شرح كتاب "الرسالة القبرصية " لشيخ الإسلام (3) لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.

3,339 مشاهدة
409 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس الثالث من شرح كتاب "الرسالة القبرصية" لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يقدمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. والرسالة القبرصية خطاب كتبه شيخ الإسلام إلى ملك قبرص (سرجواس) في شأن أسرى المسلمين المحتجزين في بلاده. جمع فيها بين دعوة الملك إلى الحق، ومناظرته بما في دينه، والمطالبة بالإحسان إلى الأسرى والسعي في فكاكهم.

يتناول هذا المجلس جملة من المسائل العقدية والدعوية. منها حكم من آمن من أهل الكتاب بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبيان ما وقع من تحريف واختلاف في الأناجيل الأربعة. ويعرض كذلك الأسلوب الذي سلكه شيخ الإسلام في الخطاب، فجمع بين الترغيب والترهيب والنصح الصادق، ودعا الملك إلى البحث العلمي المنصف في أصول الأديان.

ويهدف الدرس إلى ترسيخ أن دين الإسلام هو دين الله الذي ختم به الرسالات، وإلى بيان منهج العلماء في الدعوة والمناظرة. كما يبيّن عناية الإسلام بالأسرى، ويعرض صورة من مواقف شيخ الإسلام في نصرة المستضعفين من المسلمين.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الكتابي الذي يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وأجره المضاعف

يقرر شيخ الإسلام أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن النصراني إذا آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله صار من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، له ما للمسلمين وعليه ما عليهم. وبيّن الشارح أن هذه المساواة التامة لا تثبت للكتابي إلا إذا دخل في الإسلام وآمن برسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن آمن من أهل الكتاب كان له أجران: أجر على إيمانه بنبيه، وأجر على إيمانه بمحمد صلى الله عليه وسلم. وفي هذا ترغيب لأهل الكتاب في الإسلام، وبيان لفضل الله على من اتبع الحق.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ» (متفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه).

المحور الثاني: الأوصاف التي ذكرتها آية الجزية ومخالفة النصارى فيها

ذكر شيخ الإسلام آية التوبة، وبيّن انطباق أوصافها على من بدّل دين المسيح عليه السلام:

  • في الإيمان بالله: قالوا إنه ثالث ثلاثة، وإن الإله حلّ في بشر يأكل ويشرب وينام.
  • في الإيمان بالرسول: جحدوا رسالة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم.
  • في الحلال والحرام: استحلوا لحم الخنزير، ولم يزل محرمًا من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يُبحه نبيهم قط.
  • في اليوم الآخر: ينكر عامتهم ما أخبر الله به من نعيم الجنة الحسي من أكل وشرب ونكاح، ومن عذاب النار.

وبيّن الشارح أن الحكم الشرعي الوارد في الآية قائم بنصها، وأنه من دين الله الذي لم يُبدَّل. ونبّه إلى أن الأحكام تُؤخذ من الكتاب والسنة وفهم أهل العلم، لا من الأهواء.

قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].

المحور الثالث: الاختلاف بين الأناجيل الأربعة شاهد على التحريف

عقد الشيخ مقارنة بين فواتح الأناجيل الأربعة: متى ومرقس ولوقا ويوحنا. فإنجيل متى يبدأ بقوله "كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم" ثم يسوق نسبًا طويلًا ينتهي إلى يوسف رجل مريم. أما إنجيل مرقس فيبدأ بقوله "بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله". فيُسأل: هل هو ابن داود، أم ابن يوسف النجار، أم ابن الله تعالى عن ذلك؟

ويفتتح لوقا إنجيله بأنه كتب قصة بعد أن تتبع الأخبار ممن عاينوها، فهو تأليف بشري لا وحي منزل. ويبدأ يوحنا بعبارة "في البدء كان الكلمة". وهذا التباين في المطالع وحدها يدل العاقل على ما وقع في هذه الكتب من تبديل. أما القرآن الكريم فواحد في كل مصاحف الأرض، يُفتتح بالفاتحة ويُختم بسورة الناس.

المحور الرابع: الإنكار على ظلم الأسرى والتحذير من عاقبته

خاطب شيخ الإسلام الملك بأن المسيح عليه السلام والحواريين لم يأمروا بقتال الأمة الحنيفية. فسأله: كيف تستحلون سفك الدماء وسبي الحريم وأخذ الأموال بغير حجة؟ وذكّره بأن في ديار المسلمين من أهل الذمة ما لا يحصيه إلا الله، وأنهم يُعامَلون بالجميل. ثم أشار إلى أن كثيرًا من أسرى المسلمين أُخذوا غدرًا، والغدر محرم في جميع الملل والشرائع والسياسات.

وأثنى شيخ الإسلام على حسن معاملة الملك نفسه وأهل بيته للأسرى، وجعل إنكاره موجّهًا إلى ما يقع من عامة الرعية. ثم حذّره من عاقبة الظلم، وذكّره بأن الله ينتقم للمظلومين، وبأن دعوة الصالحين لا تُرد. وبيّن الشارح أن هذا الكلام جاء في سياق تاريخي معيّن، هو الحروب الدائرة بين المسلمين والصليبيين والتتار، وأن مقصوده ردع المعتدي عن ظلم الأسرى.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» (رواه مسلم). وقال تعالى: ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج: 60].

المحور الخامس: الدعوة بالتي هي أحسن والحث على البحث عن الحق

ختم شيخ الإسلام هذا المقطع بقوله: "وإنما أنا ما غرضي الساعة إلا مخاطبتكم بالتي هي أحسن، والمعاونة على النظر في العلم واتباع الحق". فدعا الملك إلى أن يبحث مع من يثق بعقله ودينه عن أصول العلم وحقائق الأديان، وألا يرضى لنفسه أن يكون من المقلدين الذين لا يسمعون ولا يعقلون. وأرشده إلى أن يستعين بالله ويسأله الهداية، وعلّمه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في استفتاح قيام الليل.

ثم بيّن أنه لا يريد للملك إلا ما ينفعه في الدنيا والآخرة، وذلك أمران:

  • أن يعرف الحق ويتبعه ويعبد الله ما بقي من عمره، وهذا خير له من ملك الدنيا بحذافيرها.
  • أن يُحسن إلى الأسرى، ويأمر رعيته بالإحسان إليهم، ويعين على خلاصهم.

واحتج عليه بنصوص الإنجيل نفسه في الصفح وترك مقابلة الشر بالشر. فإن كان النصارى يزعمون اتباع هذه الوصايا، فكيف يأسرون من لم يقاتلهم؟

من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (رواه مسلم).

النقاط الرئيسية

  • من آمن من أهل الكتاب بالنبي صلى الله عليه وسلم صار من أمته، له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وله أجره مرتين.
  • أوصاف آية الجزية منطبقة على من بدّل دين المسيح في التوحيد والرسالة والتحريم والإيمان باليوم الآخر.
  • تباين فواتح الأناجيل الأربعة في نسب المسيح وطبيعته ومصدرها دليل ظاهر على التحريف.
  • لحم الخنزير لم يزل محرمًا في جميع الشرائع، ولم يُبحه المسيح عليه السلام.
  • الغدر محرم في جميع الملل، والإساءة إلى الأسرى ظلم يُخشى على صاحبه عاقبته.
  • منهج شيخ الإسلام في الدعوة يجمع بين النصح والإنصاف والمناظرة بالحجة، ويقصد مصلحة المدعو.
  • الحث على البحث العلمي المنصف في حقائق الأديان، والاستعانة بالله وسؤاله الهداية.

الفوائد والعبر

  • الثقة بحفظ القرآن الكريم وسلامته من التحريف، مقارنة بما وقع في الكتب السابقة، وهذا يزيد المسلم يقينًا بدينه.
  • تعلّم أدب الدعوة: مخاطبة المخالف بالتي هي أحسن، والإنصاف في الثناء على ما يُحسنه، وإقامة الحجة عليه من مصادره هو.
  • العناية بقضايا الأسرى والمستضعفين من المسلمين، والسعي في فكاكهم والإحسان إليهم، فذلك من أعظم القربات.
  • المداومة على دعاء طلب الهداية عند اشتباه الأمور: «اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ».
  • ذم التقليد الأعمى، والحث على طلب الحق بالدليل والبحث المخلص، فمعرفة الحق وعبادة الله خير من ملك الدنيا كلها.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات