" قواعد في علم الرجال " ( 2 ) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

882 مشاهدة
185 مشاركة
منذ 4 سنوات

المقدمة

يُعدّ علم الرجال من أجلّ علوم الحديث وأدقّها، فبه يُعرف الصحيح من السقيم، ويُميَّز حديث الثقات من غيرهم. وأدقّ ما فيه معرفة طبقات أصحاب الأئمة المكثرين، أي من هو أوثق الناس وأثبتهم في شيخ بعينه. فالراوي قد يكون ثقة في الجملة، ثم يكون في شيخ معيّن دون غيره من أقرانه، أو يكون حديثه في بلد أصحّ منه في بلد آخر.

وفي هذا الدرس، وهو الدرس الثاني من سلسلة «قواعد في علم الرجال» والسابع والعشرون من دروس الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري الصباحية، يواصل الشيخ بيان أوثق أصحاب الأئمة الكبار، كنافع مولى ابن عمر ويحيى بن أبي كثير وهشام بن عروة وابن جريج. ويعتمد في ذلك على أقوال أئمة النقد كالإمام أحمد وعلي بن المديني ويحيى بن معين. ويستخرج من هذه الأمثلة قواعد نافعة في التعامل مع اختلاف الروايات والزيادات.

أهداف الدرس: معرفة مراتب أصحاب الأئمة المكثرين، وفهم أثر البلد والكتاب في ضبط الراوي، والتمييز بين الاضطراب الذي يدل على الضعف وبين الرواية على الوجهين من الإمام الحافظ، مع لمحة عن مسألة زيادة الثقة ومعنى بعض المصطلحات عند المتقدمين.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الافتتاح بخطبة الحاجة والتذكير بأصول الاتباع

افتتح الشيخ درسه بخطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يعلّمها أصحابه، وفيها الأمر بتقوى الله والتحذير من محدثات الأمور. وفي ذلك تذكير بأن علم الحديث والرجال إنما شُرع لحفظ السنة وصيانتها من الدخيل. ثم دعا لنفسه وللحاضرين بالعلم النافع والعمل الصالح والثبات.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].

وقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].

وقال النبي ﷺ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» [رواه مسلم].

المحور الثاني: أوثق أصحاب نافع ويحيى بن أبي كثير

بدأ الشيخ بمراجعة ما سبق في أوثق أصحاب نافع مولى ابن عمر. ومن أثبتهم: الإمام مالك بن أنس، وعبيد الله بن عمر العمري، وأيوب السختياني، ويأتي بعدهم ابن جريج. وأما أخوه عبد الله بن عمر العمري المكبَّر ففيه ضعف، وهو دون أخيه عبيد الله بكثير.

ثم انتقل إلى يحيى بن أبي كثير، فنقل عن الإمام أحمد تقديمه هشامًا الدستوائي على غيره مطلقًا، وكانت وفاته سنة أربع وخمسين ومائة على المشهور. قال أحمد: ليس أحد أصحّ حديثًا عن يحيى منه، ثم يليه أبان بن يزيد العطار، ثم همام وشيبان والأوزاعي. وكذلك قدّمه علي بن المديني، فلما سُئل عن أثبت أصحاب يحيى قال: هشام الدستوائي.

وأشار الشيخ إلى أن الأوزاعي، مع إمامته وجلالته، ذكر أحمد في رواية غير واحد من أصحابه أنه لم يكن يقيم حديث يحيى بن أبي كثير كما يقيمه هشام، فكان يخطئ في بعض الأسانيد. وفي هذا دليل على أن الإمامة العامة لا تستلزم التقدّم في كل شيخ.

المحور الثالث: هشام بن عروة وأثر البلد في صحة الرواية

تناول الشيخ ترجمة هشام بن عروة، وهو إمام ثقة، إلا أن الأئمة فرّقوا بين حديثه بالمدينة وحديثه بالعراق. فقد ذكر الإمام أحمد أن حديث أهل المدينة عنه، كمالك، في غاية الصحة. وأما بعد قدومه العراق فصار يتساهل في الرواية، فيرسل أحيانًا ما كان يسنده، وينسب إلى أبيه ما سمعه من غيره. وكان مالك ينكر بعض ما يرويه عنه أهل العراق.

ونقل الشيخ أن هشامًا قدم الكوفة ثلاث مرات. ففي الأولى كان يقول: «حدثني أبي قال: سمعت عائشة». وفي الثانية: «أخبرني أبي عن عائشة». وفي الثالثة: «أبي عن عائشة»، فلا يذكر صيغة السماع. ومن أوثق أصحابه: مالك وسفيان الثوري ويحيى بن سعيد القطان، وأثنى أحمد على رواية أبي أسامة حماد بن أسامة عنه. وبيّن الشيخ أن الرافضي في اصطلاح المتقدمين قد يُطلق على من يقدّم عليًّا رضي الله عنه على الشيخين أو يتكلم فيهما دون سبّ أو تكفير، وهذا يختلف عن غلاة الرافضة المتأخرين الذين حذّر الشيخ من عقائدهم الباطلة.

وذكر أن أبا الأسود محمد بن عبد الرحمن، يتيم عروة، قيل فيه إنه أعلم بعروة من ابنه هشام. وأورد حديث عائشة رضي الله عنها في نزول المحصّب: «إِنَّمَا كَانَ مَنْزِلٌ يَنْزِلُهُ النَّبِيُّ ﷺ لِيَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ» [رواه البخاري]، مثالًا على ما يرويه أبو الأسود عن عروة.

المحور الرابع: قاعدة في الاختلاف على الراوي بين الوصل والإرسال والرفع والوقف

قرّر الشيخ قاعدة مهمة: إذا وقع الاختلاف على راوٍ، فرُوي عنه الحديث مرة موصولًا ومرة مرسلًا، أو مرة مرفوعًا ومرة موقوفًا، نُظر أولًا في حال الرواة عنه. فإن كان الاختلاف من الضعفاء عنه فالحمل عليهم لا عليه.

وإن كان الاختلاف منه هو، نُظر في حاله. فإن كان من الأئمة المكثرين الذين يُحتمل تفرّدهم ولم يُعرف بتغيّر، حُمل ذلك على أنه رواه على الوجهين. فمن عادة العلماء المكثرين أنهم ينشطون أحيانًا فيسندون، ويقصرون أحيانًا لملل أو اختصار فيرسلون. وأما إن كان الراوي ممن لم يضبط حديثه، فاضطرب فيه مرة يرسله ومرة يصله ومرة يرفعه ومرة يقفه، فهذا اضطراب يدل على ضعفه وعدم ضبطه.

وأشار كذلك إلى مسألة زيادة الثقة. فالأئمة لا يقبلونها مطلقًا ولا يردّونها مطلقًا، بل يجتهدون في كل حديث على حدة. فيفرّقون بين الزيادة المقبولة وبين المخالفة التي يُحكم عليها بالشذوذ، ولو كانت من ثقة إذا خالف من هو أوثق منه أو أكثر عددًا.

المحور الخامس: أوثق أصحاب ابن جريج والرواية من كتب الناس

ختم الشيخ بالحديث عن ابن جريج. ونقل أن أوثق أصحابه على الإطلاق حجاج بن محمد المصيصي الأعور، كما قال يحيى بن معين وغيره. وذكر أن الناظر يتعجّب من تقديم ابن معين لحجاج، حتى إذا تأمّل حديث ابن جريج وجد الأمر كما قال.

ونقل عن الإمام أحمد أن ابن جريج كان أحيانًا يحدّث من كتب غيره. وبيّن الشيخ أن الرواية من الكتاب إنما تُعتمد إذا كان الكتاب كتاب الراوي نفسه، يعرف خطّه ويحفظه ويتيقّن أنه من مروياته. أما كتب الناس فلا يُطمأن إليها تمام الاطمئنان، ولذلك يُتحرّى في هذا النوع من حديثه.

النقاط الرئيسية

  • من أوثق أصحاب نافع: مالك وعبيد الله بن عمر وأيوب، وعبد الله بن عمر العمري فيه ضعف.
  • هشام الدستوائي أثبت الناس في يحيى بن أبي كثير عند أحمد وابن المديني، ثم أبان العطار وهمام وشيبان والأوزاعي.
  • الإمامة العامة لا تعني التقدّم في كل شيخ، فالأوزاعي لم يكن يقيم حديث يحيى بن أبي كثير كما يقيمه هشام.
  • حديث المدنيين عن هشام بن عروة أصحّ من حديث العراقيين عنه، لتساهله في الرواية بعد قدومه العراق.
  • الاختلاف وصلًا وإرسالًا أو رفعًا ووقفًا يُحمل من الإمام المكثر على الوجهين، ويُعدّ من غير الضابط اضطرابًا يدل على ضعفه.
  • زيادة الثقة لا تُقبل مطلقًا ولا تُردّ مطلقًا، بل يُنظر فيها بالقرائن.
  • حجاج بن محمد المصيصي أوثق أصحاب ابن جريج، والرواية من كتب الناس دون الرواية من كتاب الراوي نفسه.

الفوائد والعبر

  • ينبغي لطالب الحديث ألا يكتفي بمعرفة حال الراوي إجمالًا، بل يعرف منزلته في كل شيخ وفي كل بلد حدّث فيه.
  • دقة أئمة النقد وإنصافهم، إذ ينتقدون الإمام الجليل في موضع خطئه دون أن يُسقطوا منزلته، وهذا أدب علمي ينبغي التحلّي به.
  • ضرورة الرجوع إلى أقوال الأئمة المتقدمين كأحمد وابن المديني وابن معين في الحكم على الروايات، وعدم الاستقلال بالقواعد المجردة.
  • فهم المصطلحات على وفق اصطلاح أهلها في زمانهم، كمصطلح «الرافضي» عند المتقدمين، حتى لا يُحمل كلامهم على غير مرادهم.
  • الحرص على التثبّت والضبط وتوثيق المصادر في نقل العلم، اقتداءً بمنهج المحدّثين في التفريق بين الكتاب المتقن وكتب الآخرين.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات