شرح كتاب" عقيدة السلف وأصحاب الحديث" للإمام الصابوني/الدرس(1) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الأول من شرح كتاب «عقيدة السلف وأصحاب الحديث» للإمام شيخ الإسلام أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني النيسابوري رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وهو مدخل تأسيسي يعرّف بالكتاب ومكانته، ويبيّن أسماءه ومعنى عنوانه، ويقف عند أبرز ما يُلاحظ على تحقيقاته المعاصرة، ثم يعرض ترجمة مؤلفه.
ويؤكد الشيخ أن دراسة كتب أئمة السلف تفتح لطالب العلم آفاقًا علمية واسعة، وتكون سببًا في عصمته من الزلل في الفهم والمنهج والاعتقاد. فهذه الكتب تنقل العقيدة بالأسانيد، وتصل الطالب مباشرة بما كان عليه الصحابة والتابعون وأئمة الدين.
ويهدف الدرس إلى أن يعرف المتعلم قيمة هذا المتن العقدي المبارك وأسماءه الصحيحة، وأن يتعلم آداب التعامل مع الصحيحين ومنهج التحقيق المنضبط، وأن يقف على سيرة إمام جمع بين العلم والعبادة والوعظ وحمل همّ المسلمين.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: خطبة الحاجة ومكانة كتب الاعتقاد عند السلف
افتتح الشيخ درسه بخطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يعلّمها أصحابه، وتلا فيها الآيات الثلاث المعروفة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]
ثم قال: «فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».
وبيّن الشيخ أن من هدي السلف أنهم صنّفوا كتبًا مستقلة في الاعتقاد، وسمّى كثير منهم كتبه باسم «السنة» وهم يقصدون بها الاعتقاد، مثل كتاب «السنة» المنسوب للإمام أحمد، و«السنة» لابنه عبد الله، و«السنة» للخلال، وغيرها من المصنفات العظيمة. ويأتي كتاب الصابوني في هذا السياق متنًا جامعًا لأصول اعتقاد أهل السنة.
المحور الثاني: أسماء الكتاب ومعنى عنوانه
ذكر الشيخ أن للكتاب أسماء كلها صحيحة، وهي:
- «الفصول في بيان الأصول»، وبهذا الاسم ذكره الحافظ ابن حجر في «المعجم المفهرس».
- «عقيدة السلف وأصحاب الحديث»، وهو الاسم الذي اشتهر به الكتاب.
- «رسالة في اعتقاد أهل السنة وأصحاب الحديث والأئمة».
ولفت إلى أن الكتاب اشتهر اشتهارًا كبيرًا حتى صار سببًا في شهرة مؤلفه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وفي شرح العنوان بيّن أن «الأصول» تُطلق على معنيين:
- أصول الدين: وهي التوحيد والاعتقاد، وهي المقصودة في هذا الكتاب.
- أصول الفقه: وهي القواعد التي يُبنى عليها استنباط الأحكام من الكتاب والسنة.
وأما «السلف» فهم أصحاب رسول الله ﷺ ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ومنهم أئمة الدين الذين أخذ الصابوني عقيدته عنهم. وأما «أصحاب الحديث» فهم أهل حديث رسول الله ﷺ. وقد تواطأت كلمة العلماء على أنهم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، والمراد بهم كل من كان على اعتقادهم. ومن ذلك قول الإمام أحمد: «إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم».
المحور الثالث: تنبيهات منهجية على تحقيقات الكتاب ومكانة الصحيحين
نبّه الشيخ إلى أن الكتاب حُقّق تحقيقات كثيرة يعوز أكثرها الدقة. فمن ذلك أن بعض المعلقين عدّ «الفصول» و«عقيدة السلف» كتابين مستقلين من مؤلفات الصابوني، وهما كتاب واحد. وذكر أن المخطوطة المعتمدة حديثة جدًا بالنسبة إلى وفاة المؤلف، إذ كُتبت في القرن الثالث عشر الهجري. وكثير من الاستدراكات بين النسخ إنما هي أخطاء طباعية، فلا داعي لتكرار التحقيق على كتاب واحد بلا إضافة علمية. ونصح الطالب بألا يشتغل بالتحقيق إلا بعد التمكّن من العلم، لأن للتحقيق أصولًا وقواعد.
وشدّد على قضية مهمة، وهي الجرأة على الحكم على أحاديث الصحيحين. فقد اتفقت الأمة على تلقي ما فيهما بالقبول إلا أحرفًا يسيرة انتقدها الحفاظ، وغالب تلك الانتقادات تتعلق بالصناعة الحديثية. فلا يجوز لأحد كائنًا من كان أن ينصّب نفسه حكمًا على ما في الصحيحين، و«ليس كل ما يفعله الكبار يجوز للصغار». وبيّن أن قول بعض العلماء: «صحيح، أخرجه البخاري ومسلم» إنما أرادوا به بيان الصحة للناس بسبب إخراج الشيخين للحديث، لا أنهم يحكمون على ما فيهما. وعدّ التوسّع في هذا من البدع التي بدأت تنتشر في هذا العصر.
ومن المآخذ التي ذكرها كذلك:
- التوسع في تخريج حديث في الصحيحين بذكر مصادر كثيرة خارج الكتب الأصول.
- الإطالة في ترجمة المشاهير كأبي زرعة الرازي وأبي داود السجستاني وعبد الله بن المبارك وسفيان الثوري في أسطر كثيرة، مع أن قرّاء مثل هذا الكتاب في الغالب طلبة علم يعرفونهم.
- تضخيم الكتب بلا فائدة، مما يؤدي إلى غلاء أثمانها.
وأشار أيضًا إلى اختلاف المعلقين في توجيه عبارة للمصنف في أول الكتاب، فمنهم من تأوّلها تأويلًا حسنًا يُشكر عليه، ومنهم من خطّأ الإمام وأطال في الرد عليه.
المحور الرابع: ترجمة الإمام الصابوني ومعنى لقب «شيخ الإسلام»
نقل الشيخ ترجمة المصنف من «سير أعلام النبلاء» للذهبي: «الإمام العلامة القدوة المفسر المذكّر المحدث شيخ الإسلام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عابد بن عامر النيسابوري الصابوني». ولد سنة ثلاث وسبعين وثلاث مئة، وقُتل أبوه وهو ابن تسع سنين، فقام مقام أبيه في مجلس الوعظ والتذكير وهو صبي لم يبلغ الحلم. ونبّه الشيخ في هذا الموضع إلى الصواب في نطق «ثلاث مئة».
وبيّن أن لقب «شيخ الإسلام» صار علمًا على الإمام ابن تيمية رحمه الله (661-728هـ) حتى صار أول ما يتبادر إلى الذهن عند إطلاقه، لكنه ليس خاصًا به. فقد قاله الإمام أحمد في أحمد بن يونس اليربوعي، وقيل في الإمام أحمد نفسه، وأُطلق على الحافظ ابن حجر كما في «الجواهر والدرر» للسخاوي. والمراد به العالم الكبير الإمام في علم الكتاب والسنة، العامل بهما، القائم بدين الله علمًا وعملًا ودعوةً وجهادًا وصبرًا.
وكذلك لفظ «الإمام» لا يختص بالأئمة الأربعة، بل هو لكل من بلغ منزلة الإمامة في الدين، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24].
وذكر الشيخ من شيوخ الصابوني أبا سعيد عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، وأبا بكر بن مهران، وأبا طاهر بن خزيمة وغيرهم. واستدرك أن أهم شيوخه الحافظ الحاكم أبا عبد الله صاحب «المستدرك» لم يُذكر في هذا الموضع. ومن تلاميذه الكتاني، وابنه عبد الرحمن، والإمام البيهقي الذي قال فيه: «حدثنا إمام المسلمين حقًا، وشيخ الإسلام صدقًا، أبو عثمان الصابوني»، وهو ثناء عظيم من مثل البيهقي. ونقل كذلك ثناء عبد الغافر الفارسي في «السياق»، فقد ذكر أنه بقي يعظ الناس نحو سبعين سنة، وخطب وصلى في الجامع نحوًا من عشرين سنة، وأنه رحل إلى الحجاز والشام وغيرها، وكان «سيف السنة ودامغ أهل البدعة»، مقبولًا عند الموافق والمخالف. وذكر أيضًا أن أبا الطيب الصعلوكي تولّى تربيته، وأنه كان يحضر مجلسه كبار العلماء كأبي إسحاق الإسفراييني وأبي بكر بن فورك، فيعجبون من كمال ذكائه وحسن إيراده.
المحور الخامس: عبادته وسعة علمه وخاتمته الحسنة
كان الصابوني مشتغلًا بكثرة العبادات والطاعات حتى صار يُضرب به المثل. ووقف الشيخ عند هذا المعنى ليقرر أن طالب العلم لا يكفيه الاهتمام بعلوم الآلة من مصطلح وأصول فقه ونحو وبلاغة، بل لا بد له من حظ من الزهد والذكر والنوافل، يرقّق به قلبه ويربط نفسه بالله سبحانه.
ومن دلائل سعة علمه ما رواه السلفي بإسناده أنه نزل سلماس بعد حجه، فكان يعقد مجلسًا كل يوم، وأقبل الناس عليه. ثم قال لهم عند الوداع إنه أقام عندهم أشهرًا يفسّر آية واحدة وما يتعلق بها، ولو بقي عندهم تمام السنة لما تعدّاها إلى غيرها.
أما سبب وفاته فإنه دُفع إليه وهو في مجلس وعظه كتاب من بخارى يصف وباءً عظيمًا نزل بها، ويطلب منه الدعاء للمسلمين هناك. وكان في الكتاب أن رجلًا أعطى خبازًا درهمًا، فمات الخباز والصانع والمشتري في ساعة واحدة. فهاله ذلك، واستقرأ القارئ آيات التخويف كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ [النحل: 45]، وبالغ في التحذير حتى غلبه التأثر. فنزل من المنبر يشتكي بطنه، ومرض أسبوعًا، ثم أوصى وودّع أولاده.
وتوفي سنة تسع وأربعين وأربع مئة. ومن حسن خاتمته أنه قرأ وهو في سكرات الموت إسناد حديث النبي ﷺ: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ»، ثم مات من ساعته. وهي خاتمة تشبه ما وقع للإمام أبي زرعة الرازي حين استحيا من حضره من الحفاظ أن يلقّنوه الشهادة، فذكروا إسناد الحديث وتوقفوا، فأكمله هو حتى قال: «لا إله إلا الله»، ثم خرجت روحه رحمه الله.
النقاط الرئيسية
- دراسة كتب السلف في الاعتقاد عصمة لطالب العلم من الزلل في الفهم والمنهج والعقيدة.
- للكتاب أسماء صحيحة، منها «الفصول في بيان الأصول» و«عقيدة السلف وأصحاب الحديث».
- أصحاب الحديث هم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة عند جماهير العلماء.
- الأمة أجمعت على تلقي ما في الصحيحين بالقبول، فلا يجوز التجرؤ على الحكم عليهما.
- التحقيق علم له أصول، ولا داعي لتكرار تحقيق الكتاب الواحد وتضخيمه بلا فائدة.
- لقب «شيخ الإسلام» ليس خاصًا بابن تيمية، بل يُطلق على كل إمام كبير عامل بالكتاب والسنة.
- الإمام الصابوني جمع بين العلم والوعظ والعبادة، وختم الله له بخاتمة حسنة.
الفوائد والعبر
- الجمع بين العلم والعبادة: على طالب العلم ألا يكتفي بعلوم الآلة، بل يحرص على الذكر والنوافل ليرقّ قلبه.
- معرفة قدر النفس: لا يتصدّر الطالب لما لم يتأهل له، كالحكم على أحاديث الصحيحين أو التحقيق قبل التمكّن.
- حمل همّ المسلمين: الأولى بالمرء أن يشتغل بذنوبه وبمآسي المسلمين والدعاء لهم، بدل الانشغال الدائم بتصنيف الناس، مع حفظ أصل الجرح والتعديل في موضعه.
- حسن الخاتمة ثمرة حسن السيرة: من عاش على العلم والذكر رُجي له أن يُختم له بكلمة التوحيد.
- الإنصاف مع الأئمة: يُحمل كلام الأئمة على أحسن المحامل ويُتأوّل تأويلًا سائغًا، بدل المسارعة إلى تخطئتهم.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات