شرح كتاب" إقامة الحُجة الباهرة"للشيخ أحمد الدمنهوري(2) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الثاني من مجالس شرح كتاب «إقامة الحُجة الباهرة على هدم كنائس مصر والقاهرة» لشيخ الأزهر الأسبق العلامة أحمد بن عبد المنعم الدمنهوري رحمه الله، المتوفى سنة 1192هـ، ويقدمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وقد صحّح الشيخ في أوله وهمًا سابقًا في تاريخ وفاة المؤلف، وذكّر بما تقدم في المجلس الأول من سبب تأليف الكتاب، وتقسيم المؤلف لديار المسلمين بالنسبة لأهل الذمة إلى أربعة أقسام.
ويتناول هذا المجلس «الباب الثاني» من الكتاب، وهو الجواب على مذهب الإمام مالك رحمه الله في حكم إحداث الكنائس وترميمها في بلاد المسلمين. ويعرض الشارح نصوص المدونة وأقوال أئمة المالكية كابن القاسم وابن الماجشون واللخمي وأبي الحسن الصغير وابن راشد القفصي والقرافي وابن شاس، مع بيان الراجح والمفتى به في المذهب.
ويهدف المجلس إلى تعريف طالب العلم بأقسام الأراضي في الفقه المالكي، وبالفرق بين أرض العنوة وأرض الصلح والأرض المختطة، وبحكم كل منها في مسألة الكنائس. كما يربط الشيخ هذه الأحكام بواقع زمانه، وينتقد ما يراه تفريطًا من بعض المنتسبين إلى العلم والعمل الإسلامي في بيان هذه المسائل.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: أقسام الأراضي عند المالكية
نقل الدمنهوري أن الأراضي عند المالكية أربع: أرض الإسلام، وأرض العنوة وهي المأخوذة من أيدي الحربيين قهرًا، وأرض الصلح، والأرض التي اختطها المسلمون وسكنها معهم أهل الذمة.
وذكر اختلاف تفسير المَغِيلي للأرض المختطة. فمرة فسّرها بالبلد الذي أذن الإمام في بنائه بعد الفتح ليسكنه المسلمون مع غيرهم، ومرة بالبلد الذي أخذه المسلمون عنوة ثم سكنوه. ومثّل لها بالفسطاط والبصرة والكوفة وإفريقية (تونس) وبعض مدائن الشام.
والقاعدة التي قررها المؤلف أن ما عدا أرض الصلح يمتنع فيه إحداث الكنائس، إلا ما وقع فيه خلاف مقيّد بالعهد عند الفتح.
المحور الثاني: نصوص المدونة وأقوال ابن القاسم وغيره
نقل المؤلف من المدونة في باب الجُعل والإجارة: «وليس لأهل الذمة أن يُحدثوا ببلد الإسلام كنائس إلا أن يكون لهم أمرٌ أُعطوه». وقال ابن القاسم: لهم أن يحدثوا في بلد صالحوا عليه، وليس لهم ذلك في بلد العنوة لأنه فيء للمسلمين.
وحكى قول «غيره» في المدونة: إن البلد المفتوح عنوة إذا أُقرّ فيه أهله وأُوقفت أرضه لنوائب المسلمين، لم يُمنعوا من كنائسهم ولا من الإحداث فيه. وذكر عن اللخمي أن المسألة على ثلاثة أقوال.
ونقل عن أبي حفص العطار أن العهد المعتبر يكون عند الفتح لا بعده. فلو أذن الحاكم بعد ذلك لم يكن لإذنه أثر. وبيّن أبو الحسن الصغير والونشريسي في «المعيار» أن الإمام يجوز له إعطاء العهد إذا رجحت المصلحة على المفسدة، ومثّلا لذلك بعمارة الأرض أو تحصيل أموال يُستعان بها على الجهاد.
وتعقّب الشارح من يستدل اليوم بهذه المصلحة، ورأى أن المصلحة المعتبرة عند الفقهاء منتفية في الواقع المعاصر.
المحور الثالث: قول ابن الماجشون وهو المفتى به
نقل المؤلف عن ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب أن أهل العنوة لا تُترك لهم عند ضرب الجزية كنيسة إلا هُدمت، ولا يُحدثون كنيسة ولو كانوا منعزلين عن بلاد الإسلام. وأما أهل الصلح فلا يُحدثون كنيسة في بلاد الإسلام ولو شُرط لهم ذلك.
ويُمنعون من ترميم كنائسهم القديمة إذا تهدمت إلا بشرط في العهد، ويُمنعون من الزيادة الظاهرة والباطنة. ونبّه المؤلف إلى أن الفتوى في المذهب على قول ابن الماجشون.
ونقل جواب الإمام مالك حين سئل عن الكنائس المحدثة في خطط الإسلام وفي «العِراص»، وهي الأراضي الفضاء، فقال: «أرى أن تُغيَّر وتُهدم ولا يُتركوا، ولا خير فيه».
ثم ذكر تقسيم أبي محمد صالح الهسكوري للأراضي ثلاثة أقسام، وناقش المؤلف ذلك بأن ظاهر المدونة أنها أربعة.
المحور الرابع: ضبط المتأخرين للمسألة
ذكر المؤلف أن البدر القرافي ضبط المسألة في «الدرر النفائس». فقد فرّق فهمُ اللخمي للمدونة في أرض العنوة بين الكنائس القديمة التي تُترك والحادثة التي تجوز بالشرط. وخالف ذلك ما في «الجواهر» لابن شاس، و«الذخيرة» للقرافي، و«المذهب» لابن راشد، و«الشامل»، و«العمدة»، إذ سوّت هذه الكتب بين القديمة والحادثة في النقض وعدم الإحداث.
ونقل نص «الذخيرة» في البحث السابع فيما يلزم أهل الذمة بمقتضى عقد الجزية: «فلا يُمكَّنون من بنائها في بلدة بناها المسلمون أو ملكوها عنوة، ويجب نقض كنائسها».
ونقل عن «المذهب» لابن راشد أن البلد إن فُتح صلحًا على أن تكون رقبته للمسلمين وشُرط بقاء كنيسة جاز ذلك. وإن فُتح على أن تكون رقبته لهم وعليهم الخراج لم تُنقض كنائسهم، ويُمنعون من ترميمها إلا بشرط.
ونقل عن ابن عبد البر منعهم من إصلاح ما وهى منها. وأشار المؤلف إلى أن مستند هذه الأحكام عند الفقهاء قوله تعالى:
﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]
المحور الخامس: نقد الشارح للمواقف المعاصرة
انتقد الشيخ قرارًا تشريعيًا صدر سنة 2012م بإقرار بناء الكنائس، ورأى أنه مخالف لما نقله الدمنهوري من الإجماع. وأنكر على بعض المنتسبين للعمل الإسلامي والدعوة موافقتهم أو سكوتهم.
ورد الشيخ على من يُسوّي بين الجزية والضريبة، وعلى من يستدل بآية البر في غير موضعها لإسقاط الأحكام الشرعية. والآية هي قوله تعالى:
﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8]
وقرر الشيخ أن البر والإحسان باب، والأحكام الشرعية المتعلقة بالكنائس باب آخر، واستشهد بقوله تعالى:
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: 39]
كما حث الشيخ على الصدع بكلمة الحق وعدم التنازل عن الثوابت خوفًا من المخلوقين. وأثنى على أعلام الأزهر السابقين كمحمد شاكر وعبد المجيد سليم والدمنهوري، مع إنكاره ما يراه انحرافًا عقديًا وسلوكيًا لدى بعض المنتسبين إليه في هذا العصر.
النقاط الرئيسية
- تُقسَّم الأراضي في المذهب المالكي إلى أربعة أقسام: أرض الإسلام، وأرض العنوة، وأرض الصلح، والأرض المختطة.
- نصت المدونة على أنه ليس لأهل الذمة إحداث كنائس في بلاد الإسلام إلا بعهد أُعطوه.
- يعتبر العهد المؤثر في هذه المسألة عند الفتح لا بعده، فلا عبرة بإذن يصدر لاحقًا.
- الفتوى عند المالكية على قول ابن الماجشون في المنع من الإحداث والترميم إلا بشرط في العهد.
- سئل الإمام مالك عن الكنائس المحدثة في خطط الإسلام والأراضي الفضاء، فقال: «أرى أن تُغيَّر وتُهدم».
- سوّى ابن شاس والقرافي وابن راشد بين القديمة والحادثة في أرض العنوة، خلافًا لفهم اللخمي للمدونة.
- يرى الشارح أن الجزية حكم شرعي مستقل لا يصح تسويته بالضريبة، وأن البر بغير المحاربين لا يُبطل الأحكام الشرعية.
الفوائد والعبر
- ينبغي الرجوع في المسائل الكبرى إلى نصوص الأئمة وأمهات كتب المذاهب كالمدونة والذخيرة والجواهر، والتمييز بين المعتمد والمفتى به وبين الأقوال المرجوحة.
- من فقه الخلاف أن يُعرف موضع النزاع بدقة، كالتفريق بين الصلح والعنوة، وبين القديم والحادث، وبين الإحداث والترميم.
- المصلحة الشرعية التي ذكرها الفقهاء مضبوطة بشروطها، ولا تُتخذ ذريعة لإسقاط الأحكام.
- على أهل العلم مسؤولية في بيان الحق للناس دون كتمان أو تحريف، ولا يُخشى في ذلك إلا الله تعالى.
- الاعتزاز بتراث علماء الأزهر الأوائل كالدمنهوري، والإفادة من مؤلفاتهم في فهم الأحكام الشرعية.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات