خطبة جمعة بعنوان----" احذروا الكذب " لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.

4,605 مشاهدة
469 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

في هذه الخطبة من سلسلة خطب الجمعة يحذّر فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري من الكذب. فالكذب من أخطر آفات اللسان، ويفسد ما بين الناس من ثقة، ويخرّب البيوت والمعاملات، ويقود صاحبه إلى الفجور ثم إلى النار. ويبيّن الشيخ أن الصدق كان خُلقًا يعتزّ به حتى أهل الجاهلية، وأن المسلم أولى الناس بأن يكون صادقًا.

ويعرض الشيخ نصوصًا من الكتاب والسنة في فضل الصدق وذمّ الكذب، ومنها قصة أبي سفيان مع هرقل، وحديث ابن مسعود رضي الله عنه في أن الصدق يهدي إلى البر وأن الكذب يهدي إلى الفجور. ثم يذكر صورًا من الكذب في حياتنا اليوم، كالكذب في الخصومات بين الزوجين والجيران والزملاء، وشهادة الزور، واليمين الكاذبة التي يُقتطع بها حق المسلم.

والغاية من الخطبة أن يعرف المسلم خطر الكذب وعاقبته، وأن يعرف أسبابه وعلاجها، وأن يقوّي إيمانه بالقضاء والقدر حتى لا يدفعه طمع أو خوف إلى الكذب، وأن يجتهد في تحرّي الصدق حتى يُكتب عند الله صدّيقًا.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الكذب عار حتى عند أهل الجاهلية – قصة أبي سفيان مع هرقل

يتناول الشيخ الحديث الصحيح الذي يرويه ابن عباس رضي الله عنهما عن أبي سفيان صخر بن حرب. فقد كتب النبي ﷺ إلى هرقل عظيم الروم يدعوه إلى الإسلام، وكان أبو سفيان يومئذ في الشام وهو على الشرك. فاستدعاه هرقل ومعه نفر من قريش ليسأله عن النبي ﷺ، وجعله في المقدّمة وجعل أصحابه خلفه وقال لهم: إن كذبني فكذّبوه.

ويبيّن الشيخ أن أبا سفيان وهو مشرك وعدو للنبي ﷺ امتنع عن الكذب حياءً من أن يُعرف عنه بين العرب. وهذا يدل على أن الكذب كان عيبًا تأنف منه نفوس العرب في جاهليتهم، فالمسلم الذي يرجو الله واليوم الآخر أولى بأن يترفّع عنه.

وكان من أسئلة هرقل: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فأجاب أبو سفيان: لا. فقد كان النبي ﷺ معروفًا بين قومه بالصادق الأمين قبل البعثة، حتى إن أعداءه لم يجدوا عليه كذبة واحدة.

قال أبو سفيان: «فَوَاللَّهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ» [رواه البخاري].

المحور الثاني: الصدق طريق الجنة والكذب طريق النار

يشرح الشيخ وصية النبي ﷺ بالصدق والتحذير من الكذب. فالصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة. والكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار. والعبرة بما يُكتب عند الله، لا بما يقوله الناس مجاملةً.

وينبّه الشيخ إلى أن الكذب يقترن بالفجور، وأن من تعوّد الكذب وتحرّاه يُكتب عند الله كذّابًا. فليحذر المسلم أن يستهين بالكذبة الصغيرة، فإنها تجرّ إلى ما بعدها.

قال رسول الله ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» [متفق عليه، واللفظ لمسلم].

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].

المحور الثالث: الكذب في الخصومات والاختلافات

ينتقد الشيخ ما شاع بين بعض الناس من الافتراء عند الخلاف. فإذا اختلف الزوجان أو الجاران أو الشريكان أو الموظف ورئيسه، تحوّل المدح إلى ذم وانقلبت الحسنات سيئات، وكثرت الأكاذيب حتى تسوء المعاشرة ويقع الطلاق.

ويستشهد الشيخ بقصة عبد الله بن سلام رضي الله عنه. فقد سأل النبي ﷺ اليهود عنه فأثنوا عليه وقالوا: خيرنا وابن خيرنا. فلما خرج إليهم وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، قالوا: شرنا وابن شرنا. ويحذّر الشيخ من أن يتشبّه المسلمون بهذا الخُلق المذموم، فإن الخصومة لا تبيح الكذب ولا البهتان.

ويذكّر بأن الخلاف وقع بين الصحابة، ووقع في بيت النبي ﷺ مع أزواجه أمهات المؤمنين، ومع ذلك لم يكن فيه كذب ولا افتراء، بل بقي في حدود الحق والأدب.

قال عبد الله بن سلام رضي الله عنه: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ» [رواه البخاري].

وقال النبي ﷺ في صفات المنافق: «وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» [متفق عليه].

وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].

المحور الرابع: اليمين الغموس وشهادة الزور

يحذّر الشيخ من أشد صور الكذب، وهو أن يحلف الإنسان بالله كاذبًا ليقتطع حق أخيه المسلم. فهذه هي اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار، ولو كان الحق شيئًا يسيرًا كعود من أراك.

ويحذّر كذلك من شهادة الزور، فبها تضيع الحقوق ويُظلم الأبرياء. ويذكّر بأن حفظ اللسان من أسباب دخول الجنة.

قال رسول الله ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ». فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ» [رواه مسلم].

وقال ﷺ: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ» [رواه البخاري].

وقال تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: 30].

المحور الخامس: أسباب الكذب وعلاجه بالإيمان بالقدر

يبيّن الشيخ أن الإنسان يكذب في الغالب لأحد سببين: رغبة في نيل شيء من الدنيا، أو رهبة من فوات مصلحة أو من مخلوق. ويرى أن العلاج هو الإيمان الصادق بالقضاء والقدر. فما كتبه الله لك سيأتيك ولو اجتمع الخلق على منعه، وما لم يُكتب لك لن تناله بكذبة. فلا يصح أن يبيع المسلم دينه بعرض قليل من الدنيا.

ويقرّر الشيخ أن الكذب ليس من صفات المؤمنين، بل هو من صفات المنافقين، وأن المؤمن يخشى الله قبل أن يخشى الناس.

قال ﷺ لابن عباس رضي الله عنهما: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ» [رواه الترمذي].

وقال ﷺ: «وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ» [رواه أحمد وأبو داود].

وقال ﷺ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» [متفق عليه].

وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل: 105]، وقال سبحانه: ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 13].

النقاط الرئيسية

  • الكذب كان عيبًا عند أهل الجاهلية، فقد امتنع منه أبو سفيان وهو مشرك حياءً من الناس، والمسلم أولى بتركه.
  • كان النبي ﷺ معروفًا بالصادق الأمين، وشهد له بذلك أعداؤه قبل البعثة.
  • الصدق يهدي إلى البر ثم إلى الجنة، والكذب يهدي إلى الفجور ثم إلى النار، والعبرة بما يُكتب عند الله.
  • الخصومة لا تبيح الكذب والبهتان، وتغيير الشهادة في الناس عند الخلاف من أخلاق اليهود المذمومة.
  • اليمين الغموس تُوجب النار وتُحرّم الجنة، ولو كان الحق المقتطع شيئًا يسيرًا كعود من أراك.
  • أكثر ما يدفع إلى الكذب رغبة في نفع أو رهبة من ضرر، وعلاجه الإيمان بأن كل شيء بقدر الله.
  • الكذب من صفات المنافقين، والمؤمن مأمور بأن يكون مع الصادقين.

الفوائد والعبر

  • تحرَّ الصدق في كلامك كله، في الجد والمزاح، وفي البيت والعمل، حتى يصير لك خُلقًا ثابتًا تُكتب به عند الله صدّيقًا.
  • اضبط لسانك عند الغضب والخلاف مع الزوج أو الجار أو الزميل، وقل الحق والعدل ولو كان على من تخاصمه، فإن كل كلمة مكتوبة عليك.
  • احذر الحلف الكاذب وشهادة الزور في المحاكم والمعاملات، ولا تبع آخرتك بعرض قليل من الدنيا.
  • قوِّ إيمانك بالقضاء والقدر، فإذا عرفت أن الرزق والنفع والضر بيد الله لم يبق ما يدفعك إلى الكذب طمعًا أو خوفًا.
  • اتخذ النبي ﷺ قدوة في الصدق والأمانة، وصاحب الصادقين، وربِّ أولادك على الصدق من صغرهم.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات