شرح كتاب سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام 《 الزهد والورع 4 - 11 》فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي.
المقدمة
هذا الدرس من سلسلة شرح كتاب «سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام» في باب الزهد والورع، ويلقيه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول الشيخ فيه عددًا من الأحاديث النبوية التي تبني عقيدة المسلم وسلوكه، فيبدأ بحديث «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»، ثم يشرح وصية النبي ﷺ لابن عباس رضي الله عنهما، وبعدها حديث الزهد في الدنيا وفيما عند الناس، ويختم بحديث محبة الله للعبد التقي الغني الخفي.
وتأتي أهمية الموضوع من أن هذه الأحاديث تتصل بأصول التوحيد: إفراد الله بالسؤال والاستعانة، واليقين بالقضاء والقدر، والولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، والبراءة من أعداء الله. وهي أيضًا علاج لأمراض القلوب، كالتعلق بالمخلوقين والحرص على الدنيا والسعي وراء المناصب والجاه.
ويهدف الدرس إلى أن يعرف المشاهد حكم التشبه بالكفار وأهل البدع والفساق، وأن يفهم معنى «حفظ الله» وثمرته، وأن يتعلم الجمع بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب المشروعة. ويهدف كذلك إلى بيان فضل الزهد والتقوى وغنى النفس والإخفاء في العبادة، وإلى التنبيه على واجب العلماء في صيانة العلم والترفع عن مطامع الدنيا.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: تحريم التشبه بأعداء الله
شرح الشيخ حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»، وقد أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان. وذكر أن في إسناده عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان وفيه ضعف، لكن الحديث صحيح بطرقه وشواهده الكثيرة. ومن شواهده ما أخرجه أبو يعلى مرفوعًا من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. وأشار الشيخ إلى أنه خرّج الحديث في كتابه «ضوء القمر على مسند ابن عمر للطرسوسي» وانتهى فيه إلى صحته.
ودل الحديث على أن من تشبه بالفساق أو الكفار أو المبتدعة فيما يختصون به، من لباس أو مركوب أو هيئة، كان منهم. فإن تشبه بالكافر في زيّه معتقدًا ذلك كان مثله في الكفر. وإن لم يعتقده ففيه خلاف بين الفقهاء: فمنهم من قال يكفر أخذًا بظاهر الحديث، ومنهم من قال لا يكفر ولكنه يؤدَّب. ثم استشهد الشيخ بقول القائل:
أُحِبُّ الصَّالِحِينَ وَلَسْتُ مِنْهُمْ ... لَعَلِّي أَنْ أَنَالَ بِهِمْ شَفَاعَهْ
وَأَكْرَهُ مَنْ تِجَارَتُهُ الْمَعَاصِي ... وَإِنْ كُنَّا سَوَاءً فِي الْبِضَاعَهْ
ونبّه الشيخ إلى ما يقع فيه بعض المسلمين من مشاركة الكفار في أعيادهم كـ«شم النسيم»، وإلى الافتتان بما عند اليهود والنصارى. وبيّن أن هذا من تغيّر العقيدة وضعف الولاء والبراء، واستدل بما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَٰذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ».
المحور الثاني: وصية النبي ﷺ لابن عباس، «احفظ الله يحفظك»
روى الترمذي وقال: «حسن صحيح»، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي ﷺ يومًا فقال: «يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ». وفي رواية أحمد: «تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ... وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا».
ومعنى «احفظ الله»: احفظ حدوده وأوامره ونواهيه. فتمتثل الأوامر، وتجتنب النواهي، وتقف عند الحدود فلا تتجاوز ما أُمرت به إلى ما نُهيت عنه. ويحفظ المسلم ربه في سمعه وبصره ولسانه ويده وعقله وقلبه، وفي حياته كلها. قال تعالى: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾، وقال: ﴿هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾.
والجزاء من جنس العمل، فمن حفظ الله حفظه الله من شرور الدنيا والآخرة، بل وحفظ ذريته من بعده، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾. فصلاح الآباء يعود بالخير على الأبناء. وقال سبحانه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾. وذكر الشيخ أن الحافظ ابن رجب الحنبلي أفرد هذا الحديث بمصنَّف سماه «نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي ﷺ لابن عباس».
ولفت الشيخ إلى أن ابن عباس كان حينئذ قريبًا من سن البلوغ، ومع ذلك علّمه النبي ﷺ هذه الأصول العظيمة. فحريّ بالآباء أن يعلّموا أبناءهم هذه العقيدة الصافية النقية: اليقين بالله، والتوكل عليه، وأن يكون العبد أوثق بما عند الله منه بما في يده.
المحور الثالث: إفراد الله بالسؤال والاستعانة، والإيمان بالقدر
أمر النبي ﷺ بإفراد الله تعالى بالسؤال وإنزال الحاجات به وحده. فإذا تجرد القلب من التعلق بالمخلوقين نزلت رحمات الله على العبد، كما وقع لأصحاب الغار الثلاثة الذين أنزلوا حاجتهم بالله فانفرجت عنهم الصخرة. وجاء في الحديث: «سَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ»، وفيه أن العبد يسأل ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع. وقد بايع النبي ﷺ جماعة من أصحابه، منهم الصديق وأبو ذر وثوبان رضي الله عنهم، على ألا يسألوا الناس شيئًا. فكان السوط يسقط من أحدهم فلا يسأل أحدًا أن يناوله إياه.
وفي السؤال ذلٌّ وافتقار، ولا يصلح ذلك إلا لله الغني القادر على كل شيء، أما الخلق فكلهم فقراء محتاجون مهما بلغت قوتهم وسلطانهم. وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَٰلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ».
وقوله ﷺ: «وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ» مأخوذ من قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وفي إفراد الله بالاستعانة فائدتان: الأولى أن العبد عاجز عن القيام بالطاعات بنفسه ما لم يُعِنه الله. والثانية أنه لا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله. فمن أعانه الله فهو المُعان، ومن خذله فهو المخذول. ومن علامات الخذلان أن يلجأ العبد إلى المخلوق، ويشتد الخذلان إذا لجأ إلى أعداء الله. ومن الأدعية في هذا الباب ما علّمه النبي ﷺ لمعاذ رضي الله عنه: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَىٰ ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ»، وقول يعقوب عليه السلام: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾.
وكل ما يجري في الكون يجري بقدر الله، ولا يستطيع مخلوق أن يغيّر من أمر الله شيئًا. قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾. وفي الصبر على المكروه خير كثير، فـ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، ولن يغلب عسرٌ يسرين.
المحور الرابع: التوكل والأخذ بالأسباب والكسب الحلال
بيّن الشيخ أن هذه الوصايا النبوية لا تنافي الأخذ بالأسباب، بل الأخذ بها من تمام التوكل ومن جملة سؤال الله والاستعانة به. قال ﷺ: «احْرِصْ عَلَىٰ مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ». فيأخذ العبد بأسباب الرزق والعلم والطاعة، ولا يقعد متواكلًا يقول: إن أراد الله شيئًا كان.
فإن أخذ العبد بالسبب ثم حُرم، فلله في ذلك حكمة. ولو كُشف الغطاء لعلم أن الحرمان قد يكون خيرًا له من العطاء، فبعض الناس لو أُعطي المال لطغى وفجر، وبعضهم لو بقيت له الصحة لفسق.
والكسب الممدوح ما كان من حلال، بقصد كفاية النفس ومن تلزمه نفقته. وما زاد على ذلك يُحمد إذا كان لغرض صحيح، كإعانة محتاج أو صلة رحم أو كفالة طالب علم، لا للترفع على الخلق والتوسع في الدنيا. وذكر الشيخ حديث «كَسْبُ الْحَلَالِ فَرِيضَةٌ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ» وبيّن ضعف إسناده. وذكر قول العلماء إن الكسب الحلال مندوب أو واجب، إلا للعالم المشتغل بالتدريس، وللقاضي، ولأهل الولايات العامة، فهؤلاء يُرزقون من الأموال المعدّة للمصالح.
المحور الخامس: الزهد طريق محبة الله والناس، والعبد التقي الغني الخفي
عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، دُلّني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال: «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبُّوكَ». رواه ابن ماجه وغيره. وفي إسناده خالد بن عمرو القرشي، وهو متروك ونُسب إلى الوضع، وقد حسّنه النووي لشواهده، ومعناه صحيح. وفي الحديث شرف الزهد، وأنه سبب لمحبة الله ومحبة الناس، وأنه لا بأس بطلب محبة العباد بالأسباب المشروعة، كإفشاء السلام والتهادي، لقوله ﷺ: «لَا تُؤْمِنُوا حَتَّىٰ تَحَابُّوا».
ثم تكلم الشيخ عن واجب العلماء في الترفع عن مطامع الدنيا وصيانة العلم. فلو صان أهل العلم علمهم لصانهم، ولو عظّموه لعظُم في النفوس. واللهث وراء المناصب يُضيّع الدين والدنيا ويفتح على الأمة أبواب الشر. وأعظم منصب للعالم أنه وارث النبوة في الدعوة إلى توحيد الله وعبادته، إلا إذا تعيّن عليه أمرٌ من أمور المسلمين، كما كان الخلفاء الراشدون وعمر بن عبد العزيز.
وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ». أخرجه مسلم. وقرر الشيخ إثبات صفة المحبة لله تعالى على الحقيقة كما يليق بجلاله، كما قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. ورد تأويلها بـ«إرادة الخير» وعدّه من التأويل المنحرف.
والتقي هو الذي يؤدي ما فرضه الله ويجتنب ما حرّمه. والغني هو غني النفس، لقوله ﷺ: «لَيْسَ الْغِنَىٰ عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَىٰ غِنَى النَّفْسِ». والخفي هو الخامل المنقطع إلى عبادة ربه، المخفي لأعمال البر. ورُوي «الحفي» بالحاء المهملة، أي الوصول لرحمه، اللطيف بالضعفاء الرفيق بهم.
النقاط الرئيسية
- التشبه بالكفار والفساق والمبتدعة فيما يختصون به محرّم، ومشاركة الكفار في أعيادهم كـ«شم النسيم» لا تجوز.
- حفظ الله يكون بامتثال أوامره واجتناب نواهيه والوقوف عند حدوده، وجزاؤه أن يحفظ الله العبد في دينه ودنياه وذريته.
- السؤال والاستعانة عبادتان لا تُصرفان إلا لله، والتعلق بالمخلوقين من علامات الخذلان.
- الإيمان بالقدر يملأ القلب طمأنينة، فلا يملك الخلق نفعًا ولا ضرًّا إلا بما كتبه الله.
- الأخذ بالأسباب المشروعة من تمام التوكل، وللحرمان حِكمٌ قد تخفى على العبد.
- الزهد في الدنيا سبب لمحبة الله، والزهد فيما عند الناس سبب لمحبتهم، وعلى العلماء أن يصونوا العلم عن المطامع والمناصب.
- صفة المحبة ثابتة لله على الحقيقة بلا تأويل، والله يحب العبد التقي الغني الخفي.
الفوائد والعبر
- أن تعلّم أبناءك منذ الصغر عقيدة التوحيد واليقين بالله، كما علّم النبي ﷺ ابن عباس وهو غلام.
- أن تُنزل حاجاتك كلها بالله وتُلحّ عليه في الدعاء، فإن الله يحب أن يُسأل، وأن تتعرف إليه في الرخاء ليعرفك في الشدة.
- أن تجتهد في الأسباب المشروعة لطلب الرزق والعلم، وترضى بما قسمه الله بعد ذلك، موقنًا أن الخير فيما اختاره.
- أن تحرص على تميّز شخصيتك الإسلامية في لباسك وعاداتك وأعيادك، وتحذر من تقليد أعداء الله.
- أن تجعل غناك غنى النفس، وتخفي عملك الصالح، وتصل رحمك وترفق بالضعفاء، فتكون من الذين يحبهم الله.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات