شرح ثلاثيات البخاري- طيب الله ثراه-. لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
في هذا المجلس يشرح فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري -حفظه الله- آخر أحاديث صحيفة همام بن منبه، ثم يبدأ شرح «ثلاثيات الإمام البخاري» رحمه الله. والصحيفة رواها عبد الرزاق بن همام الصنعاني عن معمر بن راشد عن همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأحاديثها صحيحة. وأما الثلاثيات فهي الأحاديث التي ليس بين الإمام البخاري فيها وبين رسول الله ﷺ إلا ثلاثة رواة، ولذلك تُعدّ من أعلى أسانيده.
ويتنقّل الشيخ بين أبواب كثيرة من العقيدة والعبادات والآداب والمعاملات وأخبار الأنبياء وأشراط الساعة، ويعلّق على الأحاديث تعليقات قصيرة تربطها بواقع الناس. ويبيّن كذلك قيمة الإسناد العالي، وحرص السلف على طلبه والرحلة إليه.
والهدف من الدرس أن يعرف طالب العلم منزلة الصحيفة والثلاثيات، وأن يفهم معاني أحاديث النبي ﷺ ويعمل بها، وأن يعظّم السنة ويحذر من الكذب على رسول الله ﷺ، وأن يعرف فضل الله الواسع على هذه الأمة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: تعظيم الله تعالى وتعظيم رسوله ﷺ
يبدأ الشيخ بحديث اشتداد غضب الله على من آذى نبيه ﷺ، ويقول إن إيذاء الأنبياء من أعظم الذنوب. ويستشهد على ذلك بنهي الله المؤمنين عن التشبه بمن آذوا موسى عليه السلام.
ثم يشرح الحديث القدسي الذي يذكر تكذيب ابن آدم لربه وشتمه له. فتكذيبه إنكاره للبعث، وشتمه نسبته الولد إلى الله سبحانه. ويشرح أيضًا النهي عن سب الدهر، لأن الله هو الذي يقلّب الليل والنهار، فمن سبّ الدهر فإنما يقع سبّه على من يدبّره.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ۚ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: 69].
وقال ﷺ: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ فَعَلُوا بِنَبِيِّهِ -يُشِيرُ إِلَى رَبَاعِيَتِهِ-، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص].
المحور الثاني: سعة رحمة الله في كتابة الحسنات والسيئات
يشرح الشيخ أن الله يضاعف حسنات من أحسن إسلامه إلى عشر أمثالها وإلى سبعمائة ضعف، وأن السيئة تُكتب واحدة فقط. ثم يذكر حديث الملائكة: من همّ بسيئة ثم تركها خوفًا من الله كُتبت له حسنة. ويفرّق الشيخ بين هذا وبين من عزم على المعصية وسعى إليها فلم يقدر عليها، فهذا تُكتب عليه سيئة لأنه عزم وقصد.
ويقرر الشيخ أن العمل وحده لا يُدخل الجنة، وإنما يدخلها العبد برحمة الله، ثم تتفاوت منازل أهلها في الدرجات بحسب أعمالهم. ومعنى «سددوا»: احرصوا على إصابة الصواب، فإن لم تقدروا فاقتربوا منه.
قال ﷺ: «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا».
وقال ﷺ: «لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ»، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ، سَدِّدُوا وَقَارِبُوا».
المحور الثالث: أحكام الصلاة وآدابها
في الصحيفة أحاديث كثيرة في الصلاة، منها:
- يجب على الإمام أن يخفف مراعاةً للكبير والضعيف والمريض. فإن اتفق المأمومون على التطويل فلا حرج، ومن صلى وحده فله أن يطيل ما شاء.
- الصلاة لا تُقبل مع الحدث حتى يتوضأ المصلي.
- من أتى إلى الصلاة فليأتها بسكينة.
- يُستحب الإبراد بالظهر عند شدة الحر. وقد سأل الشيخ أهل البلاد الحارة عن وقت الإبراد عندهم، لأنه يختلف باختلاف البلدان والأيام.
- لا يبصق المصلي أمامه ولا عن يمينه.
- من قال لصاحبه «أنصت» والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغا.
- من غلبه النعاس في قيام الليل فليضطجع.
قال ﷺ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ».
وقال ﷺ: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ».
وقال ﷺ: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ».
المحور الرابع: الآداب والمعاملات وأخبار الأنبياء وأشراط الساعة
في هذا المحور أحاديث في المعاملات واللباس والزينة، منها:
- النهي عن بيع الرجل على بيع أخيه، وخطبته على خطبة أخيه.
- النهي عن بيع الملامسة والمنابذة.
- النهي عن الوشم وما يتبعه من التشبه بالكفار.
- التحذير من إسبال الثياب. ويبيّن الشيخ أن من أسبل خيلاءً فالله لا ينظر إليه يوم القيامة، وأن الإسبال بغير خيلاء فيه وعيد بالنار.
ومن أخبار الأنبياء والأمم:
- تبديل بني إسرائيل للقول والفعل حين أُمروا بدخول الباب سجدًا وأن يقولوا «حطة». ويضرب الشيخ لذلك مثلًا ممن يحرّفون الكلام في زماننا.
- قصة النبي الذي حُبست له الشمس حتى فتح الله عليه، وقصة الغلول. ويذكر الشيخ أن الغنائم أُحلّت لهذه الأمة رحمةً من الله بضعفها.
- رؤيا النبي ﷺ للسوارين من ذهب، وتأويلها بالكذابين: الأسود العنسي ومسيلمة.
- رؤيا النزع من القليب، وتأويلها بخلافة أبي بكر ثم عمر رضي الله عنهما.
ومن أشراط الساعة: قتال قوم من الأعاجم صغار الأعين كأن وجوههم المجانّ المطرقة، وقتال قوم نعالهم الشعر.
قال ﷺ: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ».
وقال ﷺ: «الْعَيْنُ حَقٌّ».
المحور الخامس: ثلاثيات البخاري وعلو الإسناد
يعرّف الشيخ الثلاثيات بأنها الأحاديث التي بين البخاري فيها وبين النبي ﷺ ثلاثة رواة فقط، وعددها اثنان وعشرون حديثًا. ويبيّن أن البخاري توفي سنة ست وخمسين ومائتين، فإذا كان بينه وبين النبي ﷺ ثلاثة رواة فقط مع طول هذه المدة، دلّ ذلك على علو الإسناد. ويقرر أن طلب الإسناد العالي سنة عمّن سلف، ولأجله رحل العلماء في طلب الحديث. ويذكر أن العلو نوعان: علو بقلة عدد الرواة، وعلو بالصفة، وهو أن يكون الرواة من العلماء الفقهاء الثقات المتقنين. ومن ذلك أن الإمام يحيى بن معين سُئل في مرض موته عمّا يشتهي، فقال: «بَيْتٌ خَالٍ، وَإِسْنَادٌ عَالٍ».
ثم يقرأ الشيخ أوائل الثلاثيات، وهي برواية مكي بن إبراهيم وأبي عاصم الضحاك بن مخلد عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه. ومن أحاديثها:
- الوعيد الشديد لمن كذب على رسول الله ﷺ.
- تحرّي النبي ﷺ الصلاة عند الأسطوانة التي عند المصحف.
- صلاة المغرب إذا توارت الشمس بالحجاب.
- الأمر بإتمام صوم يوم عاشوراء لمن أكل.
- امتناعه ﷺ عن الصلاة على من مات وعليه دين حتى تحمّله أبو قتادة.
- تحريم لحوم الحمر الإنسية يوم خيبر.
قال ﷺ: «مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».
وفي صوم عاشوراء: «مَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ أَوْ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا يَأْكُلْ».
وفيمن مات وعليه دين: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ».
النقاط الرئيسية
- أحاديث صحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنه صحيحة، وهي من أقدم ما دُوّن من السنة.
- إيذاء النبي ﷺ من أسباب اشتداد غضب الله، ونسبة الولد إلى الله وإنكار البعث من أعظم الكفر.
- الحسنة تُضاعف إلى سبعمائة ضعف والسيئة تُكتب واحدة، ومن ترك السيئة خوفًا من الله كُتبت له حسنة.
- العبد يدخل الجنة برحمة الله، وتتفاوت منازل أهلها بحسب الأعمال.
- الإمام يخفف الصلاة مراعاةً للمأمومين، ومن أتى إلى الصلاة فليأتها بسكينة، ويُستحب الإبراد بالظهر عند شدة الحر.
- ثلاثيات البخاري اثنان وعشرون حديثًا، وهي أعلى أسانيده، وطلب علو الإسناد سنة عند السلف.
- الكذب على رسول الله ﷺ من الكبائر الموجبة للنار، والدَّين أمر عظيم حتى في حق الميت.
الفوائد والعبر
- تثبّت قبل أن تنسب حديثًا إلى رسول الله ﷺ، ولا تنشر ما لم تتحقق من صحته.
- أحسن إسلامك لتنال مضاعفة الحسنات، واترك المعصية خوفًا من الله لتُكتب لك حسنة.
- إن كنت إمامًا فارحم الضعفاء وخفّف الصلاة، وإن أتيت إلى الصلاة فأتها بسكينة ووقار.
- صُن لسانك عن سب الدهر، وصُن لباسك عن الإسبال، وابتعد عن الوشم والتشبه بالكفار.
- اهتم بقضاء ديونك وكتابتها، وكن يدًا عليا معطية، وابدأ بالإنفاق على من تعول.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات