شرح جزء أبو عمرو الداني في مصطلح الحديث ( 15) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,562 مشاهدة
421 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس الخامس عشر من شرح جزء أبي عمرو الداني في مصطلح الحديث، يلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتابع فيه الشيخ مسألة من أدق مسائل علم الحديث، وهي مسألة الإسناد المعنعن: هل يكفي لقبوله أن يكون الراوي معاصرًا لمن روى عنه مع إمكان اللقاء، كما يرى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله؟ أم لا بد أن يثبت اللقاء والسماع ولو مرة واحدة، كما هو مذهب الإمام البخاري وشيخه علي بن المديني وجمهور المحققين؟

وكان الشيخ قد فرغ في الدروس السابقة من مناقشة الدليلين الأول والثاني من أدلة الإمام مسلم. وفي هذا الدرس يتناول الدليل الثالث، وهو دعوى الإجماع على قبول رواية الصحابة بعضهم عن بعض بمجرد المعاصرة. ويعتمد في ذلك على كتاب الحافظ ابن رشيد الفهري «السَّنَن الأَبْيَن والمَوْرِد الأَمْعَن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن»، ويضيف إليه تعقيبات الحافظ ابن رجب الحنبلي والعلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني رحمهم الله.

ويهدف الدرس إلى أن يفهم طالب العلم وجه استدلال الإمام مسلم، ثم يعرف طريقة الأئمة في نقده بإنصاف وعلم. ويتعلم كذلك جمع الطرق والروايات، والتمييز بين الأصول والمتابعات، وأن يعرف للأئمة الكبار قدرهم دون أن يجعل أقوالهم معصومة من الخطأ.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: افتتاح الدرس بخطبة الحاجة وربطه بما سبق

افتتح الشيخ الدرس بخطبة الحاجة على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها الآيات التي تأمر بتقوى الله وبالقول السديد. ثم ذكّر بأن الإمام مسلمًا استدل لمذهبه بأربعة أدلة. الأول دعوى الإجماع على قبول المعنعن ممن ثبتت معاصرته دون اشتراط السماع. والثاني إلزام من يشترط السماع ولو مرة بألا يقبل إسنادًا معنعنًا حتى يصرَّح فيه بالسماع من أوله إلى آخره. وقد سبق الجواب عنهما من كلام ابن رشيد.

ومما استُشهد به من الآيات قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].

ومن الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».

المحور الثاني: شروط قبول المعنعن عند ابن عبد البر، ومثال مكحول مع واثلة

نقل الشيخ قول الحافظ ابن عبد البر في «التمهيد»: إن أئمة الحديث أجمعوا على قبول المعنعن بثلاثة شروط:

  • عدالة الرواة.
  • لقاء بعضهم بعضًا مجالسةً ومشاهدةً.
  • براءتهم من التدليس.

والشرط الثاني هو الذي خالف فيه الإمام مسلم، لأن اللقاء والمشاهدة هما الطريق إلى ثبوت السماع.

ثم بيّن الشيخ أن المعاصرة لا تكفي، بل قد يثبت الدخول على الشيخ ومع ذلك لا يثبت السماع منه. ومثّل لذلك بمكحول الدمشقي مع واثلة بن الأسقع رضي الله عنه. فقد ذكر أبو زرعة الدمشقي بسنده أن مكحولًا دخل على واثلة يعوده في مرضه. ومع ذلك قال أبو حاتم الرازي: لم يسمع منه، إنما دخل عليه، وجعل روايته عنه مرسلة. وقال ابن رجب: إن ما جاء من التصريح بسماعه منه في بعض الطرق فيه نظر.

المحور الثالث: الدليل الثالث للإمام مسلم وتحرير مراده

ادعى الإمام مسلم الإجماع على قبول رواية الصحابة بعضهم عن بعض دون البحث عن لقاء أو سماع، والاكتفاء بالمعاصرة. ومثّل لذلك بعبد الله بن يزيد الأنصاري، وهو ممن رأى النبي صلى الله عليه وسلم. فقد روى حديثًا عن حذيفة وحديثًا عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنهما. وقال مسلم إنه لم يجد في شيء من الروايات أنه سمع منهما أو شافههما أو رآهما، ومع ذلك لم يطعن أحد من أهل العلم في الحديثين.

ويرى ابن رشيد أن هذا الدليل أخص من الدليل الأول، لأنه يقتصر على رواية الصحابة. ويرى أنه كالتتمة للدليل الثاني جاء في صورة التمثيل. ونبّه الشيخ إلى أن قول مسلم «لا أعلم» حجةٌ معتبرة لأنه صادر عن إمام كبير، لكنه بشر يصيب ويخطئ. والطريق إلى التحقق من كلامه هو البحث في الروايات وجمع الطرق.

المحور الرابع: حديث عبد الله بن يزيد عن حذيفة، وأجوبة ابن رشيد وابن رجب والمعلمي

الحديث هو قول حذيفة رضي الله عنه: «أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ»، وقد أخرجه مسلم في كتاب الفتن. والأجوبة عنه ثلاثة:

  • ابن رشيد: أقرّ بإنصاف أنه لا يعلم في هذا الحديث ذكرًا لسماع عبد الله بن يزيد من حذيفة.
  • ابن رجب في «شرح علل الترمذي»: ألزم مسلمًا بأن يحكم بالاتصال لكل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم إذا روى عنه، ولكل من عاصره، لأن الرؤية أبلغ من مجرد إمكان اللقاء. ويترتب على ذلك ألا يكون حديث أحدٍ منهم عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، وهذا خلاف إجماع أئمة الحديث.
  • العلامة المعلمي اليماني: لاحظ أن مسلمًا أخرج الحديث مطولًا من طريق أبي إدريس الخولاني عن حذيفة، ومن طريق أبي وائل شقيق بن سلمة عن حذيفة، ثم أتبعهما برواية عبد الله بن يزيد. فرواية عبد الله بن يزيد واردة في المتابعات، والمتابعات يُتسامح فيها بما لا يُتسامح في الأصول، والحديث مشهور عن حذيفة من غير طريقه. ولذلك لم يحتج أهل العلم إلى الكلام فيها، سواء حُكم لها بالاتصال أو بالانقطاع.

المحور الخامس: حديث أبي مسعود في النفقة، وثبوت السماع في صحيح البخاري

أما الحديث الثاني فهو حديث عبد الله بن يزيد عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه في نفقة الرجل على أهله. وقد أخرجه مسلم في كتاب الزكاة، في باب فضل النفقة على الأهل، بصيغة العنعنة دون ذكر السماع. لكن ابن رشيد بيّن أن البخاري أخرجه في كتاب المغازي، في الباب الذي يلي باب شهود الملائكة بدرًا، فقال: حدثنا مسلم، حدثنا شعبة، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، «سَمِعَ أَبَا مَسْعُودٍ الْبَدْرِيَّ»، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ صَدَقَةٌ».

ونبّه الشيخ إلى أن «مسلمًا» في إسناد البخاري هو مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، وليس الإمام مسلم بن الحجاج. فالإمام مسلم لم يدرك شعبة، لأن شعبة توفي سنة 160هـ، ومسلم وُلد سنة 204هـ أو 206هـ.

وأخرج البخاري الحديث أيضًا في كتاب الإيمان وفي كتاب النفقات دون ذكر السماع. فثبت بالتصريح الذي في رواية المغازي ما نفى الإمام مسلم علمه به. وقال الشيخ إن هذا لا يعني جهل الإمام مسلم، وإنما يعني أنه أخطأ رحمه الله في هذا الموضع، فلا يُعصم أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

النقاط الرئيسية

  • استدل الإمام مسلم بأربعة أدلة على الاكتفاء بالمعاصرة مع إمكان اللقاء في السند المعنعن، والدليل الثالث منها هو دعوى الإجماع على قبول رواية الصحابة بعضهم عن بعض.
  • اشترط ابن عبد البر لقبول المعنعن ثلاثة شروط: العدالة، واللقاء مجالسةً ومشاهدةً، والبراءة من التدليس.
  • المعاصرة، بل الدخول على الشيخ، لا يلزم منهما السماع، كما في رواية مكحول عن واثلة بن الأسقع.
  • ألزم ابن رجب مسلمًا بأن يحكم بالاتصال لكل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم أو عاصره، وهذا مخالف لإجماع المحدثين على وجود المراسيل.
  • رواية عبد الله بن يزيد عن حذيفة في صحيح مسلم واردة في المتابعات، والمتابعات يُتسامح فيها بما لا يُتسامح في الأصول.
  • ثبت في صحيح البخاري، في كتاب المغازي، تصريح عبد الله بن يزيد بالسماع من أبي مسعود البدري، خلافًا لما نفى الإمام مسلم علمه به.
  • كتاب ابن رشيد الفهري «السنن الأبين» من أهم المصنفات في المحاكمة بين مذهبي البخاري ومسلم في السند المعنعن.

الفوائد والعبر

  • الإنصاف في الرد على الأئمة: يقرّ الباحث بما لم يجده، كما فعل ابن رشيد، ويحفظ للإمام قدره وهو يبيّن خطأه.
  • جمع الطرق: قد يكون الحديث معنعنًا في موضع ومصرَّحًا فيه بالسماع في موضع آخر، فلا يصح الحكم على حديث قبل جمع طرقه ومواضعه في الكتب.
  • التمييز بين الأصول والمتابعات: عدم التفريق بينهما يؤدي إلى أحكام خاطئة على الأحاديث وعلى صنيع الأئمة في كتبهم.
  • العصمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحده: كل إمام يؤخذ من قوله ويُرد، وخطؤه في مسألة لا يُسقط إمامته ولا يدل على قلة علمه.
  • معرفة الرواة وطبقاتهم: التمييز بين الرواة المتشابهي الأسماء، كمسلم بن إبراهيم ومسلم بن الحجاج، يحمي طالب العلم من أخطاء كبيرة في فهم الأسانيد.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات