شرح كتاب " الإيمان " لابن أبي شيبة" الدرس (3) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,622 مشاهدة
256 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس الثالث من شرح كتاب «الإيمان» للإمام الحافظ أبي بكر بن أبي شيبة رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. يجمع الكتاب آثار الصحابة والتابعين وأحاديث النبي ﷺ في مسائل الإيمان. وفيه يظهر منهج السلف في فهم حقيقة الإيمان وأنه يزيد وينقص، وأن القلب قد يجتمع فيه إيمان ومعصية. ويعرض الدرس أيضًا الرد على الخوارج من جهة وعلى المرجئة من جهة أخرى.

ويتناول الشيخ في هذا المجلس آثارًا كثيرة، منها أثر حذيفة رضي الله عنه في أقسام القلوب، وأحاديث دعاء النبي ﷺ «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، وحديث نقصان الدين، وحديث شُعب الإيمان، وحديث الحياء. ويتوقف الشيخ أيضًا عند مسألة الاستثناء في الإيمان، ومسألة الشهادة لمعيَّن بالجنة أو النار، والتحذير من الفتن التي تقلّب القلوب.

ويهدف الدرس إلى أن يعرف طالب العلم أقسام القلوب وأحوالها، وأن يفهم أن الإيمان يزيد وينقص وأن الأعمال داخلة فيه. ويهدف كذلك إلى أن يحرص المسلم على سؤال الله الثبات، وأن يتعلم منهج أهل السنة في الحكم على الناس دون غلو ولا تفريط.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: أفضل العبادة وقول السلف «نحن المسلمون المؤمنون»

يبدأ الدرس بأثر مجاهد بن جبر رحمه الله، وهو من أعلم التابعين بالتفسير وقد عرضه على ابن عباس مرات، أنه قال: «إن أفضل العبادة الرأي الحسن». ويبيّن الشيخ أن المراد بالرأي الحسن ليس الأهواء والآراء المخالفة للنص. المراد القول الحسن وتقوى الله في اللسان والإحسان إلى الناس، أو أن يكون رأي العبد موافقًا لسنة رسول الله ﷺ.

ثم يذكر أثر يوسف بن ميمون، وفيه أنه قال لعطاء بن أبي رباح إن قومًا من أهل الصلاح يعيبون عليهم قولهم: «نحن مؤمنون». فقال عطاء: «نحن المسلمون المؤمنون، وكذلك أدركنا أصحاب رسول الله ﷺ». ويوضح الشيخ أن هذا القول لا تزكية فيه للنفس، لأن المقصود به الإيمان بالله عز وجل، وليس ادعاء كمال الإيمان.

ويذكر بعده أثر إبراهيم النخعي، فقد عدّ سؤال الرجل لغيره «أمؤمن أنت؟» من البدع. وعلى هذا لا ينبغي للمسلم أن يشغل نفسه بمثل هذه المسائل التي تفتح أبواب الشر. ومن قال «أنا مؤمن إن شاء الله» فليس قوله شكًّا في أصل إيمانه، وإنما يقوله لأنه لا يعلم بماذا يُختم له ولا يزكي نفسه.

قال الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83].

المحور الثاني: أقسام القلوب واجتماع الإيمان والمعصية في القلب

يشرح الشيخ أثر حذيفة رضي الله عنه في أن القلوب أربعة، وينبه إلى أن في إسناده انقطاعًا لأن أبا البختري سعيد بن فيروز لم يسمع من حذيفة. والقلوب الأربعة هي:

  • القلب المُصفَّح: هو قلب المنافق، له وجهان، يلقى أهل الإيمان بوجه وأهل الكفر والنفاق بوجه آخر.
  • القلب الأغلف: هو قلب الكافر، عليه غشاوة.
  • القلب الأجرد: هو قلب المؤمن، سلم من الشبهات والنفاق، وفيه مثل السراج يزهر.
  • القلب الذي فيه نفاق وإيمان: مثله مثل قرحة يمدها قيح ودم، أو شجرة يسقيها ماء خبيث وماء طيب، فأيّ المادتين غلبت عليه غلبت.

ويستدل الشيخ بهذا الأثر على أن القلب قد يجتمع فيه إيمان وكفر وشرك وتوحيد وتقوى وفجور. والمراد هنا الكفر والشرك اللذان لا يُخرجان من الملة، فالعبد قد تكون فيه طاعات ومعاصٍ في آن واحد. وفي هذا رد على الخوارج الذين يكفّرون بالكبيرة، ورد على المرجئة الذين يقولون إن المعاصي لا تضر مع الإيمان.

المحور الثالث: تقليب القلوب وسؤال الثبات

يورد الإمام ابن أبي شيبة أحاديث عن أنس وأم سلمة وعائشة رضي الله عنهم في أن النبي ﷺ كان يُكثر أن يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. ويعلّق الشيخ بأن النبي ﷺ سيد الخلق، وقد ضمن الله له الجنة، ومع ذلك كان يُكثر من هذا الدعاء، فنحن أحوج إليه منه.

ويبيّن الشيخ أن في بعض هذه الطرق ضعفًا، لكن تعدد الطرق يقوّي بعضها بعضًا، ويدل على أن للحديث أصلًا وأن الغالب على الظن أن النبي ﷺ قاله. وينبه كذلك إلى أن صفات الله تعالى، ومنها الأصابع، تُثبت كما جاءت بلا تشبيه ولا تمثيل. أما إشارة النبي ﷺ عند ذكر السمع والبصر فهي لتحقيق معنى الصفة وتقريبه، وليست تشبيهًا.

وعن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي ﷺ يُكثر أن يقول: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فقالوا: يا رسول الله، آمنّا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: «نَعَمْ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ».

ويحذّر الشيخ من الفتن، ويذكر حديث أنس رضي الله عنه: «تَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ أَقْوَامٌ دِينَهُمْ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا». ويذكر معه أثر حذيفة رضي الله عنه في أن الرجل قد يصبح بصيرًا بأمر دينه ثم يمسي لا يبصر من شدة الفتن. ويستشهد بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5].

المحور الرابع: زيادة الإيمان ونقصانه وشُعب الإيمان

يورد المصنف أثر ابن مسعود رضي الله عنه في نقصان دين المرأة وعقلها. والشاهد منه عند الشيخ هو إثبات نقصان الدين، لأن ما ينقص يزيد، والنقصان لا يعني البطلان. ويبيّن الشيخ أن نقصان الدين هنا تركُ المرأة الصلاة أيام الحيض بأمر الشرع، ونقصان العقل أن شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل. ويقرر أن جنس الرجال أفضل من جنس النساء، لكن هذا لا يعني أن كل رجل أفضل من كل امرأة، فمن النساء من تزن ألوفًا من الرجال بدينها وخلقها وحكمتها. واستدل بقوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: 34].

ثم يذكر حديث شُعب الإيمان، وهو دليل على أن الأعمال داخلة في مسمّى الإيمان: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ». ويوضح الشيخ أن إماطة الأذى من شعب الإيمان، لكن من تركها لا يكفر. فمن أعمال الجوارح ما يكفر تاركه، ومنها ما لا يكفر تاركه.

ويذكر أيضًا حديث سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه مرفوعًا: «الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ»، ويصف الشيخ إسناده بأنه في غاية الصحة. ويذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ». والمعنى أن الإيمان يرتفع عن العاصي وقت المعصية ويبقى معه اسم الإسلام.

المحور الخامس: منهج السلف في الحكم على الناس وخطر الإرجاء

يشرح الشيخ أثر بكر بن عبد الله المزني رحمه الله. قال إنه لو سُئل عن أفضل أهل المسجد لم يشهد له بأنه مؤمن مستكمل الإيمان بريء من النفاق، لأنه لو شهد بذلك لكان قد شهد له بالجنة. ولو سُئل عن شرهم لم يشهد عليه بأنه منافق مستكمل النفاق، لأنه لو شهد بذلك لكان قد شهد عليه بالنار. وهذا هو منهج أهل السنة: لا يشهدون لمعيَّن بجنة ولا نار إلا من شهد له النص، ويرجون للمحسن ويخافون على المسيء. قال تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ [يوسف: 81].

ويذكر أثر عمر رضي الله عنه في رجل بالشام زعم أنه مؤمن. قال الرجل لعمر إن الناس على عهد النبي ﷺ كانوا على ثلاث منازل: مؤمن وكافر ومنافق، وهو ليس بكافر ولا منافق، فقال له عمر: «ابسط يدك». وينبه الشيخ إلى أن في إسناده تدليس محمد بن إسحاق.

ويذكر أثر حذيفة رضي الله عنه في أهل دينين في النار. الأولون يقولون إن الإيمان كلام بلا عمل وإن زنى وإن قتل، وهؤلاء المرجئة الذين أخرجوا العمل من حقيقة الإيمان. والآخرون يحرّفون دين الله فيتلاعبون بالصلوات والفرائض. ويذكر كذلك أثر سلمان الفارسي رضي الله عنه حين صافّوا العدو: «يُنصر المنافقون بدعوة المؤمنين، ويُؤيَّد المؤمنون بقوة المنافقين». ويختم بأثر ابن عباس رضي الله عنهما في تزويج غلامه، ويربطه بحديث: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، ليبيّن عظم المسؤولية على كل راعٍ في بيته ومن ولي أمرًا.

النقاط الرئيسية

  • أفضل العبادة القول الحسن وحفظ اللسان وموافقة السنة، وليس الرأي المجرد والهوى.
  • القلوب أربعة: قلب المنافق المصفَّح، وقلب الكافر الأغلف، وقلب المؤمن الأجرد المزهر، والقلب الذي فيه مادتان من الإيمان والنفاق وتغلب عليه أقواهما.
  • قد يجتمع في العبد إيمان ومعصية، وكفر وشرك لا يُخرجان من الملة. وفي هذا رد على الخوارج والمرجئة معًا.
  • الإيمان يزيد وينقص، وما ينقص يزيد، والنقص لا يعني البطلان.
  • الأعمال داخلة في مسمّى الإيمان كما في حديث الشعب، ومنها ما يكفر تاركه ومنها ما لا يكفر.
  • الاستثناء في الإيمان ليس شكًّا في أصله، وإنما هو ترك لتزكية النفس.
  • لا يُشهد لمعيَّن بجنة ولا نار إلا بنص، ويُرجى للمحسن ويُخاف على المسيء.

الفوائد والعبر

  • أن يكثر المسلم من دعاء «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، لأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، ولا يأمن أحد على نفسه.
  • أن يحذر المسلم من الفتن، وألا يبيع دينه بعرض من الدنيا، وأن يسأل الله الثبات حتى الممات.
  • أن يتعاهد قلبه، ويقوّي فيه مادة الإيمان بالطاعة، ويقطع عنه مادة النفاق والمعصية حتى تغلب مادة الخير.
  • أن يعتدل في الحكم على الناس، فلا يكفّر بالمعصية ولا يهوّن من شأنها، ولا يقطع لأحد بجنة أو نار.
  • أن يستشعر عظم المسؤولية، لأن كل راعٍ مسؤول عن رعيته، في بيته ومع أهله وفي كل أمر ولي شيئًا منه.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات