شرح كتاب " الإيمان " لابن أبي شيبة" الدرس (5 والأخير) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الخامس والأخير من شرح كتاب «الإيمان» للإمام الحافظ أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة رحمه الله، يقدمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يختم الشيخ في هذا المجلس قراءة الكتاب وشرح بقية آثاره وأحاديثه. وموضوعها كله يدور حول حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة، وأنه قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
وتكمن أهمية هذا الدرس في أنه يجمع بين أمرين. الأول تقرير العقيدة الصحيحة في مسائل الإيمان، ومنها: منزلة الصلاة والجماعة، وشعب الإيمان، وحكم تارك الصلاة، والاستثناء في الإيمان، ومصير أهل الكبائر. والثاني التدريب على الصنعة الحديثية في نقد الأسانيد وبيان عللها، مع سيرة بعض أئمة الحديث ومواقفهم المشرفة في الثبات على السنة.
ويهدف الدرس إلى أن يفهم طالب العلم مذهب السلف في الإيمان فهمًا مؤصلًا بالأدلة، وأن يميز بين الصحيح والضعيف من الآثار. كما يهدف إلى أن يجعل من أعمال القلوب والجوارح والأخلاق برهانًا عمليًا على صدق الإيمان. وقد ختم الشيخ المجلس بإجازة الحاضرين برواية الكتاب، والإعلان عن البدء في كتاب «الإيمان» لأبي عبيد القاسم بن سلّام رحمه الله.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الإيمان والصلاة والجماعة، ومنزلة الصلاة من الدين
افتتح الشيخ الدرس بأثر يقرر أن قوام الدين ثلاثة أمور:
- الإيمان: وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر.
- الصلاة.
- الجماعة: أي لزوم جماعة المسلمين وعدم مفارقتها.
وهذه الأمور مترابطة: فلا تُقبل الصلاة إلا بالإيمان، فمن آمن صلّى، ومن صلّى لزم الجماعة. ونبّه الشيخ إلى أن المراد بلزوم الجماعة ألّا يفارق المسلم جماعة المسلمين وإمامهم. فإن لم يكن للمسلمين جماعة ولا إمام اعتزل الفرق كلها، كما في حديث حذيفة رضي الله عنه.
قال رسول الله ﷺ: «مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ».
ثم عرض الشيخ آثار السلف في حكم تارك الصلاة، وبيّن درجة كل منها:
- أثر علي رضي الله عنه: «مَنْ لَمْ يُصَلِّ فَهُوَ كَافِرٌ»، وفي إسناده معقل الخثعمي وهو مجهول.
- قول مكحول الدمشقي: «مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ، وَمَنْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ».
- أثر عبد الله بن شقيق: أن الصحابة لم يكونوا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. وبيّن الشيخ أن في إسناده الجريري وقد اختلط قبل موته، وأنه لو صح لما كان للخلاف بعده اعتبار.
ومن الآثار كذلك قول ابن عمر رضي الله عنهما: «إِنَّ عُرَى الدِّينِ وَقَوَائِمَهُ الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَحَجُّ الْبَيْتِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ». وقول كعب: «مَنْ أَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَأَطَاعَ مُحَمَّدًا ﷺ فَقَدْ تَوَسَّطَ الْإِيمَانَ».
المحور الثاني: شعب الإيمان وأعمال القلوب والأخلاق
شرح الشيخ حديث أبي أمامة رضي الله عنه في الحياء والعِيّ. والمراد بالعِيّ هنا عِيّ اللسان، أي سكونه وإمساكه تحرزًا من كثرة الكلام والوقوع في البهتان، وليس العِيّ في القلب أو في العمل. ثم تناول حديث «الطهور شطر الإيمان»، وبيّن أن الطهارة تشمل طهارة القلب وطهارة البدن وطهارة الثياب والمكان. فمن طهّر قلبه من الأدناس فقد أتى بنصف الإيمان، والنصف الآخر أن يعمر قلبه بالإيمان.
قال رسول الله ﷺ: «الْحَيَاءُ وَالْعِيُّ شُعْبَتَانِ مِنَ الْإِيمَانِ».
وقال ﷺ: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ» (رواه مسلم من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه).
وقال ﷺ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا».
وقال ﷺ: «أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ».
وشرح الشيخ أثر عمار بن ياسر رضي الله عنه: «ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ: الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَالْإِنْفَاقُ مِنَ الْإِقْتَارِ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ». وفصّل معانيه على النحو الآتي:
- الإنصاف من النفس: أن تعترف بخطئك، فلست معصومًا، وإن عصيت أو أذنبت فاستغفر.
- الإنفاق من الإقتار: أن تبذل المال وأنت في أمسّ الحاجة إليه.
- بذل السلام للعالم: إفشاؤه بين الناس، لقوله ﷺ: «أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ».
وأورد كذلك الأثر المروي عن علي رضي الله عنه: «الصَّبْرُ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ». وبيّن أن في إسناده انقطاعًا، لأن أبا إسحاق السبيعي لم يدرك عليًّا رضي الله عنه.
وعقّب على أثر كعب في الحب والبغض لله بأن كمال الإيمان المطلق أن تكون أفعال العبد كلها خالصة لوجه الله الكريم، متجردة من شهوات النفس وأهوائها.
المحور الثالث: حديث جبريل وعناية المحدثين بنقد الأسانيد
أورد المصنف قصة عبد الله بن بريدة حين قدم المدينة وأخبر ابن عمر رضي الله عنهما بقوم يزعمون أن لا قدر. فغضب ابن عمر وقال: «إِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ مِنْهُمْ بَرِيءٌ، وَأَنَّهُمْ مِنْهُ بُرَآءُ». ثم ساق حديث جبريل عليه السلام في سؤاله عن الإسلام والإيمان، وفيه زيادة: «وَتَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ».
قال ﷺ في الإيمان: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ».
وقال ﷺ: «هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ».
ونبّه الشيخ إلى جملة من الفوائد الحديثية في هذا الموضع وما بعده:
- جعل الحديث من مسند عبد الله بن عمر معلول، والصحيح أنه من مسند أبيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإن كان متنه صحيحًا.
- حديث الحسن البصري «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا» مرسل، لكن متنه صحيح من حديث أبي هريرة وعائشة رضي الله عنهما.
- حديث «أوثق عرى الإيمان» معضل، وقد وصله الطبراني من وجه آخر.
- رجّح الشيخ صحة رواية هشام بن سعد عن زيد بن أسلم، لأنه أوثق الناس فيه وإن تُكلّم فيه في غيره.
- فرّق بين عبد الرحمن بن مهدي، وهو من شيوخ ابن أبي شيبة، وبين مهدي بن ميمون، وهو من شيوخ شيوخه، وحذّر من الخلط بين الرواة لتشابه الأسماء.
المحور الرابع: الإمام أبو نُعيم الفضل بن دُكين، فطنته وثباته في المحنة
روى الشيخ قصة أحمد بن منصور الرمادي حين رافق الإمامين أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في رحلتهما. أراد ابن معين أن يختبر حفظ أبي نعيم، فنهاه الإمام أحمد لأن أبا نعيم ثقة، لكنه أصرّ. فأدخل ابن معين في كل عشرة أحاديث حديثًا ليس من حديثه. ففطن أبو نعيم لذلك كله، وقال عن ابن معين: «مَا هَذَا إِلَّا مِنْ عَمَلِكَ»، ثم دفعه برجله فألقاه على الأرض. وفي القصة شاهد على دقة حفظ المحدثين وتثبتهم.
ثم ذكر موقفه المشهود في محنة خلق القرآن، حين قال: «القرآن كلام الله غير مخلوق، ورقبتي أهون عليّ من زرّي هذا»، ونزع زرّ قميصه وألقاه. فلما قيل له إن عطاءه من بيت المال قد مُنع، قال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾. وكان يعول قرابة عشرين نفسًا، فقيّض الله له رجلًا زيّاتًا أجرى عليه ألف درهم كل شهر بما أعزّ الله به الإسلام على يديه. وكان الإمام أحمد يقول: «رجلان قام الله بهما أمر الدين في المحنة: أبو نعيم وعفان بن مسلم».
وبيّن الشيخ أن مما عيب على أبي نعيم أخذه الأجرة على التحديث، لكنه كان فقيرًا كثير العيال. واستطرد في بيان أن الولد قد يحمل على الجبن والبخل، وأن الله هو الكفيل بالذرية.
قال ﷺ: «الْوَلَدُ مَجْبَنَةٌ مَبْخَلَةٌ».
وقال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: 9].
المحور الخامس: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ومسائل الاستثناء وأهل الكبائر
شرح الشيخ رسالة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، مجدد المئة الثانية، إلى عدي بن عدي. قال فيها: «إِنَّ لِلْإِيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَحُدُودًا وَسُنَنًا، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الْإِيمَانَ». وفي قوله: «وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص» دلالة على شوقه إلى لقاء ربه.
وذكر أثر زيد بن أسلم في الأمور الأربعة التي لا بد منها لأهل هذا الدين:
- الدخول في دعوة الإسلام.
- الإيمان والتصديق بالله وبالمرسلين أولهم وآخرهم، وبالجنة والنار والبعث بعد الموت.
- عمل يصدّق به العبد إيمانه.
- علم يُحسن به عمله.
ثم قرأ زيد قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: 82]، فالعلم سبب للهداية.
وأوضح الشيخ مسألة الاستثناء في الإيمان من قول ابن مسعود رضي الله عنه: «مَنْ شَهِدَ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَلْيَشْهَدْ أَنَّهُ فِي الْجَنَّةِ». فالسلف يستثنون في الإيمان تذللًا لله لا شكًّا في أصله.
وبيّن أن قول إبراهيم النخعي «لا يدخل النار من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان» يُحمل على دخول التخليد، جمعًا بينه وبين الأحاديث الصحيحة في إخراج الموحدين من النار:
«أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ».
وعلى هذا المعنى حُمل قول أبي وائل: «إِنَّ حَشْوَهَا غَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ». فالمؤمن العاصي قد يدخل النار ليُطهَّر ثم يخرج منها.
وختم ابن أبي شيبة كتابه بقوله: «الإيمان عندنا قول وعمل، ويزيد وينقص». وهذا إجماع أهل السنة وسلف الأمة: يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي وفعل المحرمات.
النقاط الرئيسية
- قوام الدين الإيمان والصلاة والجماعة، ولا يجوز مفارقة جماعة المسلمين وإمامهم، فإن لم توجد جماعة ولا إمام اعتُزلت الفرق كلها.
- الصلاة عمود الدين، ووردت آثار عن السلف في تكفير تاركها عمدًا، مع بيان الشيخ لدرجة أسانيدها.
- من شعب الإيمان: الحياء، وإمساك اللسان، والطهارة، وحسن الخلق، والصبر، والحب في الله والبغض في الله.
- ثلاث خصال من جمعهن جمع الإيمان: الإنصاف من النفس، والإنفاق مع الحاجة، وإفشاء السلام.
- العناية بنقد الأسانيد وبيان العلل من أصول منهج أهل الحديث، كإعلال جعل حديث جبريل من مسند ابن عمر، والتمييز بين الرواة المتشابهين.
- الاستثناء في الإيمان تذلل لله لا شك فيه، والمؤمن العاصي لا يُخلَّد في النار.
- عقيدة أهل السنة المجمع عليها أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
الفوائد والعبر
- اجعل عملك برهانًا على إيمانك: فالإيمان ليس دعوى باللسان، بل لا بد معه من عمل يصدّقه، وعلم يُحسن به العمل.
- تعاهد لسانك وقلبك: أمسك لسانك عن فضول الكلام والبهتان، وطهّر قلبك من الأدناس، فذلك من شعب الإيمان.
- أنصف من نفسك: اعترف بخطئك وبادر إلى الاستغفار، وأنفق ولو كنت محتاجًا، وأفشِ السلام لتنشر المحبة بين المسلمين.
- اثبت على الحق وتوكل على الله في الرزق: كما فعل أبو نعيم الفضل بن دكين في المحنة، واعلم أن الله يتكفل بالذرية لمن اتقاه.
- تثبّت فيما تنقله: لا تقبل كل ما يُكتب ويوزَّع دون تحقيق، واحرص على تلقي العلم من أهله بالأسانيد الصحيحة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات