شرح كتاب " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى" (12) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الثاني عشر من شرح كتاب «هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله. يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري، وقد أُلقي بعد صلاة العشاء في شهر صفر سنة إحدى وأربعين وأربعمائة وألف للهجرة، الموافق لشهر أكتوبر سنة تسع عشرة وألفين للميلاد. ويواصل الشيخ فيه الكلام على البشارات بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهي بشارات بقيت في كتب أهل الكتاب على الرغم مما وقع فيها من التحريف والتبديل.
ولهذا الموضوع أهمية كبيرة، لأن هذه البشارات من أقوى الحجج على اليهود والنصارى، فهي مأخوذة من كتبهم التي يعظّمونها. ويصدّقها قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ﴾ [الأعراف: 157]. ويبيّن الشيخ أن هذه الأوصاف لا تنطبق إلا على النبي صلى الله عليه وسلم وأمته، وأنها لا تصح في المسيح عليه السلام ولا في غيره من الأنبياء.
ومن أهداف هذا المجلس أن يعرف المشاهد نصوص هذه البشارات ووجه دلالتها، وأن يتعلم كيف ترد على التأويلات الفاسدة التي يحمل بها أهل الكتاب هذه النصوص على غير وجهها. ويهدف كذلك إلى تقوية يقين المسلم بنبوة نبيه صلى الله عليه وسلم ورسالته الخاتمة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: بشارة جبال فاران وامتلاء الأرض من تحميد أحمد
بدأ الشيخ بالبشارة التي ذكرها ابن القيم من نبوة حبقوق، ونصها: «جاء الله من التيمن، وظهر القدس على جبال فاران، وامتلأت الأرض من تحميد أحمد، وملك رقاب الأمم». وجبال فاران هي جبال مكة. والتيمن هو جهة اليمن، أي جزيرة العرب.
ثم بيّن أن هذه الأوصاف لا تنطبق إلا على النبي صلى الله عليه وسلم. فهو الذي امتلأت الأرض بحمده وحمد أمته، وهو الذي ملك رقاب الأمم، وهو الذي أنارت الأرض بنوره ورسالته. وذكر الشيخ كذلك ما في النص من قول: «ارتوت السهام بأمرك يا محمد»، وقال إن فيه تصريحًا باسمه عليه الصلاة والسلام.
المحور الثاني: بشارة هاجر وأن يد ولد إسماعيل ستكون فوق الجميع
وفي سفر التكوين أن الملَك بشّر هاجر بأن الله سمع خضوعها، وأن ولدها إسماعيل ستكون يده فوق الجميع، ويد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع. وبيّن الشيخ أن هذا لم يقع لبني إسماعيل قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم. فقد كانت النبوة والمُلك قبل ذلك في بني إسحاق، من زمن يوسف ويعقوب إلى موسى، ثم داود وسليمان عليهم السلام. وكانت الأرض في ذلك الوقت تحت سلطان الروم والفرس.
فلما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم صارت يد بني إسماعيل فوق الجميع. فخضع لسلطانهم الفرس والروم والترك والديلم، وظهروا على اليهود والنصارى والمجوس والصابئة وعبّاد الأصنام، فتحقق ما في البشارة حرفًا بحرف.
ثم ردّ الشيخ على من قال من اليهود إن هذه بشارة بمُلك فقط وليست بنبوة. فالبشارة لا تكون بملك ظالم جبار يكذب على الله ويقتل أولياءه، لأن مثل هذا لا يُفرح به ولا يُبشّر به نبي. وأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان نبيًا رسولًا هاديًا مبشرًا ونذيرًا، ولم يكن ملكًا من الملوك.
المحور الثالث: بشارات الزبور بالتكبير والسيف ذي الشفرتين
وفي مزامير داود عليه السلام وصفٌ لأمة تسبّح الله تسبيحًا جديدًا، وتكبّر الله بأصوات مرتفعة على مضاجعها، وبأيديها سيوف ذات شفرتين تنتقم بها من الأمم. وبيّن الشيخ أن هذه صفة المسلمين بلا شك. فهم الذين يرفعون أصواتهم بالتكبير في الأذان للصلوات الخمس وعلى الأماكن العالية، ويكبّرون في العيدين وفي أيام التشريق، ويذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم.
واستدل الشيخ بحديث جابر رضي الله عنه: «كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا، وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا» (رواه البخاري). واستدل بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 191].
ثم بيّن أن هذه الصفة لا تنطبق على النصارى، فهم لا يكبّرون الله بأصوات مرتفعة، ولا يحملون السيوف للجهاد، بل يعدّون القتال من أسباب الطعن في النبي صلى الله عليه وسلم. ونبّه الشيخ إلى أن موسى عليه السلام قاتل الكفار، وكذلك من جاء بعده من الأنبياء. وفي الزبور أيضًا: «تقلد أيها الجبار السيف، فإن نواميسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك»، وهذه صفة النبي الذي يخيّر الأمم بين الإسلام أو الجزية أو السيف.
المحور الرابع: بشارة الملك من البحر إلى البحر والصلاة عليه في كل وقت
وفي مزمور آخر أنه «يجوز من البحر إلى البحر، ومن الأنهار إلى منقطع الأرض»، وأن أهل الجزائر يخرّون بين يديه، وأن الملوك تأتيه بالهدايا، وأنه ينقذ الضعيف الذي لا ناصر له، وأنه «يُصلّى عليه في كل وقت ويُبارك عليه كل يوم». وبيّن الشيخ أن ملك أمة محمد صلى الله عليه وسلم امتد من البحر الرومي إلى البحر الفارسي، ومن نهري جيحون وسيحون إلى منقطع الأرض في المغرب.
وهذا مطابق لقوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا» (رواه مسلم). وهو صلى الله عليه وسلم الذي يصلي عليه المسلمون في كل صلاة وفي كل وقت، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
وأما المسيح عليه السلام فلم يحصل له هذا التمكين في حياته، بل كان أعداؤه من اليهود هم الغالبين في ذلك الزمن. وضرب الشيخ مثلًا بإنصاف المسلمين لنصارى مصر حين فتحوها، فقد خلّصوهم من اضطهاد الروم مع أنهم كانوا على مذهب نصراني يخالف مذهبهم، وهذا من إنقاذ الضعيف الذي لا ناصر له.
المحور الخامس: بشارات إشعياء بقيدار وراكب الجمل
ثم ذكر الشيخ بشارات إشعياء، ومنها: «لترتاح البوادي وقراها، والديار التي يسكنها قيدار». وقيدار ابن إسماعيل عليه السلام، وهو من أشهر قبائل العرب ومن أجداد النبي صلى الله عليه وسلم، فالبشارة متعلقة بأمة العرب التي بُعث فيها.
ومنها رؤيا إشعياء لراكبين: راكب حمار وراكب جمل، ثم قوله: «سقطت بابل وتكسرت أصنامها». وراكب الحمار هو المسيح عليه السلام. وراكب الجمل هو محمد صلى الله عليه وسلم، وهو أشهر بركوب الجمال. وعلى يديه سقطت الأصنام وزالت عبادتها، ولم يحصل ذلك على يد المسيح عليه السلام.
وختم الشيخ بالبشارة التي فيها: «قومي فأشرقي»، وأن ذخائر البحر تُجلب إليها، وتأتيها عساكر الأمم وقطعان الإبل من مدين. وهذه صفة مكة المكرمة وما يقصدها من الحجيج والوفود من كل مكان.
النقاط الرئيسية
- كتب أهل الكتاب حُرّفت، ومع ذلك بقيت فيها بشارات صريحة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم.
- جبال فاران هي جبال مكة، وامتلاء الأرض من تحميد أحمد إشارة واضحة إليه عليه الصلاة والسلام.
- لم تصر يد بني إسماعيل فوق الجميع إلا بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك تحقيق لبشارة هاجر.
- حمل البشارة على ملك ظالم جبار باطل، لأن الأنبياء لا يبشّرون بالظالمين.
- تكبير الله بالأصوات المرتفعة وحمل السيوف ذات الشفرتين صفة لأمة الإسلام، ولا تنطبق على النصارى.
- امتداد الملك من البحر إلى البحر والصلاة على النبي في كل وقت لم يتحقق إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته.
- قيدار وراكب الجمل وسقوط الأصنام كلها دلائل على النبي العربي من ذرية إسماعيل عليه السلام.
الفوائد والعبر
- تقوية اليقين بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد بشّرت به الكتب السابقة قبل مبعثه بقرون.
- تعلّم أسلوب ابن القيم في الحوار مع أهل الكتاب: الاحتجاج عليهم من كتبهم، ثم رد تأويلاتهم بالعقل والتاريخ.
- الحرص على شعائر الإسلام الظاهرة كالأذان والتكبير والصلاة على النبي، فهي من صفات هذه الأمة المذكورة في الكتب السابقة.
- أن يكون المسلم من الذين وصفهم الله بقوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 54]، وبقوله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]، وأن يحذر من عكس ذلك.
- معرفة عدل الإسلام وإنصافه لغير المسلمين، كما حدث لنصارى مصر حين أنقذهم المسلمون من ظلم الروم.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات