شرح جزء أبو عمرو الداني في مصطلح الحديث ( 11) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الحادي عشر من شرح "جزء أبي عمرو الداني في مصطلح الحديث" لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. ويواصل فيه الشيخ دراسة مسألة من أدق مسائل علم المصطلح وأشهرها خلافًا، وهي مسألة الإسناد المُعنعَن. وصورتها: راوٍ ثقة عاصر شيخه، ولم يُعرف بالتدليس، ولم يقم دليل على سماعه منه ولا على عدم سماعه.
فالإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله يحمل هذه العنعنة على الاتصال. أما إمام أهل الصنعة البخاري وشيخه علي بن المديني رحمهما الله فلا يحملانها على الاتصال حتى يثبت عندهما أن الراوي سمع من شيخه ولو مرة واحدة. وفي هذا الدرس يعرض الشيخ الأصول الأربعة التي بنى عليها الإمام مسلم مذهبه، ثم يبدأ في قراءة كلامه من مقدمة صحيحه وشرحه.
ومن أهداف هذا الدرس:
- تحرير محل النزاع في المسألة، انطلاقًا من القاعدة الأصولية: "الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره".
- فهم أدلة الإمام مسلم فهمًا دقيقًا قبل مناقشتها.
- التمهيد لعرض ردّ الإمام ابن رُشَيد الفِهري، وهو نموذج في نقد الأئمة بأدب وتوقير ومناقشة علمية رصينة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: خطبة الحاجة ومدخل الدرس
افتتح الشيخ الدرس بخطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يعلّمها أصحابه، وفيها الآيات الثلاث الآمرة بالتقوى والقول السديد. ثم ذكّر الحاضرين بأن الدرس الماضي حرّر وجه الخلاف بين الإمام مسلم من جهة، والإمامين البخاري وابن المديني من جهة أخرى.
ومما تلاه الشيخ في الخطبة قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]
ومن الحديث الذي ورد في الخطبة:
«فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ»
المحور الثاني: الأصول الأربعة التي بنى عليها الإمام مسلم مذهبه
لخّص الشيخ الأدلة التي بنى عليها الإمام مسلم قوله في قبول الإسناد المعنعن، وأعادها أكثر من مرة لترسخ في أذهان الطلاب، وهي أربعة:
- الأول، وهو عمدة أدلته: ادعاء الإجماع على قبول الإسناد المعنعن بهذه الصفة مطلقًا، من غير اشتراط السماع ولو مرة واحدة، بشرط السلامة من التدليس.
- الثاني: إلزام المخالف بنفي الصحة أو عدم إثباتها لكل إسناد معنعن حتى يُعرف السماع فيه من أوله إلى آخره؛ لأن الإرسال جائز ممكن حتى من غير المدلس.
- الثالث: الإجماع على قبول رواية الصحابة بعضهم عن بعض، دون بحث عن لقاء أو سماع، بل بمجرد المعاصرة.
- الرابع: الإجماع على قبول أحاديث التابعين السالمين من وصمة التدليس إذا عنعنوا عن صحابة ثبتت معاصرتهم لهم، وإن لم يُعلم لقاء ولا سماع، كما هو الأصل في أحاديث الصحابة رضي الله عنهم.
وبيّن الشيخ أن الواجب تجاه هذه الأدلة أحد أمرين: إما قبول مذهب الإمام مسلم والتسليم له، وإما الاعتراض عليه بأدب وتوقير؛ لأنه أحد أئمة المسلمين. فيُنظر في أدلته: هل يُسلَّم له بها؟ وهل استدلاله بها صحيح لا يعتريه وهم، أم وقع فيه بعض الخطأ؟
المحور الثالث: مطالبة الإمام مسلم للمخالف بالسلف والدليل
قرأ الشيخ من كلام الإمام مسلم قوله: "فيقال لمخترع هذا القول الذي وصفنا مقالته، أو للذاب عنه: قد أعطيت في جملة قولك أن خبر الواحد الثقة عن الواحد الثقة حجة يلزم به العمل، ثم أدخلت فيه الشرط بعد...". ومعنى ذلك أن الطرفين متفقان على قبول المعنعن، لكن المخالف زاد شرطًا هو ثبوت السماع ولو مرة واحدة.
ثم يطالب مسلمٌ المخالفَ بأمرين: أن يسمّي سلفه من علماء الأمة في هذا الشرط، وأن يأتي بدليل عليه، على حد قوله تعالى:
﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 111]
ويقطع الإمام مسلم بأن المخالف لن يجد سلفًا يسمّيه، ولن يجد إلى ذلك سبيلًا. وهذا تأكيد منه لدعوى الإجماع، وأن شرط السماع شرط زائد على المتفق عليه.
المحور الرابع: الدليل الذي افترضه مسلم على لسان المخالف
افترض الإمام مسلم أن أقصى ما يحتج به المخالف أنه وجد رواة الأخبار، قديمًا وحديثًا، يروي بعضهم عن شيوخ لم يروهم ولم يسمعوا منهم. فلما رآهم يستجيزون الرواية على وجه الإرسال، والمرسل في أصل قول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة، احتاج إلى البحث عن سماع كل راوٍ ممن روى عنه.
فإذا ثبت عنده السماع ولو في أدنى شيء، حمل جميع روايته عنه على الاتصال، ما دام الراوي سالمًا من التدليس. وإذا غاب عنه إثبات السماع توقف في الخبر، والتوقف هنا يعني عدم العمل به وعدم تصحيحه.
ونبّه الشيخ إلى أن هذا كلام الخصم الذي افترضه مسلم ليردّ عليه، لا كلام مسلم نفسه. ونبّه كذلك إلى أن "الإرسال" هنا بمعنى الانقطاع، لا بالمعنى الاصطلاحي المتأخر؛ لأن المرسل والمنقطع كانا يُطلقان في الزمن الأول بمعنى واحد.
المحور الخامس: إلزام مسلم للمخالف ومثال هشام بن عروة
ردّ الإمام مسلم على ذلك بالأصل الثاني: إن كانت العلة في تضعيف الخبر هي إمكان الإرسال، لزمك ألا تُثبت إسنادًا معنعنًا حتى ترى فيه السماع من أوله إلى آخره. وهذا يترتب عليه تضعيف كثير من أصح الأسانيد، كمالك عن نافع عن ابن عمر، وأبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، والزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.
ومثّل مسلم لذلك برواية هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها. فنحن نعلم يقينًا أن هشامًا سمع من أبيه، وأن عروة سمع من خالته عائشة، وأن عائشة سمعت من النبي ﷺ. ومع ذلك يجوز أن يكون هشام لم يسمع حديثًا بعينه من أبيه، بل سمعه من غيره عنه، ثم رواه عن أبيه بالعنعنة.
فمراد مسلم أن ثبوت السماع في الجملة لا يمنع احتمال الإرسال في حديث بعينه. فإن كان الاحتمال هو العلة، لزم المخالف أن يشترط السماع في كل حديث، وهذا باطل بالاتفاق.
وأشار الشيخ إلى أن الإمام مسلمًا شنّع على مخالفه في بداية كلامه، وفسّر ذلك بأنه من حدّة الإمام رحمه الله، وأن العالم إذا تشبّع قلبه بمسألة دافع عنها بقوة.
النقاط الرئيسية
- محل النزاع: راوٍ ثقة معاصر لشيخه، غير مدلس، لا دليل على سماعه ولا على عدمه. مسلم يحمله على الاتصال، والبخاري وابن المديني يشترطان ثبوت اللقاء ولو مرة.
- بنى الإمام مسلم مذهبه على أربعة أصول، عمدتها ادعاء الإجماع على قبول المعنعن من غير اشتراط السماع.
- طالب مسلم المخالف بتسمية سلفه وإقامة الدليل، وجزم بأنه لن يجد إلى ذلك سبيلًا.
- افترض مسلم أن حجة المخالف هي وجود الإرسال بين الرواة، والمرسل ليس بحجة، فاحتاج إلى إثبات السماع.
- ألزم مسلم المخالف بألا يصحح إسنادًا معنعنًا حتى يثبت السماع في كل طبقة وكل حديث، لأن احتمال الإرسال قائم حتى مع ثبوت السماع في الجملة.
- "الإرسال" في عرف المتقدمين يُطلق على الانقطاع عمومًا.
- المنهج الصحيح في المسائل الخلافية: تحرير مذهب الإمام، ثم النظر في الأدلة، ثم الترجيح.
الفوائد والعبر
- تصوّر المسألة قبل الحكم عليها: لا يصح الترجيح في مسألة علمية قبل فهم أقوال أصحابها وأدلتهم فهمًا دقيقًا، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره.
- أدب الخلاف مع الأئمة: يُرَدّ على العالم الكبير بأدب وتوقير ومناقشة علمية للأدلة، كما فعل الإمام ابن رُشَيد الفِهري، لا بالتنقص والتجريح.
- التثبت من دعاوى الإجماع: إذا ادعى إمام كبير الإجماع، وجب على طالب العلم أن يتأمل ويتثبت، فإن خالفه فبأدلة في غاية الوضوح والبيان.
- التفريق بين مذهب المؤسس وأقوال أتباعه: قد يختلف قول الإمام المؤسس عن أقوال المتأخرين في مذهبه، فلا بد من تحرير قول الإمام نفسه.
- الصبر على دقائق العلم: مسائل المصطلح والعلل شائكة تحتاج إلى نَفَس طويل، وفهمها أساس الحكم على الأحاديث تصحيحًا وتضعيفًا والعمل بها.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات