شرح كتاب " سبل السلام الموصلةإلى ُبلوغ المرام " 《 30 》شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الثلاثون من شرح كتاب «سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام» للإمام الصنعاني رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويفتتح الشيخ فيه باب المسح على الخفين، وهو باب يتكرر العمل به في حياة المسلم، ويحتاج إليه المسافر والمقيم، ولا سيما في البلاد الباردة وأوقات الشتاء، فهو من مظاهر التيسير الذي جاءت به الشريعة.
يدور الدرس حول الحديث الأول في الباب، وهو حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه. ويشرح الشيخ ألفاظه، ويبيّن شرط المسح، ويذكر الأدلة على أن أحاديث المسح متواترة. ثم يعرض قول من أنكر المسح من أهل البدع، ويذكر شبهتهم في دعوى نسخه بآية المائدة، ويردّ عليها ردًّا علميًّا مؤصّلًا.
أهداف الدرس: معرفة معنى الخف وحكم المسح عليه وشرطه، وفهم قاعدة «المشقة تجلب التيسير» وتطبيقاتها، والتفريق بين الأمر الإرشادي والأمر التعبدي، ومعرفة تعريف النسخ وشروطه، وكيفية الجمع بين القرآن والسنة بالتقييد والتخصيص.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: تعريف الخف، والتعريف براوي الحديث
بدأ الشيخ ببيان معنى الخف، وهو ما يُصنع من الأَدَم (الجلد المدبوغ) ويغطي الكعبين. ونبّه إلى أن الخف صار اليوم معروفًا عند الناس، بعد أن كان كثير منهم قبل سنوات لا يعرفونه. وذكر كذلك الجُرموق، وهو ما يُلبس فوق الخف.
ثم عرّف براوي الحديث، المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، وهو من أشهر رواة هذا الباب، وكان من دُهاة العرب. ودهاة العرب المشهورون: معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وأضاف إليهم الشيخ قيس بن سعد بن عبادة، وبديل بن ورقاء رضي الله عنهم.
ونص الحديث كما في بلوغ المرام:
عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَوَضَّأَ، فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: «دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ)
المحور الثاني: شرح ألفاظ الحديث وفوائده الأصولية
سياق الحديث: بيّنت رواية الإمام مالك في الموطأ ورواية أبي داود في السنن أن ذلك كان في سفر، وهو غزوة تبوك، وأن الصلاة كانت صلاة الفجر.
معنى «فتوضأ»: أي شرع في الوضوء وأخذ فيه، لا أنه فرغ منه. ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا»، أي إذا شرع الإمام في الركوع فاركعوا. وفي الحديث نفسه ما يدل على ذلك؛ إذ ذكرت بعض الروايات المضمضة والاستنشاق وغيرهما من أفعال الوضوء.
معنى «فأهويت»: أي مددت يدي، أو انحططت من القيام إلى القعود لأنزع الخفين. ويُستفاد منه استحباب خدمة الكبير، سواء كان والدًا أو عالمًا أو كبير قومه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينهه عن خدمته.
فائدتان أصوليتان: الأولى أن الأمر في قوله «دعهما» أمر إرشاد، لا أمر وجوب ولا أمر تعبّد. والثانية القاعدة الكلية العظيمة «المشقة تجلب التيسير»؛ فقد يشق على بعض الناس غسل القدمين في البرد الشديد لصلاة الفجر وغيرها، فشُرع لهم المسح تيسيرًا.
لماذا أراد المغيرة نزع الخفين؟ ذكر الشيخ عدة احتمالات:
- أنه لم يكن يعلم بمشروعية المسح.
- أنه كان يعلم بها، لكنه ظن أن النبي صلى الله عليه وسلم سيفعل الأفضل، بناءً على القول بأن الغسل أفضل من المسح.
- أنه ظن أن شرط المسح غير متحقق، كأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد لبسهما على غير طهارة.
ورجّح الشيخ الاحتمال الأخير، وأن المغيرة كان يعلم الحكم. ووجه الترجيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبيّن له حكم المسح، وإنما بيّن له الشرط فقط بقوله: «فإني أدخلتهما طاهرتين». ولو كان المغيرة جاهلًا بالحكم لبيّنه له، كما بيّن لمعاوية بن الحكم السُّلمي حين تكلم في الصلاة.
المحور الثالث: شروط المسح وصفته ومدته، والمسح على الجوربين
شرط المسح: أن يُلبس الخفان على طهارة كاملة، أي بعد وضوء تام غُسلت فيه القدمان. فإذا أحدث بعد ذلك وأراد الوضوء جاز له أن يمسح. وهو مخيَّر: إن شاء مسح، وإن شاء خلع خفيه وغسل قدميه، ولا حرج عليه في الحالين.
ويجوز المسح ولو دخل الخلاء وقضى حاجته. لكن إن تيقّن أن شيئًا من رشاش البول أصاب الخف وجب عليه غسل الموضع الذي أصابه. ويكون المسح على أعلى الخف لا على أسفله، واستشهد الشيخ بقول علي رضي الله عنه:
«لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ».
مدة المسح: المسح جائز في السفر والحضر عند أكثر العلماء. فللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، وللمقيم يوم وليلة. أما جوازه في السفر فدليله حديث المغيرة، وأما جوازه في الحضر فدليله أحاديث أخرى.
المسح على الجوربين: وردت فيه ثلاثة أحاديث صحّحها من المتأخرين الشيخ جمال الدين القاسمي، والشيخ أحمد شاكر، والشيخ الألباني رحمهم الله. فمن صحّحها قال بجواز المسح على الجوربين بالنص، ومن لم يصحّحها قاس الجوربين على الخفين. واشترط بعض الشافعية أن يكون الجورب صفيقًا (سميكًا) لا ينفذ منه الماء. ونبّه الشيخ إلى أن خفاف الصحابة رضي الله عنهم لم تكن سليمة دائمًا، بل كانت مرقّعة مخرّقة لفقرهم، كما في غزوة ذات الرقاع.
المحور الرابع: تواتر أحاديث المسح على الخفين
ذكر الشيخ تخريج الحديث، وأنه متفق عليه بين الشيخين واللفظ للبخاري. وعرّف بالإمام البزار، وهو أحمد بن عمرو بن عبد الخالق المتوفى سنة 292هـ، وقد ذكر البزار أن هذا الحديث رُوي عن المغيرة من ستين طريقًا، وذكر ابن منده منها خمسة وأربعين طريقًا.
ثم سرد أقوال الأئمة في كثرة من روى المسح من الصحابة:
- الإمام أحمد بن حنبل (164–241هـ): «فيه أربعون حديثًا عن الصحابة مرفوعة».
- ابن أبي حاتم: رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم واحد وأربعون صحابيًّا.
- ابن عبد البر (ت 463هـ، وهي السنة التي توفي فيها الخطيب البغدادي): رواه نحو أربعين من الصحابة.
- ابن المنذر نقل عن الحسن البصري قوله: «حدثني سبعون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يمسح على الخفين».
- أبو القاسم بن منده ذكر في «تذكرته» أسماء من رواه، فبلغوا ثمانين صحابيًّا.
وممن رُوي عنهم المسح: علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وبلال، وحذيفة، وبريدة، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين، وسلمان الفارسي رضي الله عنهم.
وقال ابن المبارك: ليس في المسح على الخفين بين الصحابة اختلاف؛ لأن كل من رُوي عنه إنكاره فقد رُوي عنه إثباته. وقال ابن عبد البر: لا أعلم أنه رُوي عن أحد من السلف إنكاره إلا عن مالك، مع أن الروايات الصحيحة عنه مصرّحة بإثباته. ثم ذكر الشيخ قول الحافظ ابن حجر إن جمعًا من الحفاظ صرّحوا بتواتر المسح، وقال به أبو حنيفة والشافعي وغيرهما.
المحور الخامس: الرد على منكري المسح ودعوى النسخ
أنكر المسح على الخفين الهادوية والإمامية من الشيعة والخوارج، وهم مع ذلك يمسحون على أرجلهم المكشوفة ولا يغسلونها. واستدلوا بقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6]
وقالوا: إن الآية توجب مباشرة الرجلين بالماء، وإن أحاديث المسح منسوخة بآية المائدة. واحتجوا بما رُوي عن علي رضي الله عنه: «سبق الكتابُ الخفين»، وهو أثر ضعيف، وبما رُوي عن ابن عباس من نحوه. ونبّه الشيخ إلى أن قول المبتدعة لا اعتبار له في مسائل الخلاف، وأن الغرض من عرض شبهتهم الرد عليها حتى لا يغترّ بها أحد.
الجواب الأول: نزلت آية الوضوء في غزوة المريسيع، ومسح النبي صلى الله عليه وسلم على خفيه كان في غزوة تبوك، وغزوة المريسيع قبلها باتفاق. والمتقدم لا ينسخ المتأخر، بل المتأخر هو الذي ينسخ المتقدم. وعرّف الشيخ النسخ بأنه: رفع حكم شرعي ثابت بخطاب متقدم بخطاب شرعي متأخر متراخٍ عنه. وفرّق بين حقيقة النسخ وأقسامه، كنسخ الحكم مع بقاء التلاوة ونسخ التلاوة مع بقاء الحكم.
الجواب الثاني: لو سُلّم أن آية المائدة متأخرة فلا تعارض بينها وبين أحاديث المسح؛ لأن قوله تعالى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ إما مطلق قيّدته أحاديث المسح، وإما عام خصّصته. والسنة جاءت مبيّنة للقرآن، فبيّنت أن من لبس الخفين على طهارة يمسح عليهما، ومن لم يلبسهما يغسل قدميه. فالعمل بالنصين جميعًا أولى من إبطال أحدهما.
النقاط الرئيسية
- الخف ما صُنع من الجلد المدبوغ وغطّى الكعبين، والمسح عليه رخصة ثابتة في السفر والحضر.
- شرط المسح أن يُلبس الخفان على طهارة كاملة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ».
- مدة المسح للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، وللمقيم يوم وليلة، والمسح يكون على أعلى الخف.
- الأمر في قوله «دعهما» أمر إرشاد، والحديث من تطبيقات قاعدة «المشقة تجلب التيسير».
- أحاديث المسح على الخفين متواترة، رواها جمع كبير من الصحابة، قيل أربعون، وقيل سبعون، وقيل ثمانون.
- المسح على الجوربين جائز بالنص عند من صحّح أحاديثه، وبالقياس على الخفين عند غيرهم.
- دعوى نسخ المسح بآية المائدة باطلة؛ لتقدّم نزول الآية على المسح في تبوك، ولأن السنة قيّدت الآية أو خصّصتها.
الفوائد والعبر
- الأخذ برخص الله: إذا لبست الخف أو الجورب بعد وضوء كامل فلك أن تمسح عليه، ولا سيما في البرد. وهذا من رحمة الله بعباده ومن يسر الشريعة.
- خدمة الكبار وتوقيرهم: خدمة الوالدين والعلماء وكبار السن أدب نبوي، أقرّه النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينهَ المغيرة عنه.
- الدين بالنقل لا بالرأي: المسح على ظاهر الخف لا على باطنه يعلّمنا أن العبادات توقيفية، يُتّبع فيها الدليل وإن خالف ما يقتضيه العقل في الظاهر.
- الحذر من شبهات أهل البدع: معرفة أصول الاستدلال، كالنسخ والتقييد والتخصيص، تحمي طالب العلم من الاغترار بالشبهات، وتعينه على الجمع بين النصوص بدل ضرب بعضها ببعض.
- اتباع السنة المبيّنة للقرآن: السنة شارحة للقرآن ومفصّلة لمجمله، ولا يستقيم فهم القرآن بمعزل عنها.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات