خطبة جمعة بعنوان :"العصمة من الفتن وحرمة الخروج على الحكام" لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,652 مشاهدة
420 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

في زمنٍ تتلاطم فيه أمواج الفتن وتكثر فيه الشبهات والشهوات، تأتي هذه الخطبة المباركة لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري بعنوان «العصمة من الفتن وحرمة الخروج على الحكام». يبيّن فيها الشيخ خطورة الفتن على القلوب والأديان، وكيف أخبر النبي ﷺ أن السعيد من جُنِّب الفتن، وأن الدنيا لم يبق منها إلا بلاءٌ وفتنة.

ويعرض الشيخ الأسباب الشرعية التي يعتصم بها المسلم من الفتن، ومنها الاعتصام بالكتاب والسنة، والمبادرة إلى الأعمال الصالحة، ولزوم العلماء الراسخين، والصبر، والدعاء. ثم يقرر منهج أهل السنة والجماعة في معاملة ولاة الأمور، وهو السمع والطاعة في المعروف وتحريم الخروج عليهم، ويبيّن ما يجرّه الخروج والمظاهرات على الأمة من سفك الدماء وضياع الأعراض والأموال.

ويهدف هذا الدرس إلى أن يعرف المسلم حقيقة الفتن وأثرها على القلب، وأن يتعلم سبل النجاة منها، وأن يرسخ في نفسه المنهج النبوي في التعامل مع الحكام زمن الفتن والاضطرابات.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: خطورة الفتن وأثرها على القلوب

بدأ الشيخ ببيان أن الدنيا دار ابتلاء، وأن السعادة الحقيقية في السلامة من الفتن أو الصبر عليها إن وقعت. واستدل بحديث المقداد بن الأسود رضي الله عنه عند أبي داود بإسناد جيد، وبحديث معاوية رضي الله عنه عند ابن ماجه.

عن المقداد رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، وَلَمَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ فَوَاهًا». وعن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا بَلَاءٌ وَفِتْنَةٌ».

ثم بيّن الشيخ أن الفتن تُعرض على القلوب، فمن القلوب ما ينكرها فيبيضّ ويصفو، ومنها ما يتشربها فيسودّ وينتكس. واستدل بحديث حذيفة رضي الله عنه في صحيح مسلم: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ».

ونقل الشيخ وصية شيخ الإسلام ابن تيمية لتلميذه ابن القيم رحمهما الله: لا تجعل قلبك كالإسفنجة يتشرب كل فتنة وشبهة، بل اجعله كالزجاجة المصمتة الصافية، تمر الشبهات بظاهرها فتراها بصفائها وتدفعها بصلابتها. وقرر أن ميزان الحق هو هدي النبي ﷺ، فما خالفه فهو من الفتن والضلال، لقوله ﷺ: «خَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ»، وقوله: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى».

المحور الثاني: الهدي النبوي في اعتزال الفتن

ساق الشيخ حديث حذيفة رضي الله عنه في الصحيحين، إذ كان يسأل النبي ﷺ عن الشر مخافة أن يدركه، فأخبره عن «دُعَاةٍ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا»، فلما سأله عما يفعل إن أدركه ذلك قال: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ»، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ».

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْهَا مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ».

وفي صحيح مسلم من حديث أبي بكرة رضي الله عنه أمرَ النبي ﷺ من كانت له إبل أو غنم أو أرض أن يلحق بها عند وقوع الفتنة، ومن لم يكن له شيء من ذلك قال: «يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ فَيَدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ، ثُمَّ لْيَنْجُ إِنِ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» ثلاثًا. ولما سُئل عمن أُكره على القتال فقُتل قال: «يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ، وَيَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ».

ونقل الشيخ قول شيخ الإسلام ابن تيمية في «منهاج السنة النبوية»: إن الفتنة إذا وقعت عجز العقلاء فيها عن دفع السفهاء، وهذا شأن الفتن، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 25]، وإذا وقعت الفتنة لم يسلم من التلوث بها إلا من عصمه الله.

المحور الثالث: أسباب العصمة من الفتن

أولًا: إصلاح ما بين العبد وربه والعمل الصالح. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]، وقال: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: 129]. فحكامنا من جنس أعمالنا، فإن أصلحنا ما بيننا وبين الله أصلح الله حكامنا. وذكر قول الحسن البصري رحمه الله: إن الحجاج عذاب من الله سلّطه عليكم، فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم، ولكن ادفعوه بالتضرع والاستكانة. وقال ﷺ كما في صحيح مسلم: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا».

ثانيًا: لزوم العلماء الراسخين. حذّر الشيخ من المفتين الذين يبيعون دينهم بعرض من الدنيا، وبيّن أن المرجع هم الراسخون في العلم، لا أصحاب الشهرة والفضائيات، قال تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7]. وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا». وذكر أن سعيد بن جبير رحمه الله سُئل عن علامة هلاك الناس فقال: إذا هلك علماؤهم.

ثالثًا: الصبر ومحاسبة النفس. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۝ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 156-157]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200]. وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ».

رابعًا: الدعاء والتوكل على الله. قال تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ [النمل: 62]. وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ». وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قيل له: إن الناس قد جمعوا لكم، قال تعالى: ﴿فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: 174].

المحور الرابع: حرمة الخروج على الحكام ومنهج السلف في معاملتهم

قرر الشيخ في الخطبة الثانية أن الخروج على ولاة الأمور من أعظم أبواب الفتن، واستدل بحديث أم سلمة رضي الله عنها في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ»، قَالُوا: أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: «لَا، مَا صَلَّوْا».

وذكر حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودِّع فأوصنا، قال: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ». وبيّن الشيخ أن السمع والطاعة إنما تكون في المعروف، فإن أمروا بمعصية فلا سمع لهم ولا طاعة فيها، من غير خروج عليهم.

ثم تساءل الشيخ: هل المظاهرات والخروج على الحكام في الميادين من سنة النبي ﷺ أو من سنة الخلفاء الراشدين؟ وبيّن أن هذه الميادين لم تجلب إلا البلايا والفتن، فسُفكت الدماء وانتُهكت الأعراض وضاعت الأموال. ونقل قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في «منهاج السنة»: «وَقَلَّ مَنْ خَرَجَ عَلَى إِمَامٍ ذِي سُلْطَانٍ إِلَّا كَانَ مَا تَوَلَّدَ عَلَى فِعْلِهِ مِنَ الشَّرِّ أَعْظَمَ مِمَّا تَوَلَّدَ مِنَ الْخَيْرِ».

وأشار الشيخ إلى ما قرره ابن القيم رحمه الله في «إعلام الموقعين» من أن إنكار المنكر إذا أفضى إلى منكر أعظم منه لم يجز، وأن الخروج على الولاة أصل كل شر وفتنة إلى آخر الدهر، فالواجب على المسلمين التزام منهج السلف في الصبر والنصيحة بالحكمة.

النقاط الرئيسية

  • السعيد من جُنِّب الفتن، ومن ابتُلي بها فصبر فله الخير العظيم.
  • الفتن تُعرض على القلوب، فالقلب الذي ينكرها يبيضّ ويثبت، والذي يتشربها يسودّ وينتكس حتى لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا.
  • ميزان الحق هو هدي النبي ﷺ، وكل ما خالفه فهو من الفتن والضلال.
  • الهدي النبوي عند وقوع الفتن هو لزوم جماعة المسلمين وإمامهم، واعتزال الفرق، والبعد عن مواطن القتال.
  • من أعظم أسباب العصمة من الفتن: إصلاح العمل، والمبادرة بالطاعات، ولزوم العلماء الراسخين، والصبر، والدعاء.
  • حكامنا من جنس أعمالنا، والمخرج من ظلمهم يكون بالتوبة والتضرع لا بالسيف.
  • الخروج على الحكام والمظاهرات ليسا من سنة النبي ﷺ ولا الخلفاء الراشدين، وما تولّد عنهما من الشر أعظم مما يُرجى من الخير.

الفوائد والعبر

  • أن يحرص المسلم على حماية قلبه من الشبهات والشهوات، فلا يعرّضه لكل ما يُعرض عليه، بل يعرض كل أمر على الكتاب والسنة.
  • أن يبادر بالأعمال الصالحة ويجدد التوبة، فهي حصن من الفتن وسبب لإصلاح أحوال الأمة وولاتها.
  • أن يأخذ دينه عن العلماء الربانيين الراسخين، ويحذر من المتصدرين للفتوى بغير علم ومن يبيعون دينهم بعرض من الدنيا.
  • أن يلزم جماعة المسلمين وإمامهم، ويبتعد عن مواطن الفتن والمظاهرات، ويحفظ لسانه ويده من الخوض فيها.
  • أن يكثر من الدعاء والتوكل على الله والصبر عند البلاء، مرددًا: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ»، فالفرج بيد الله وحده.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات