شرح جزء أبو عمرو الداني في مصطلح الحديث ( 13) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الثالث عشر من سلسلة شرح جزء الإمام أبي عمرو الداني في مصطلح الحديث، ويلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول الدرس مسألة من أدق مسائل علوم الحديث وأكثرها خلافًا، وهي مسألة «الإسناد المعنعن»: هل يكفي أن يعاصر الراوي الثقة غير المدلس شيخه حتى نحمل روايته على الاتصال، أم لا بد من ثبوت اللقاء والسماع ولو مرة واحدة؟
يبدأ الشيخ بتلخيص الأصول الأربعة التي استدل بها الإمام مسلم رحمه الله على الاكتفاء بالمعاصرة، ثم يعرض مناقشة الإمام ابن رُشَيد رحمه الله لهذه الأدلة. فيبيّن ما يرد على دعوى الإجماع، ويعرض الجواب عن إلزام مسلم لمخالفيه بأن يشترطوا السماع في كل حديث، ويتكلم عن تعارض الوصل والإرسال، وهو من معضلات علم العلل.
أهداف الدرس: أن يفهم طالب العلم موضع النزاع بين الإمامين، وأن يعرف أن الحكم على الأحاديث مبني على غلبة الظن وليس على القطع، وأن يتعلم منهج الترجيح بين الروايات عند اختلاف الرواة، وأن يتأدب بأدب الردود العلمية التي تقوم على الدليل لا على التجريح.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: خطبة الحاجة وتذكير بأصول الإمام مسلم في المعنعن
افتتح الشيخ درسه بخطبة الحاجة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح خطبه، وتلا فيها الآيات المعروفة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]
ثم ذكّر بالأصول الأربعة التي بنى عليها الإمام مسلم قوله. الأول: دعوى الإجماع على قبول السند المعنعن من الثقة المعاصر دون اشتراط السماع. الثاني: أن من اشترط السماع مرة واحدة يلزمه أن يشترطه في كل حديث، لأن بعض من ثبت سماعهم يرسلون أحيانًا. الثالث: الإجماع على قبول رواية الصحابة بعضهم عن بعض مع الاكتفاء بالمعاصرة. الرابع: أن هذا الحكم يجري كذلك في التابعين الذين لم يُعرفوا بالتدليس.
المحور الثاني: مناقشة ابن رشيد لدعوى الإجماع
بيّن ابن رشيد رحمه الله أن الإجماع الذي ادّعاه مسلم ينتقض بقول من سبقه من الأئمة، كالإمام البخاري وشيخه علي بن المديني. فقد اشترط هؤلاء اللقاء أو السماع ولو مرة واحدة، وكانوا يُعِلّون الأحاديث بعدم سماع فلان من فلان وإن عاصره ولم يُعرف بالتدليس.
وذكر أيضًا أنه لا يصح ادعاء الإجماع في موضع النزاع نفسه. فالطرفان متفقان على قبول المعنعن من غير المدلس إذا ثبت اللقاء، ومسلم هو الذي أسقط هذا الشرط، فالمطالبة بالدليل تتوجه إليه. ولهذا قال ابن رشيد: «فنقصتَ أنت من شروط الإجماع شرطًا، فتتوجه عليك المطالبة بالدليل على إسقاطه».
ونبّه الشيخ إلى أن مطالبة مسلم لمخالفيه بالدليل تدل على أنه لم يكن جازمًا بالإجماع الذي نقله. فمن خالف إجماعًا قطعيًا لا يُطالَب بالدليل، بل يُنكَر عليه قوله مباشرة، كمن يستحل الربا أو السرقة. وهذا ما سماه ابن رشيد «توهينًا منك لنقل الإجماع في محل النزاع».
المحور الثالث: الحكم على الأحاديث مبني على غلبة الظن
في الجواب عن إلزام مسلم باشتراط السماع في كل حديث، قرّر الشيخ أن الحكم على الأحاديث بالصحة أو الضعف، فيما لم تُجمع عليه الأمة، مبني على حسن الظن وغلبة الظن الراجح، وليس على اليقين. فإذا ثبت أن الراوي سمع من شيخه في الجملة، حُملت عنعنته على السماع إحسانًا للظن بالثقة الذي لا يدلس.
واستدل على أن أوثق الناس يجوز عليه السهو والخطأ بأن النبي صلى الله عليه وسلم سها في صلاته. وذكر قصة التيمم حين تمعّك عمار رضي الله عنه في التراب كما تتمعّك الدابة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا»، ثم ضرب بيديه الأرض ومسح بهما وجهه وكفيه. وقد نسي عمر رضي الله عنه هذه الواقعة مع جلالة قدره. فإذا كان هذا حال الأكابر، فغيرهم أولى بأن يقع منهم الخطأ. وفي المقابل قد يصدق الكذاب أحيانًا.
وأشار الشيخ كذلك إلى أدب الردود العلمية، فالعلم رحم بين أهله، والرد على المخالف يكون بنقض أدلته بالعلم لا بالسباب. وهذا ما فعله ابن رشيد مع الإمام مسلم رحمهما الله.
المحور الرابع: أمثلة مسلم وحديث هشام بن عروة
مثّل الإمام مسلم لدليله الثاني بأربعة أسانيد ثبت فيها السماع ومع ذلك وقع فيها الإرسال: هشام بن عروة عن أبيه، وعروة عن خالته عائشة رضي الله عنها، وأبو سلمة عن عائشة، وعمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
وساق ابن رشيد بإسناده إلى الحاكم في «معرفة علوم الحديث» خبر يحيى القطان، أن هشام بن عروة حدّث عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا»، ثم ذكر الحديث بطوله. فلما سأله يحيى قال: لم أسمع من أبي إلا هذا، والباقي لم أسمعه، إنما هو عن الزهري. فهذا مثال على رواية هشام عن أبيه ما لم يسمعه منه.
وخلاصة ما احتج به مسلم من هذه الأمثلة أن من ثبت سماعه من شيخ ثم اختلف الرواة عنه، فزاد بعضهم بينه وبين شيخه رجلًا وأسقطه بعضهم، فإن مسلمًا يحكم لمن زاد بالاتصال ولمن نقص بالإرسال.
المحور الخامس: تعارض الوصل والإرسال وقواعد الترجيح
ردّ ابن رشيد بأن هذه المسألة من معضلات هذا العلم، وقال فيها: «وهي من باب العلل التي أعضل داؤها، ووجود الدواء يتعذر في كثير منها»، فلا يصح أن تُجعل دليلًا في محل النزاع. وليس هناك قاعدة مطّردة تقضي بأن الزائد هو المتصل دائمًا، أو أن الناقص هو المرسل دائمًا.
والمنهج الصحيح عند اختلاف الرواة هو النظر في حفظهم وكثرة عددهم وإتقانهم وسائر وجوه الترجيح. فإذا ترجحت رواية الزيادة فهي الأصح، وتكون الرواية الناقصة إرسالًا. وإذا ترجحت الرواية الناقصة كانت الزيادة وهمًا من بعض الرواة. وإذا تكافأت الروايتان حُمل الأمر على أن الراوي سمعه على الوجهين، لا سيما إذا كان من المكثرين عن شيخه، كهشام عن أبيه.
ولهذا تجد كتب العلل ترجح الإرسال أحيانًا، والوصل أحيانًا، وتحكم أحيانًا بأن الحديث رُوي على الوجهين. فباب الترجيح مفتوح، وليس هناك حكم عام يُلزَم به المخالف كما أراد مسلم رحمه الله.
النقاط الرئيسية
- بنى الإمام مسلم قوله بالاكتفاء بالمعاصرة في المعنعن على أربعة أصول، أولها دعوى الإجماع.
- ينتقض الإجماع الذي ادّعاه مسلم بقول البخاري وعلي بن المديني، فقد اشترطا اللقاء أو السماع ولو مرة.
- لا يصح ادعاء الإجماع في محل النزاع، والمطالبة بالدليل تتوجه إلى من أسقط شرطًا متفقًا عليه.
- مطالبة مسلم لمخالفيه بالدليل تدل على أنه لم يكن جازمًا بالإجماع الذي نقله.
- الحكم على الأحاديث مبني على غلبة الظن، وأوثق الناس قد يخطئ وأكذبهم قد يصدق.
- ثبوت السماع في الجملة يقتضي حمل عنعنة الثقة غير المدلس على الاتصال إحسانًا للظن به.
- تعارض الوصل والإرسال من معضلات العلل، ويُحسم بالترجيح بالحفظ والعدد والإتقان، لا بقاعدة مطّردة.
الفوائد والعبر
- التأدب بأدب الخلاف العلمي، فيكون الرد على المخالف، ولو كان إمامًا كبيرًا، بنقض أدلته بالعلم والإنصاف لا بالتجريح والسباب.
- التثبت قبل ادعاء الإجماع، ومعرفة أن موضع النزاع لا يُحتج فيه بالإجماع.
- إدراك أن البشر يقع منهم السهو والنسيان مهما علت منزلتهم، فلا يُتعصب لقول أحد إلا لقول النبي صلى الله عليه وسلم.
- تعلّم منهج الأئمة في الموازنة بين الروايات بجمع الطرق والنظر في أحوال الرواة قبل إصدار الأحكام.
- تعظيم علم علل الحديث، والصبر على تحصيله، فهو من أدق العلوم وأحوجها إلى الممارسة الطويلة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات