شرح جزء أبو عمرو الداني في مصطلح الحديث ( 17) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

5,051 مشاهدة
306 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس السابع عشر من شرح «جزء أبي عمرو الداني» في مصطلح الحديث، يلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. أُلقي الدرس ليلة الأربعاء الحادي والعشرين من جمادى الآخرة سنة 1431هـ، الموافق للخامس من مايو سنة 2010م، في مسجد الفرقان الإسلامي بمدينة السنبلاوين، ضمن الدورات الحديثية التي يقيمها الشيخ.

يكمل الشيخ في هذا الدرس مناقشة الإمام مسلم رحمه الله في مسألة «الإسناد المعنعن». فقد اكتفى مسلم بالمعاصرة وإمكان اللقاء، أما الإمام البخاري وشيخه علي بن المديني فاشترطا ثبوت السماع ولو مرة واحدة. ويعرض الشيخ ردود الحافظ ابن رُشيد على الأمثلة التي احتج بها مسلم، ومنها رواية عطاء بن يزيد الليثي عن تميم الداري، ورواية قيس بن أبي حازم عن أبي مسعود البدري، ورواية النعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد الخدري.

ويهدف الدرس إلى أن يعرف طالب العلم دقائق شروط الصحة عند الشيخين، وأن يفهم كيف يُناقَش الأئمة الكبار، ويتعلم آداب التخريج، ويفرّق في الرد بين العالم المجتهد الذي يخطئ والجاهل المتطاول على العلم.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: لماذا لم يُخرج البخاري حديث عطاء بن يزيد عن تميم الداري؟

احتج الإمام مسلم بأمثلة لرواة عاصروا من رووا عنهم، ولا يُعلم أنهم سمعوا منهم، ومع ذلك صحّح أهل العلم أحاديثهم. ومن هذه الأمثلة رواية عطاء بن يزيد الليثي عن تميم الداري رضي الله عنه حديث «الدين النصيحة». وقد أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، وليس لتميم في صحيح مسلم غيره.

ويرد ابن رشيد بأن هذا لا يُلزم البخاري، لأنه لم يُخرج هذا الحديث أصلاً، وليس لتميم الداري في صحيحه إلا حديث معلّق. فالبخاري تركه عمداً لأنه ليس على شرطه، ولا يليق بمنزلته أن يُظن أنه لم يعرف هذا الحديث. ويذكر الشيخ فائدة: لتميم الداري منقبة لم يشاركه فيها أحد، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم روى عنه حديث الجساسة.

ويقرر الشيخ أن ترك البخاري لهذا الحديث لا يعني الطعن في صحته، فالحديث صحيح عند أهل العلم. والنقاش هنا في الأسانيد وشروط الاتصال، لا في المتون.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ».

المحور الثاني: الإلزام بالمثل في حديث أُبيّ بن كعب في الاعتكاف

يقارن ابن رشيد ترك البخاري لحديث تميم بترك مسلم نفسه لبعض الأحاديث. فمسلم لم يُخرج حديث أبي رافع نُفيع الصائغ عن أُبيّ بن كعب في أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتكف عاماً، فاعتكف في العام المقبل عشرين ليلة. وقد أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما.

ونقل الشيخ عن العلامة المعلمي رحمه الله أن ترك مسلم له يدل على توقفه فيه، لأن الحديث يتضمن حكماً خاصاً ولم يجد له متابعات وشواهد صحيحة تقويه. فكما يُحمل ترك مسلم على الإنصاف والتثبت، يُحمل ترك البخاري لحديث تميم على أنه ليس على شرطه.

عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ عَامًا، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ لَيْلَةً».

المحور الثالث: آداب التخريج وسعة حفظ الإمام البخاري

انتقد ابن رشيد القاضي عياضاً حين عزا حديث أبي معمر عن أبي مسعود البدري إلى ابن أبي شيبة، مع أنه في سنن أبي داود والنسائي والترمذي، وعدّ ذلك بعيداً جداً. ومن هنا قرر الشيخ أدباً من آداب التخريج: إذا كان الحديث في الصحيحين فلا يُعزى إلى غيرهما ويُتركان. وإذا كان في الكتب الستة أو مسند أحمد فلا يُقدَّم عليها مصنف ابن أبي شيبة أو عبد الرزاق أو حلية الأولياء ونحوها، ويُقدَّم مسند أحمد على معجم الطبراني ومسند أبي يعلى والبزار.

وذكر الشيخ أن البخاري قال: «أحفظ مئة ألف حديث صحيح، ومئتي ألف حديث غير صحيح». ومن كان بهذا الحفظ، وشهد له مسلم بأنه أعلم أهل الأرض بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، يبعد جداً أن يجهل حديث تميم الداري. فإذا لم يُخرجه فقد تركه عمداً. ولو فُرض أنه أخرج حديثاً من هذا النوع فهو أعلم وأجل، وقد اطلع على ثبوت السماع وإن خفي على غيره.

ونبّه الشيخ إلى طريقة المحدثين في نطق الأسماء المختومة بـ«ويه» مثل: راهُوْيَه وحمدُوْيَه، بخلاف أهل اللغة الذين يقولون: راهَوَيْه.

ومن الحديث الذي جرى ذكره: «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ فِيهَا صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ».

المحور الرابع: سماع قيس بن أبي حازم من أبي مسعود البدري

الدليل الرابع لمسلم أنه ادعى الإجماع على قبول روايات تابعين عاصروا الصحابة ولم يثبت لقاؤهم بهم. ومثّل لذلك برواية قيس بن أبي حازم عن أبي مسعود، وقال إنه لا يُعلم له سماع منه.

وقيس بن أبي حازم مخضرم، أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يلقه. ومثله أبو مسلم الخولاني الذي خرج قاصداً النبي صلى الله عليه وسلم، فتوفي النبي وهو في الطريق. وقد رأى قيس أبا بكر، وسمع من عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم.

ويرد ابن رشيد بأن سماع قيس من أبي مسعود ثابت في صحيح البخاري في موضعين، وكذلك سماع النعمان بن أبي عياش من أبي سعيد الخدري. فالأمثلة جارية على شرط البخاري الصحيح، والاحتجاج بها لا يتم. ويستفيد الشيخ من ذلك أن التقليد له حدوده، وأن طالب العلم يرجع إلى الأصول ويتحقق مما يقال ولو كان القائل إماماً كبيراً.

المحور الخامس: أدب الرد على الأئمة والفرق بينهم وبين الجهلة

قرر الشيخ أن الرد على أئمة الإسلام من أهل الخير والفضل يكون بأدب واحترام، فهم مجتهدون: من أصاب منهم فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد. وطالب العلم يقول عند الرد: أخطأ الإمام رحمه الله، ولا يتطاول عليه.

أما الجاهل الذي يتصدر للفتوى، ويحلّ ويحرّم، ويرد على الأئمة، ويأتي بالأقوال الشنيعة، فيجب أن يُزجر ويُردع. واستشهد الشيخ بغضب الشيخ صالح اللحيدان على من زعم أن فرعون لم يكفر، وأنه لا يكفي أن يقال عن مثله: «داعية»، بل يُبيَّن ضلاله وانحرافه. وفرّق الشيخ بين السائل المتأدب الذي يستفتي فيما وقع فيه، والمتكلف الذي يسأل عما لا ينفعه.

وذكر قصة مقاتل بن سليمان حين قال: «سلوني عما دون العرش»، فسُئل سؤالاً عجز عن جوابه. واستدل بها على أن العالم مهما بلغ علمه يجب أن يتواضع لله ويعرف قدر نفسه. قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ».

النقاط الرئيسية

  • يكتفي الإمام مسلم في الإسناد المعنعن بالمعاصرة مع إمكان اللقاء وسلامة الراوي من التدليس، ويشترط البخاري وابن المديني ثبوت السماع ولو مرة.
  • رواية عطاء بن يزيد عن تميم الداري ليست على شرط البخاري، وقد تركها عمداً، فلا يصح إلزامه بها.
  • ليس لتميم الداري في صحيح البخاري إلا حديث معلّق، وله منقبة خاصة هي أن النبي صلى الله عليه وسلم روى عنه حديث الجساسة.
  • ترك مسلمٌ حديثَ أُبيّ بن كعب في الاعتكاف عشرين ليلة لعدم وجود الشواهد والمتابعات، وهذا نظير ترك البخاري لحديث تميم.
  • من آداب التخريج تقديم العزو إلى الصحيحين، ثم السنن ومسند أحمد، قبل غيرها من المصنفات والمعاجم.
  • سماع قيس بن أبي حازم من أبي مسعود البدري ثابت في صحيح البخاري في موضعين، فلا يصح ما ادعاه مسلم في هذا المثال.
  • يُرد على العلماء المجتهدين بأدب واحترام، ويُزجر الجهلة المتطاولون على الشرع ويُبيَّن انحرافهم.

الفوائد والعبر

  • يرجع طالب العلم إلى الأصول ويتحقق بنفسه، فإن الإمام الكبير قد يفوته شيء موجود في كتب غيره.
  • إذا خالف عالمٌ الدليل فقل: «أخطأ رحمه الله»، فالمجتهد مأجور على كل حال، ولا يجوز الطعن فيه.
  • عدم إخراج الشيخين لحديث لا يعني أنه ضعيف، فقد يتركانه لأنه ليس على شرطهما، والنقاش في الشروط غير الحكم على المتن.
  • العلم يورث التواضع، والإعجاب بالنفس والتعالم يفضحان صاحبهما كما وقع لمن قال: «سلوني عما دون العرش».
  • من آداب طالب الحديث أن يُحسن العزو في التخريج، فيبدأ بالمصادر العالية المعتمدة قبل غيرها.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات