خطبة جمعة بعنوان ---- : " المخرج من الفتنة " لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

3,593 مشاهدة
347 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

في هذه الخطبة المباركة بعنوان «المخرج من الفتنة» يقف فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري عند حال الأمة حين تتوالى عليها المحن والفتن. فقد ضُيِّعت الأمانة، ووُسِّد الأمر إلى غير أهله، واستولى اليأس والإحباط على قلوب كثير من الناس حتى ظنوا ألّا أمل في إصلاح ولا رجاء في غدٍ أفضل. ويبيّن الشيخ أن ما يصيب العباد إنما هو بما كسبت أيديهم، وأن الكون كون الله والأمر أمره، فلا مكان للقنوط ما دامت القلوب معلقة بالحي الذي لا يموت.

ولا تقف الخطبة عند وصف الداء، بل ترسم طريق الخروج من الفتن على ضوء الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة. ومعالم هذا الطريق: تقوى الله، والسمع والطاعة لولاة الأمر في غير معصية، ولزوم سنة النبي ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين، والاستقامة على أمر الله، والإلحاح في الدعاء، وتفريج كربات المسلمين، ونبذ الحزبية والتفرق.

أهداف التعلم: أن يدرك المشاهد أسباب نزول الفتن وطرق رفعها، وأن يعالج اليأس في نفسه بتعليق القلب بالله، وأن يتعرف على منهج أهل السنة في التعامل مع الحكام زمن الفتن، وأن يتخذ من الأعمال الصالحة والدعاء وأخوة الإيمان وسائل عملية للنجاة.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: واقع الفتن وعلاج اليأس والقنوط

يبدأ الشيخ بالتذكير بعلامة من علامات الساعة أخبر بها النبي ﷺ، وهي تضييع الأمانة وإسناد الأمر إلى غير أهله. ويشير إلى أن كثيرًا من الناس حين رأوا هذا الواقع أصابهم اليأس والإحباط، فقالوا: لا أمل في الإصلاح ولا في الخير ولا في الغد. ويعدّ الشيخ ذلك نوعًا من اليأس المذموم.

ويقرر أن المصائب إنما تنزل بما كسبت أيدي العباد، وأن الفتنة إذا وقعت لم تقتصر على الظالمين وحدهم. ثم يدعو إلى تعليق القلوب بملك الملوك، فرحمته وسعت كل شيء ولن تضيق على عباده بإذنه. غير أن الرجاء لا يغني عن الأخذ بأسباب العزة والكرامة والقوة ورفع الفتن.

قال النبي ﷺ: «إِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» (رواه البخاري).

قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30]، وقال سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: 25].

المحور الثاني: وصية النبي ﷺ عند الاختلاف – التقوى والسمع والطاعة

يتخذ الشيخ حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه أصلًا في بيان طريق النجاة. فقد وعظ النبي ﷺ أصحابه موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فطلبوا وصيته، فأوصاهم بتقوى الله أولًا. والتقوى وصية الله للأولين والآخرين، وهي سبب كل خير وطريق الخروج من المحن والفقر والعوز.

ثم يتناول الوصية الثانية، وهي السمع والطاعة لولي الأمر في غير معصية الله ولو كان فيه ضعف أو خطأ. ويستدل الشيخ بالتاريخ على أن الخروج على الحكام لم يجلب للأمة إلا إراقة الدماء وتتابع الفتن، وإن بدا في ظاهره شيء من الخير. ويقرر أن هذا هو منهج أهل السنة قديمًا وحديثًا، حقنًا لدماء المسلمين وسدًّا لأبواب الفتن، مع الدعاء بصلاح الراعي والرعية.

وينتقد الشيخ التناقض الذي يقع فيه بعض الناس حين يتعاملون مع ولاة الأمر بحسب أهوائهم وانتماءاتهم، لا بحسب المنهج الشرعي الثابت. ويحذّر من الانسياق وراء خطاب الإعلام والفضائيات الذي يؤجج الناس على حكامهم.

قال ﷺ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه).

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 131].

وقال ﷺ: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ» (رواه مسلم).

المحور الثالث: لزوم منهج الصحابة والاستقامة على أمر الله

يؤكد الشيخ أن الميزان الذي توزن به الأمور هو منهج أصحاب رسول الله ﷺ. فنفهم دين الله كما فهموه، ونعمل به كما عملوا، وما تركوه فلسنا أحرص منهم على الدين ولا أعلم به. ومن خالف سبيلهم فقد عرّض نفسه للوعيد الشديد.

ويحذّر الشيخ من اختراع مناهج جديدة يُوالى عليها ويُعادى، سواء كانت ديمقراطية أو اشتراكية أو غيرها. فبهذه المناهج يُقدَّم الموافق ولو كان من أفسق الناس، ويُنبذ المخالف ولو كان من أعلم الخلق وأتقاهم. ويرى الشيخ أن ذلك تلاعب بالدين وانحراف عن سبيل المؤمنين. ثم يجعل الاستقامة على أمر الله من أعظم أسباب رفع الفتن، مستشهدًا بحديث سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه.

قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115].

وعن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ، قَالَ: «قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ» (رواه مسلم).

وقال الإمام مالك رحمه الله: «لَنْ يَصْلُحَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا بِمَا صَلَحَ بِهِ أَوَّلُهَا».

المحور الرابع: الدعاء سلاح المؤمن وقصة أصحاب الغار

يصف الشيخ الدعاء بأنه أعظم سلاح على وجه الأرض، سلاح لا يملكه غير المؤمنين، يفوق أسلحة الدمار جميعها، به تتحرك الصخور وتتغير خواص الماديات. ويذكّر بنزول الرب سبحانه في الثلث الأخير من الليل نزولًا يليق بجلاله دون تشبيه، وقوله: هل من سائل فأعطيه؟ ويدعو إلى التأمل في تودّد الله لعباده وهو الغني عنهم.

ثم يسرد قصة الثلاثة الذين آواهم المطر إلى غار، فانحدرت صخرة فسدّت عليهم بابه. لم يكن معهم سلاح ولا أداة، ولم يكن لهم إلا الدعاء والتوسل إلى الله بصالح أعمالهم. ويقف الشيخ طويلًا عند الأول الذي توسل ببرّه بوالديه: بات قائمًا بالإناء حتى طلع الفجر، وصبيته يتضاغون من الجوع عند قدميه، فلم يقدّم عليهما أهلًا ولا ولدًا. ويتساءل الشيخ: أين برّنا بوالدينا؟ ثم يدعو إلى الثبات على دين الله وتعليق القلوب بالواحد القهار.

قال ﷺ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» (متفق عليه).

ومن قصة أصحاب الغار: «اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ» (متفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما).

قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].

المحور الخامس: تفريج الكربات ونبذ الحزبية ووحدة الصف

ومن أسباب رفع المحن التي يذكرها الشيخ: السعي في تفريج كربات المسلمين ورفع المصائب والآلام عن المبتلين، انطلاقًا من أخوة الإيمان وحب الخير للمسلمين كما يحبه المرء لنفسه.

ومن أعظم أسباب الخروج من المحنة كذلك: «تطليق الحزبية». فالحزبية في نظر الشيخ سبب كل شر، لأنها لا تفرّق بين موحّد وملحد، وغايتها الأصوات والأنصار. ويضرب مثلًا بما جرّته الحزبية على بلاد الشام حين تسلّط النصيريون على الحكم من خلال حزب البعث. ويذكّر بأن الأمة لها إله واحد ورسول واحد وكتاب واحد وقبلة واحدة.

ويستشهد الشيخ بموقف النبي ﷺ حين تنادى المهاجري والأنصاري بعصبية الجاهلية، فأنكر ذلك وقال: «دعوها فإنها منتنة». ثم يختم بأن معية الله الخاصة، معية النصر والتأييد والتمكين، تتنزل إذا نصر العباد دين ربهم وغيّروا ما بأنفسهم، وأن الواجب السعي لتغيير الواقع الأليم وفق الشرع الحكيم.

قال ﷺ: «وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (متفق عليه)، وقال ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (متفق عليه).

وقال ﷺ في دعوى الجاهلية: «مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟... دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» (متفق عليه من حديث جابر رضي الله عنه).

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]، ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۝ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 31-32]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 159].

وقال تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

النقاط الرئيسية

  • تضييع الأمانة وإسناد الأمر إلى غير أهله من علامات الساعة، والمصائب تنزل بما كسبت أيدي العباد.
  • اليأس والقنوط مذمومان، والواجب تعليق القلوب بالله مع الأخذ بأسباب العزة ورفع الفتن.
  • تقوى الله وصية الله للأولين والآخرين، وهي أصل كل مخرج من الضيق والمحنة.
  • السمع والطاعة لولاة الأمر في غير معصية منهج أهل السنة، حقنًا للدماء وسدًّا لأبواب الفتن.
  • الميزان في فهم الدين والعمل به هو منهج الصحابة والخلفاء الراشدين، والحذر من المحدثات والمناهج المخترعة.
  • الدعاء أعظم سلاح للمؤمن، والتوسل بالأعمال الصالحة الخالصة سبب لتفريج الكروب، كما في قصة أصحاب الغار.
  • تفريج كربات المسلمين ونبذ الحزبية والعصبية والاعتصام بحبل الله من أعظم أسباب رفع المحن ونزول النصر.

الفوائد والعبر

  • أن يواجه المسلم الفتن بقلب متعلق بالله، فيطرد اليأس ويبدأ الإصلاح من نفسه، لأن تغيير الواقع يبدأ بتغيير ما بالأنفس.
  • أن يجعل الدعاء في جوف الليل عادة ثابتة، ويدّخر لنفسه أعمالًا صالحة خالصة يتوسل بها إلى الله عند الشدائد.
  • أن يجتهد في برّ والديه ويقدّمهما على نفسه وأهله، اقتداءً بصاحب الغار الذي فرّج الله عنه ببرّه.
  • أن يسعى في قضاء حوائج إخوانه وتفريج كرباتهم، فالجزاء من جنس العمل.
  • أن يحذر من التعصب الحزبي والانقياد للإعلام المؤجج، ويحرص على وحدة الصف وحقن الدماء، ويلتزم فهم السلف الصالح للكتاب والسنة.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات