شرح كتاب "صحيح الإمام البخاري " الشرح الثاني الدرس رقم ( 156) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,171 مشاهدة
133 مشاركة
منذ 3 سنوات
```html

المقدمة

يقدّم فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري -حفظه الله- الدرس السادس والخمسين بعد المائة من الشرح الثاني لكتاب «الجامع الصحيح» للإمام محمد بن إسماعيل البخاري -رحمه الله-. ويتناول الدرس أبوابًا من «كتاب الأحكام»، وهو كتاب يعالج صلة الراعي بالرعية، وحدود طاعة ولاة الأمر، والمسؤولية الملقاة على كل فرد في موقعه.

تزداد أهمية هذا الموضوع لأنه يضع الأصل الشرعي الذي ينتظم به أمر الجماعة المسلمة. فطاعة الله ورسوله ﷺ هي الأصل، وطاعة أولي الأمر تابعة لها ومقيّدة بها. والسمع والطاعة في المعروف من أسباب الأمن والاجتماع، والخروج عنها باب من أبواب الفتنة والفرقة.

أهداف الدرس: معرفة معنى «الأحكام» وأقسامها عند العلماء، وفهم مراد الإمام البخاري من تبويبه بقول الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾، وإدراك قاعدة «إنما الطاعة في المعروف»، واستحضار المسؤولية الفردية في حديث «كلكم راعٍ».

المحاور الرئيسية

المحور الأول: مدخل إلى كتاب الأحكام ومعنى الحكم الشرعي

بيّن الشيخ أن الأحكام الشرعية عند الأصوليين قسمان. الأول: الحكم التكليفي، وهو خمسة أنواع: الواجب، والمحرّم، والمستحب، والمكروه، والمباح. والثاني: الحكم الوضعي، وهو ما وضعه الشارع علامةً على الحكم، كالسبب والشرط والمانع، والصحة والفساد.

أما «كتاب الأحكام» في صحيح البخاري فالمقصود به أساسًا أحكام الولاية والقضاء والإمارة. ولهذا افتتحه الإمام البخاري بذكر طاعة الله ورسوله وأولي الأمر؛ لأن الحكم كله لله، ولا يُنفَّذ أمر أحد من الخلق إلا إذا كان موافقًا لحكم الله ورسوله ﷺ.

المحور الثاني: باب قول الله تعالى ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾

صدّر الإمام البخاري الباب بهذه الآية العظيمة. وقد أعاد فيها فعل الطاعة مع الله ومع الرسول ﷺ، ولم يُعِده مع أولي الأمر. وفي ذلك إشارة إلى أن طاعة الله ورسوله مستقلة، أما طاعة ولاة الأمر فتابعة لطاعة الله ورسوله، فلا طاعة لهم في معصية.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾

[النساء: 59]

وأورد البخاري تحت هذا الباب حديث أبي هريرة رضي الله عنه:

«مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي»

[رواه البخاري]

المحور الثالث: المسؤولية العامة في حديث «كلكم راعٍ»

يبيّن هذا الحديث أن الرعاية والمسؤولية لا تقتصر على الحكّام، بل تشمل كل فرد في موقعه: الإمام في رعيته، والرجل في بيته، والمرأة في بيت زوجها وولدها، والخادم في مال سيده. وكلٌّ منهم سيُسأل يوم القيامة عمّا استُرعي.

«أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»

[رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما]

المحور الرابع: السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية

قرّر الشيخ أن السمع والطاعة لولاة الأمر واجبان على المسلم فيما يحب وفيما يكره، ما لم يُؤمَر بمعصية. فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة في تلك المعصية بعينها، مع بقاء أصل البيعة ولزوم الجماعة.

«السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ»

[رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما]

واستشهد الشيخ بقصة السريّة التي أمّر عليها النبي ﷺ رجلًا من الأنصار. غضب الأمير على أصحابه، فأمرهم بجمع الحطب وإيقاد نار ثم الدخول فيها. فتوقفوا وقال بعضهم: إنما تبعنا النبي ﷺ فرارًا من النار. فلما ذُكر ذلك للنبي ﷺ قال:

«لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ»

[رواه البخاري من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه]

النقاط الرئيسية

  • الأحكام الشرعية قسمان: تكليفية (الواجب، المحرم، المستحب، المكروه، المباح) ووضعية (كالسبب والشرط والمانع والصحة والفساد).
  • افتتح الإمام البخاري كتاب الأحكام بآية طاعة الله ورسوله وأولي الأمر، وفي ذلك إشارة إلى أن الحكم كله لله.
  • طاعة الرسول ﷺ من طاعة الله، وطاعة الأمير في المعروف من طاعة الرسول ﷺ.
  • تكرار فعل «أطيعوا» مع الله والرسول دون أولي الأمر دليل على أن طاعة الولاة تابعة ومقيّدة.
  • كل مسلم راعٍ ومسؤول عن رعيته بحسب موقعه: في الحكم، أو الأسرة، أو العمل.
  • السمع والطاعة واجبان في المنشط والمكره، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
  • قصة السريّة أصلٌ في أن الطاعة إنما تكون في المعروف، وأن طاعة الأمير في المعصية سبب للهلاك.

الفوائد والعبر

  • تقديم أمر الله ورسوله ﷺ: يُعرض كل أمر على الكتاب والسنة، ويُردّ إليهما عند التنازع.
  • استشعار المسؤولية: يحاسب المسلم نفسه على من تحت يده من أهل وولد وعمل ومال، لأنه مسؤول عنهم أمام الله.
  • لزوم الجماعة ونبذ الفرقة: السمع والطاعة في المعروف صمام أمان للمجتمع، يحفظ الدماء ويجمع الكلمة.
  • الوعي الشرعي المتوازن: المسلم لا يطيع طاعة عمياء في المعصية، ولا يخرج على الجماعة، بل يلتزم المعروف ويجتنب المنكر.
  • الرجوع إلى العلماء عند الإشكال: الصحابة في قصة السريّة توقفوا ثم رفعوا الأمر إلى النبي ﷺ، وهذا منهج في ردّ المشتبهات إلى أهل العلم.
``` ملاحظة: النص المفرّغ تالف في معظمه. استنتجتُ موضوع الدرس (أبواب من كتاب الأحكام في صحيح البخاري) من العبارات المقروءة فيه، مثل ذكر الأحكام التكليفية والوضعية، وطاعة أولي الأمر، و«ألا كلكم...»، وقصة السريّة. لذلك أُخذت نصوص الأحاديث من صحيح البخاري مباشرة لا من التفريغ، ويُستحسن مراجعة الوصف على التسجيل للتأكد من مطابقته لما ورد في الدرس فعلًا.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات