خطبة الجمعة بعنوان----: " أسباب الطلاق " لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,170 مشاهدة
377 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

في خطبة الجمعة هذه يكمل فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري حديثه عن أسباب الطلاق، وهو موضوع بدأه في الخطبة السابقة. يرى الشيخ أن الطلاق صار أمرًا خطيرًا يهدد الأسرة المسلمة والعربية، وأن كثيرًا منه يقع بسبب الظلم الذي حرّمه الله تعالى على نفسه وجعله بين عباده محرّمًا. والظلم هنا يقع على كثير من النساء وعلى بعض الرجال، ويقع أيضًا على الأولاد الذين يدفعون ثمن تفكك البيوت.

يبدأ الشيخ بالتذكير بالأرقام والإحصاءات التي عرضها في الخطبة الماضية عن ارتفاع حالات الطلاق، والتي تبيّن حجم الخطر. ثم يذكّر بالسببين اللذين شرحهما من قبل، وهما ضعف الوازع الديني وسوء اختيار الزوج أو الزوجة. بعد ذلك ينتقل إلى السبب الثالث، وهو الخيانات الزوجية، فيبيّن من أين تبدأ وكيف تتطور، ويذكر أن الشريعة عالجتها بسدّ الطرق المؤدية إليها.

والهدف من الخطبة أن يعرف المسلم أن الخيانة تبدأ بخطوات صغيرة تبدو بريئة، وأن يتعلّم كيف يحمي بيته من أسبابها، وأن يعرف حق زوجه عليه في حسن المعاملة، وأن ينتبه إلى أثر الإعلام الفاسد في هدم القيم والبيوت.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: تحريم الظلم وخطورة انتشار الطلاق

يفتتح الشيخ خطبته بالحديث القدسي في تحريم الظلم، ويقرر أن الله حرّم الظلم بكل أنواعه وأشكاله. ثم يبيّن أن الطلاق الذي يقع بغير حق ولا سبب شرعي صورة من صور الظلم، وأنه أفسد البلاد والعباد.

ويستشهد الشيخ بإحصاءات رسمية ذكرها، منها أن حالة طلاق تقع كل بضع دقائق، وأن نسبة الطلاق في بعض المدن تبلغ ثلاثين حالة في كل مئة زواج. وينبّه إلى أن هناك حالات كثيرة لا تُسجَّل رسميًا، وأنه يأتيه في ليلة واحدة أكثر من سؤال عن طلقة ثالثة أو رابعة أو خامسة. ويرى أن هذا يدل على استخفاف كثير من الناس بحدود الله.

ويذكّر بالسببين اللذين تناولهما في الخطبة السابقة: ضعف الوازع الديني في القلوب، وسوء اختيار كل من الزوجين للآخر. ويوضح أنه ما كان يتمنى أن يتكلم في هذه الأمور من فوق المنبر، لكن انتشار الفساد اضطره إلى ذلك بقصد الإصلاح.

قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» (رواه مسلم).

قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229].

قال تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: 88].

المحور الثاني: الخيانات الزوجية وأولها المحادثات المحرمة

يذكر الشيخ أن السبب الثالث من أسباب الطلاق هو الخيانات الزوجية. ويستشهد بدراسة في جامعة عين شمس تقول إن نسبة كبيرة من حالات الطلاق سببها الحاسوب والإنترنت. ويوضح أن المشكلة ليست في الجهاز نفسه، فقد يُستعمل في طلب العلم الشرعي والرزق ونصرة الدين، وإنما المشكلة في استعماله لإفساد البيوت والمحادثات المحرمة بين الرجال والنساء.

ويقسم الشيخ الاتصال إلى نوعين. الأول جائز، وهو الكلام في الحاجة بقدرها وبأدب وحشمة. والثاني محرّم، وهو المحادثات التي تبدأ بالتحية ثم تنتهي إلى الغزل والعشق والدعوة إلى الفاحشة واللقاءات المحرمة. ويحذّر من إضاعة الصحة والوقت والمال في شهوات لا تنفع صاحبها ولا تصلح المجتمع.

ثم يبيّن أن الزنا يبدأ من الجوارح قبل أن يقع بالفرج: من النظرة، والسماع، والكلام، واللمس، والمشي إلى أماكن الفساد. ولذلك قال الله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ﴾، فنهى عن الاقتراب منه، لا عن فعله فقط. ويذكر الشيخ قصة زوجين كان بينهما خلاف دائم، فتعرّف كل منهما على الآخر في الإنترنت دون أن يعلم مَن هو، وتعلّق كل منهما بالآخر. فلما اتفقا على اللقاء اكتشفا الحقيقة، وانتهى الأمر بالطلاق. والعبرة من القصة أن الغزل الذي بخلا به على بعضهما في الحلال بذلاه في الحرام.

قال رسول الله ﷺ: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» (رواه البخاري).

قال رسول الله ﷺ: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا، مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ: فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ» (متفق عليه، واللفظ لمسلم).

قال رسول الله ﷺ: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ» (رواه البخاري).

قال رسول الله ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» (متفق عليه).

المحور الثالث: الشريعة نظّمت الشهوة بالحلال وسدّت أبواب الحرام

يوضح الشيخ أن الشريعة الكاملة جاءت لبشر لهم شهوات، فلم تعاملهم كالحيوانات التي تُطلق شهوتها بلا ضابط، ولم تطلب منهم أن يكونوا كالملائكة بلا زواج. فقد أباحت الزواج وحرّمت الزنا، ونهت عن الرهبانية التي ابتدعها مَن قبلنا. ويستشهد بقصة الثلاثة الذين سألوا عن عبادة النبي ﷺ فاستقلّوها، فأنكر عليهم وقال إنه يتزوج النساء.

ثم يسأل الشيخ: لماذا يقع المتزوج في الزنا وعنده زوجة تعفّه؟ ولماذا تقع فيه المتزوجة وعندها زوج يعفّها؟ ويجيب بأن الشرع أباح للرجل الذي لا تكفيه واحدة أن يتزوج أكثر منها بشرط العدل، فلا عذر لمن يترك الحلال إلى الحرام. ويذكّر بأن الشريعة جعلت عقوبة المتزوج الذي يزني أشد من عقوبة غير المتزوج.

ويذكر الشيخ قصة امرأة السلطان يوسف بن تاشفين مع الرجل الذي تمنّاها. فقد قدّمت له طعامًا واحدًا لا يتغير ثلاثة أيام، ثم قالت له: كذلك النساء. ومعنى ذلك أن الشهوة التي يطلبها الإنسان في الحرام هي نفسها التي أباحها الله له في الحلال، فلا يستحق الأمر أن يضيّع دينه وعرضه من أجله.

قال رسول الله ﷺ: «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (متفق عليه).

قال تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3].

قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32].

قال رسول الله ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» (رواه أبو داود والترمذي).

المحور الرابع: سوء العشرة بين الزوجين يفتح باب الخيانة

ينتقد الشيخ الرجل الذي يُحسن معاملة النساء خارج بيته، فيبتسم للزميلة ويلاطفها، ثم يدخل على زوجته عابسًا غاضبًا. وينتقد كذلك المرأة التي لا تتزيّن إلا إذا خرجت من بيتها، وتهمل زوجها الذي أوجب الله عليها أن تتزيّن له. ويقرر أن أحق الناس بالإحسان هم أهل البيت.

ويفرّق الشيخ بين الخطأ الذي يقع أحيانًا، فهذا لا يسلم منه أحد، وبين أن يعيش الزوجان في نكد وهمّ كل يوم، فلا يتكلم أحدهما مع الآخر بكلمة طيبة إلا في الفراش. ويحذّر من التشدد الذي يجعل الزوج يتهم زوجته بالتقصير في كل شيء وينسى أنها تحفظ عرضه وتصبر على تعب الأولاد.

ويدعو إلى الإنصاف، وإلى أن ينظر كل من الزوجين إلى حسنات الآخر قبل أخطائه، كما أرشد النبي ﷺ، وأن يعطي كل منهما الآخر حقه بالمعروف.

قال رسول الله ﷺ: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» (رواه مسلم).

قال تعالى: ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19].

قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228].

المحور الخامس: أثر الإعلام الفاسد في هدم البيوت

في الخطبة الثانية يتحدث الشيخ عن الإعلام الفاسد، ويرى أنه حوّل حياة الناس إلى عشق وخيانات. فالأفلام والمسلسلات تقدّم أهل الفساد على أنهم قدوة، وتصوّر المرأة التي خانت زوجها ثم تزوجت عشيقها وكأنها عاشت بعد ذلك في سعادة. والنتيجة أن قيمة الزواج تسقط في نفوس كثير من الناس.

ويبيّن أن بعض الأزواج الذين ضعفت عندهم العفة صاروا يطالبون زوجاتهم بتقليد ما يرونه على الشاشات، فإذا رفضت المرأة العفيفة وقع الخلاف وقد ينتهي إلى الطلاق. ويقرر أن الواجب هو اقتلاع الشر من أصله، وذلك بترك المحادثات المحرمة، والابتعاد عن الأفلام والمسلسلات الفاسدة، وعدم الانشغال بأخبار أهل الفساد.

ويذكّر بأن النفس تميل إلى السهل وإلى ما تشتهيه، وأن طاعة الله فيها مشقة لكن لها حلاوة. وينبّه إلى أن أماكن الفساد صارت معروفة، وأن مَن يذهب إليها يتعرّض لغضب الله.

قال تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: 53].

قال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ [الحشر: 19].

النقاط الرئيسية

  • الطلاق بغير حق صورة من صور الظلم الذي حرّمه الله، وانتشاره يهدد الأسرة المسلمة.
  • من أسباب الطلاق: ضعف الوازع الديني، وسوء اختيار الزوج أو الزوجة، والخيانات الزوجية.
  • الخيانة تبدأ غالبًا بمحادثة أو نظرة، ولذلك نهى الله عن الاقتراب من الزنا وعن كل ما يؤدي إليه.
  • الشريعة نظّمت الشهوة بالزواج، وأباحت التعدد مع العدل، فلا عذر لمن يترك الحلال إلى الحرام.
  • أحق الناس بحسن المعاملة والكلمة الطيبة والتزيّن هو الزوج أو الزوجة، لا الغرباء.
  • ينبغي للزوج أن ينظر إلى محاسن زوجته ويغفر لها خطأها، كما أرشد النبي ﷺ.
  • الإعلام الفاسد يجعل الخيانة أمرًا عاديًا ويقدّم أهل الفساد قدوة، فهو سبب في هدم كثير من البيوت.

الفوائد والعبر

  • اجعل كلامك مع الجنس الآخر على قدر الحاجة وبأدب، وابتعد عن المحادثات التي تفتح باب الفتنة.
  • استعمل صحتك ووقتك وأجهزتك في طلب العلم والرزق ونفع أهلك، فهي نعم ستُسأل عنها.
  • أكثر من الكلمة الطيبة والابتسامة في بيتك، وتزيّن لزوجك، فهذا من أقوى ما يحفظ البيوت من الخيانة.
  • احفظ سمعك وبصرك وبيتك من الأفلام والمسلسلات الفاسدة، واختر لأسرتك ما يقوّي إيمانها.
  • اتّقِ الله في ألفاظ الطلاق، والتزم حدود الله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات