنكرات
عرض الشيخ بقية الحديث: فيوم التروية -وهو الثامن من ذي الحجة- توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى منى فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم سار إلى عرفة فنزل بنمرة، فلما زالت الشمس خطب الناس بطن الوادي، ثم جمع الظهر والعصر بأذان وإقامتين ولم يصلِّ بينهما شيئًا، ثم وقف عند الصخرات مستقبلًا القبلة حتى غربت الشمس، ثم دفع وهو يقول: «أيها الناس، السكينةَ السكينةَ». وأشار الشيخ إلى اختلاف النسخ في لفظ «حَبْلًا» (من حبال الرمل) و«جَبَلًا».
ثم صلى بمزدلفة المغرب والعشاء بأذان وإقامتين، واضطجع حتى طلع الفجر، فصلاها حين تبيّن له الصبح، ثم أتى المشعر الحرام فدعا وكبّر وهلّل حتى أسفر جدًا، ودفع قبل طلوع الشمس، وأسرع في بطن محسِّر، ثم رمى جمرة العقبة بسبع حصيات مثل حصى الخذف يكبّر مع كل حصاة، ثم نحر، ثم أفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر.
وحذّر الشيخ من منكرات تقع في هذه المشاعر: كالتصوير والتدخين في عرفات وعلى جبل الرحمة، وتكسير الحجارة بالآلات ليلًا في مزدلفة مع أن الحصى متيسر، وضرب الجمرات بالنعال مع السبّ والشتم ظنًّا أن ذلك إهانة للشيطان، مبيّنًا أن إذلال الشيطان إنما يكون بطاعة الله، وأن هذه الأمور تُنقص الأجر وإن لم يُحكم ببطلان العبادة إلا بدليل.
النقاط الرئيسية
- حديث جابر رضي الله عنه في صحيح مسلم هو أجمع حديث في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم ومناسكها مرتبة.
- يجوز للنفساء والحائض الإحرام، فتغتسل وتستثفر بثوب وتُحرم.
- السنة الإهلال بتلبية التوحيد، وانشغال المحرم بالذكر من الميقات إلى البيت، واجتناب اللغو والمعاصي.
- يبدأ الطواف من الحجر الأسود باستلامه أو تقبيله أو الإشارة إليه، مع الرَّمَل في الأشواط الثلاثة الأولى، ثم صلاة ركعتين خلف المقام.
- يبدأ السعي من الصفا امتثالًا لـ«أبدأ بما بدأ الله به»، مع الذكر والدعاء على الصفا والمروة، والإسراع بين العلامتين الخضراوين.
- بيان ترتيب أعمال الحج من يوم التروية إلى عرفة ومزدلفة ورمي جمرة العقبة والنحر والإفاضة.
- التحذير من المنكرات التي تُنقص أجر الحج والعمرة، كالتصوير والتدخين ومزاحمة النساء للرجال ورمي الجمرات بالنعال والسباب.
الفوائد والعبر
- التعلم قبل العمل: على من عزم على الحج أو العمرة أن يسأل أهل العلم عن صفة المناسك وآدابها وأخطائها قبل سفره، فعلى العلماء البيان وعلى الناس السؤال.
- اغتنام الزمان والمكان: الإقامة في مكة نعمة عظيمة تتضاعف فيها الصلوات والحسنات، فلا ينبغي تضييعها في الأسواق والنوم والاستعجال في الرجوع.
- قاعدة سلوكية: «إذا لم تكن في طاعة فلا تكن في معصية»، فليكن صمتك تفكرًا لا غفلة ولا إثمًا.
- المنهج الصحيح للإصلاح: التغيير الحقيقي يبدأ من النفس بالعلم والتصفية والتربية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]، لا بالشعارات والهتافات.
- العبرة بالعمل لا بالمكان: الأماكن الفاضلة تعين على الطاعة وتضاعف لذتها وأجرها، لكنها لا تقدّس أحدًا، وإنما ينفع العبدَ عملُه الصالح واتباعُه للسنة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات