شرح كتاب" إقامة الحُجة الباهرة"للشيخ أحمد الدمنهوري(1) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,446 مشاهدة
476 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الأول من شرح كتاب «إقامة الحُجّة الباهرة» للعلامة الشيخ أحمد بن عبد المنعم الدمنهوري، أحد شيوخ الجامع الأزهر في القرن الثاني عشر الهجري. يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول الكتاب مسألة فقهية تاريخية، هي أحكام معابد أهل الكتاب في بلاد المسلمين عامة، وفي مصر والقاهرة خاصة. ويستند المؤلف في ذلك إلى نصوص فقهاء المذاهب الأربعة وإلى وقائع التاريخ الإسلامي.

يبدأ الشيخ بالتعريف بالمؤلف ونشأته ومكانته العلمية وشيوخه ومصنفاته المتنوعة. ثم يشرح مقدمة الكتاب ويقف عند بعض ألفاظها وقفات عقدية. وينتقل بعد ذلك إلى سياق فتح مصر على يد الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه، ثم إلى نشأة القاهرة وتاريخ الدولة العبيدية، وينتهي إلى المصطلحات والأحكام الفقهية المتعلقة بالموضوع.

ويهدف هذا الدرس إلى تعريف المشاهد بعَلَم من أعلام الأزهر، وبيان منهج العلماء في تحرير المسائل الفقهية بالنقل الموثق. كما يهدف إلى ربط الفقه بالتاريخ، والتنبيه على ضرورة التثبت فيما يُنقل في كتب التاريخ، والتحذير من الفتوى بغير علم ولا ترجيح معتبر.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: ترجمة العلامة أحمد الدمنهوري ومكانته العلمية

نشأ الدمنهوري رحمه الله يتيمًا، وقدم القاهرة صغيرًا لا يكفله أحد، فالتحق بالجامع الأزهر وانقطع لطلب العلم. وجدّ في تحصيله حتى أجازه علماء المذاهب الأربعة، فعُرف بـ«المذاهبي». وكانت معرفته بالمذاهب تفوق معرفة كثير من أهلها قراءةً وفهمًا ودراية، وقد أثنى عليه الجبرتي في «عجائب الآثار»، وذكر حافظته ومعرفته بفنون غريبة.

وعدّد الشيخ طائفة من شيوخه في كل مذهب، ومنهم الأطفيحي والبشبيشي والأجهوري والنفراوي وغيرهم. وذكر من مصنفاته ما يدل على سعة علمه وتنوعه، ومنها:

  • «الفتح الرباني بمفردات ابن حنبل الشيباني»
  • «عين الحياة في استنباط المياه»
  • «القول الصريح في علم التشريح»
  • «منهج السلوك في نصيحة الملوك»

وفي هذه الترجمة قدوة لطالب العلم في الصبر على الطلب مع قلة ذات اليد.

المحور الثاني: شرح مقدمة الكتاب وتنبيهات عقدية

افتتح المؤلف كتابه بحمد الله الذي يرفع من نصر دينه القويم، ويخفض من خذله بالخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة. وذكر الشيخ الشارح أن المؤلف سُبق بمؤلفات في الباب نفسه، منها «النفائس في أدلة هدم الكنائس» ورسالة ابن الرفعة.

ونبّه الشارح على مواضع في ألفاظ المقدمة تحتاج إلى تحرير عقدي:

  • عبارة «بشمس وجوده أشرقت الأكوان»، وقال إن فيها نظرًا.
  • عبارة «ببركة سيد المرسلين»، وقال إن الأولى أن يُقال: «برحمة أرحم الراحمين سبحانه وتعالى»؛ لأن كشف الكرب وزوال الغمة من الله وحده.

وهذا من الإنصاف في التعامل مع كلام العلماء، فيُستفاد من علمهم ولا يُتابَعون فيما خالف الصواب. ووقف الشارح كذلك عند شكوى المؤلف من غربة الإسلام في زمانه، ومن قلة قبول الحق، ومن بيع بعض المشتغلين بالشريعة دينهم بعرض من الدنيا. واستشهد ببيت المؤلف:

«إنَّ الجرائمَ أقفلتْ بابَ الهدى *** فالعلمُ ليسَ بفاتحٍ أقفالَها»

وأكد أثر الذنوب في حرمان العبد من الانتفاع بالعلم.

المحور الثالث: فتح مصر على يد عمرو بن العاص رضي الله عنه

سرد الشيخ قصة الفتح كما أوردها المؤلف. فقد عقد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعمرو على أربعة آلاف رجل، ثم استخار الله وتخوّف على المسلمين، فكتب إليه بالانصراف إن لم يكن قد دخل أرض مصر. فأدرك الكتابُ عمرًا وهو برفح، فلم يفتحه حتى دخل قرية بين رفح والعريش، فلما سأل عنها قيل له إنها من مصر، فقرأ الكتاب على المسلمين ومضى لوجهته.

ومن فوائد هذه القصة:

  • أن العريش ورفح من أرض مصر قديمًا.
  • أن اسم «مصر» يشمل البلاد من شمالها إلى جنوبها، ولا يقتصر على القاهرة.
  • أن الفتح جرى على شروط صلح معلومة، منها فرض الجزية.

وفرّق الشيخ بين الجزية والضريبة، وأكد أنهما حكمان مختلفان لا يصح الخلط بينهما. واستدل بقوله تعالى:

﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]

وتكلّم أيضًا عن وضع الآيات في مواضعها الصحيحة، ومنها قوله تعالى:

﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 8]

المحور الرابع: نشأة القاهرة وحقيقة الدولة العبيدية

بيّن الشيخ أن موضع القاهرة كان صحراء خالية من البناء وقت الفتح، وأنها أُنشئت بعد وفاة كافور الإخشيدي، حين بعث المعز العبيدي قائده جوهرًا. وبين فتح مصر وإنشاء القاهرة نحو ثلاثمئة وثمانٍ وخمسين سنة. فالقاهرة مدينة مصّرها المسلمون، وما أُحدث فيها من معابد إنما كان في عهد بني عبيد.

ورد الشيخ ما يُروى من أن تسميتها بالقاهرة كانت لأسباب تنجيمية، وعدّه من الجهالات المنقولة في كتب التاريخ، مقررًا أن المنجمين لا يعلمون الغيب، وأنه ليس كل ما يُنقل في التاريخ مقبولًا. ونقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في أن القاهرة بقي ولاة أمرها نحو مئتي سنة على غير شريعة الإسلام. وأشار إلى كتاب أبي شامة المقدسي في كشف حال بني عبيد، وإلى كتاب مرعي بن يوسف الكرمي «نزهة الناظرين».

ثم ذكر سيرة صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، فقد أسقط المكوس والضرائب عن الناس، ونصر السنة، وجاهد الفرنج حتى استرد بيت المقدس. وكان صادقًا إذا قال، وفيًّا إذا وعد، عادلًا يأمن الناس ظلمه.

المحور الخامس: المصطلحات والأحكام الفقهية

عرّف المؤلف أسماء المعابد على النحو الآتي:

  • الكنيسة: متعبد اليهود في الأصل.
  • البِيعة: متعبد النصارى في الأصل.
  • الدير: يخص به أهل مصر متعبد النصارى، وحكمه حكم الكنيسة.
  • الصومعة: بناء مرتفع ينقطع فيه المتعبد عن الناس، وحكمها حكم بيت النار.

ثم نقل أقوال الفقهاء في منع إحداث هذه المعابد في أمصار المسلمين وفي المواضع التي فيها جماعة من المسلمين وقاضٍ وأمير. ونقل من حاشية ابن عابدين أن ما عليه التصحيح والفتوى عند عامة المشايخ لا يجوز العدول عنه، وأن من أفتى بخلافه متبعًا هواه دون قوة ترجيح يُحجر عليه في الفتوى.

وختم بحديث أمّنا عائشة رضي الله عنها: آخر ما عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال:

«لَا يُتْرَكُ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ» [رواه أحمد]

وبيّن حد جزيرة العرب كما ذكره أبو عبيد: طولًا من عدن إلى ريف العراق، وعرضًا من تهامة وما وراءها إلى أطراف الشام.

النقاط الرئيسية

  • الدمنهوري عالم أزهري متمكن من المذاهب الأربعة، نشأ يتيمًا وبلغ مرتبة عالية بالجد والاجتهاد.
  • يُستفاد من كلام العلماء مع التنبيه على ما في بعض ألفاظهم من مخالفة عقدية، كنسبة كشف الكرب إلى غير الله تعالى.
  • فُتحت مصر في عهد عمر بن الخطاب على يد عمرو بن العاص رضي الله عنهما، ورفح والعريش من أرض مصر قديمًا.
  • الجزية حكم شرعي مستقل يختلف عن الضرائب، ولا يصح الخلط بينهما.
  • القاهرة أُنشئت في الإسلام بعد الفتح بنحو 358 سنة، وما أُحدث فيها من المعابد كان في عهد الدولة العبيدية.
  • ليس كل ما يُنقل في كتب التاريخ مقبولًا، ولا بد من التثبت ونقد الروايات، كقصص التنجيم في تسمية القاهرة.
  • الفتوى أمانة، ومن أفتى بخلاف ما عليه الترجيح والتصحيح متبعًا هواه حُجر عليه.

الفوائد والعبر

  • الصبر على طلب العلم: سيرة الدمنهوري تبيّن أن اليتم وقلة ذات اليد لا تمنع من بلوغ أعلى المراتب لمن صدق مع الله واجتهد.
  • تعظيم التوحيد في الألفاظ: ينبغي للمسلم أن يحرر عباراته، فينسب النعم وكشف الكرب إلى الله وحده.
  • أثر الذنوب في حرمان العلم: القلوب المشغولة بالمعاصي لا تنتفع بالعلم، فينبغي الإكثار من التوبة وسؤال الله الإقبال عليه.
  • التثبت في قراءة التاريخ: يحتاج القارئ إلى عقلية ناقدة تميز صحيح المنقول من سقيمه، ولا تقبل كل ما يُروى.
  • القدوة الحسنة في القادة: سيرة صلاح الدين الأيوبي تذكّر بأن العز يكون بنصر الدين وإقامة العدل والصدق والوفاء بالعهد.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات