شرح" صحيح الإمام مسلم" بمدينة السنبلاوين (56) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس السادس والخمسون من سلسلة شرح «المسند الصحيح» للإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله، ألقاه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري بمجمع الفرقان بمدينة السنبلاوين. يتناول المجلس بابين من أبواب الحج: الأول باب تحريم الصيد على المُحرِم، والثاني باب ما يُندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحِلّ والحرم.
وتظهر أهمية هذا الموضوع في أن كثيرًا من الحجاج والمعتمرين يحتاجون إلى معرفة ما يحل لهم وما يحرم عليهم أثناء الإحرام. ومن ذلك: متى يحرم على المحرم أكل لحم الصيد ومتى يحل له، وما الدواب المؤذية التي أذن الشرع في قتلها في كل مكان، ولو كان ذلك في الحرم أو حال الإحرام.
ويهدف هذا المجلس إلى تحقيق ما يلي:
- فهم الضابط الشرعي في أكل المحرم من الصيد، وذلك بالجمع بين حديث الصعب بن جثامة وحديث أبي قتادة رضي الله عنهما.
- معرفة الفواسق الخمس التي يجوز قتلها في الحل والحرم.
- التعرف على منهج الإمام مسلم في جمع طرق الحديث الواحد في موضع واحد.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: حديث الصعب بن جثامة ورد الصيد الذي صِيد من أجل المحرم
افتتح الشيخ الباب بحديث ابن عباس عن الصعب بن جثامة الليثي رضي الله عنهم. فقد أهدى الصعب للنبي صلى الله عليه وسلم حمارًا وحشيًّا وهو بالأبواء أو بودّان، وهما موضعان قريبان من مكة، فردّه عليه النبي صلى الله عليه وسلم. فلما رأى ما في وجهه من التأثر طيّب خاطره وبيّن له سبب الرد:
«إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» (متفق عليه)
وبيّن الشيخ أن الصعب اصطاد الحمار الوحشي من أجل النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك ردّه. فالمحرم يحرم عليه أن يصطاد، ويحرم عليه كذلك أن يأكل مما صِيد من أجله. ثم عرض اختلاف الروايات في وصف الهدية: «حمار وحش»، و«رِجْل حمار وحش»، و«عَجُز حمار وحش يقطر دمًا»، و«شِقّ حمار وحش». وشرح أن العَجُز هو المؤخرة، وأن الرِّجل جزء منها، فالروايات متقاربة لا تعارض بينها، والشاهد واحد: النبي صلى الله عليه وسلم رد الصيد لأنه صِيد من أجله.
وأورد الشيخ كذلك حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه حين استذكره ابن عباس، فقال:
«أُهْدِيَ لَهُ عُضْوٌ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ فَرَدَّهُ، فَقَالَ: إِنَّا لَا نَأْكُلُهُ، إِنَّا حُرُمٌ»
ونبّه الشيخ إلى أن العلة في الرد ليست أن لحم الصيد محرم على المحرم مطلقًا، وإنما أنه صِيد من أجله. واستشهد في ذلك بقول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95]
المحور الثاني: حديث أبي قتادة وحِلّ صيد الحلال للمحرم
ساق الشيخ حديث أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري رضي الله عنه بطرقه المتعددة. كان أبو قتادة مع أصحابه في الطريق إلى مكة عام الحديبية، وكان أصحابه محرمين وهو غير محرم. فرأى حمارًا وحشيًّا، فأسرج فرسه وأخذ رمحه، ثم سقط منه السوط، فطلب من أصحابه أن يناولوه إياه فأبوا وقالوا: والله لا نعينك عليه بشيء. فنزل فأخذه، ثم طعن الحمار فعقره، فأكل منه بعضهم وتورّع بعضهم. ثم أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه، فقال:
«هُوَ حَلَالٌ فَكُلُوهُ» (متفق عليه)
«إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ»
وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم سألهم:
«هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ؟» قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا»
بل أكل النبي صلى الله عليه وسلم منه بنفسه، فقد سألهم:
«هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ؟»
فقالوا: معنا رِجْله، فأخذها فأكلها. وبيّن الشيخ وجه الحكم: أبو قتادة كان حلالًا غير محرم، واصطاد لنفسه لا لأصحابه، ولم يُعِنه أصحابه بشيء، فحلّ للجميع. ولو ناولوه السوط لما حلّ لهم، لأنهم يكونون قد شاركوا في الصيد. وأشار الشيخ أيضًا إلى أن الجمع بين الروايات يوضح ما أُبهم في بعضها، كتحديد أن القصة كانت في غزوة الحديبية.
المحور الثالث: الجمع بين الحديثين والضابط الفقهي
خلص الشيخ إلى قاعدة واضحة تجمع بين الحديثين:
- إذا اصطاد الحلالُ الصيدَ من أجل المحرم، حرم على المحرم أكله، وهذا معنى حديث الصعب.
- إذا اصطاده الحلال لنفسه ثم أهدى منه للمحرم، فلا حرج على المحرم أن يأكل، وهذا معنى حديث أبي قتادة.
فالرِّجل التي أكل منها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي قتادة هي من جنس ما ردّه في حديث الصعب، والفرق بينهما هو جهة الاصطياد ونيّته. قال الشيخ: «فسبحان من أحلّ وحرّم، لا يُسأل عما يفعل».
واستدل الشيخ كذلك بأثر طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه. فقد أُهدي له طير وهو راقد، وأصحابه محرمون، فأكل بعضهم وتورّع بعضهم. فلما استيقظ وافق من أكل، وقال: «أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم».
وقرر الشيخ في هذا السياق أن الحمار الوحشي حلال إلى يوم القيامة، أما الحمر الأهلية فهي محرمة. وشرح بعض المفردات الواردة في الأحاديث، مثل: «الأتان» وهي أنثى الحمار، و«الأكَمة» وهي الموضع المرتفع، و«شأوًا» أي مرة أسرع ومرة أسير بتمهل.
المحور الرابع: الفواسق الخمس التي تُقتل في الحل والحرم
انتقل الشيخ إلى باب ما يُندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم، وساق حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا:
«أَرْبَعٌ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحِدَأَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ»
وفي رواية أخرى عنها:
«خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا»
وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما:
«خَمْسٌ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ: الْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» (متفق عليه)
ونقل الشيخ قول القاسم بن محمد في الحية: «تُقتل بصُغرٍ لها»، أي تُقتل في كل مكان. واستثنى الشيخ حيّات البيوت، فإنها تُستأذن ثلاثًا، فيقال لها: انصرفي بإذن الله، فإن انصرفت وإلا قُتلت. وأشار أيضًا إلى وصف الحية الخبيثة التي يُبادَر بقتلها.
ومن الفوائد التي ذكرها الشيخ أن رواية زيد بن جبير أضافت قتل الحية في الصلاة. فلا حرج على المصلي إذا قتلها، وصلاته صحيحة ما لم يتكلم.
المحور الخامس: منهج الإمام مسلم في سياق الروايات
أبرز الشيخ ميزة الإمام مسلم رحمه الله في جمع طرق الحديث الواحد في موضع واحد. فهو قد سمع من جمع كبير من الشيوخ، فيسوق أسانيدهم ويبيّن الفروق الدقيقة في ألفاظهم. ومثال ذلك تنبيهه على أن زهيرًا قال: «في الحرم والإحرام»، وقال ابن أبي عمر لفظًا آخر. ولهذا كثرت الروايات للحديث الواحد في صحيحه.
وعرّف الشيخ أثناء القراءة ببعض الرواة، كالحكم بن عتيبة فقيه أهل الكوفة في زمانه، والإمام الدارمي صاحب المسند. ونبّه على مواضع شك الرواة، كشك شعبة في لفظ: «أعنتم أو أصدتم». وهذا يعين طالب العلم على فهم صنعة المحدثين ودقتهم في نقل السنة.
النقاط الرئيسية
- يحرم على المحرم أن يصطاد صيد البر، أو يعين عليه بإشارة أو أمر أو مناولة.
- يحرم على المحرم أكل الصيد الذي صِيد من أجله، ولهذا ردّ النبي صلى الله عليه وسلم هدية الصعب بن جثامة.
- يحل للمحرم أكل صيد الحلال إذا اصطاده لنفسه ولم يُعِنه المحرم بشيء، كما في حديث أبي قتادة.
- الحمار الوحشي حلال الأكل، والحمر الأهلية محرمة.
- الفواسق التي تُقتل في الحل والحرم وحال الإحرام هي: الغراب، والحدأة، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور، والحية.
- حيّات البيوت تُستأذن ثلاثًا قبل قتلها، ويجوز قتل الحية في الصلاة ما لم يتكلم المصلي.
- الجمع بين روايات الحديث يوضح ما أُبهم في بعضها، وهذا من منهج الإمام مسلم المتميز.
الفوائد والعبر
- تطييب خاطر من رُدّت هديته: بيّن النبي صلى الله عليه وسلم للصعب سبب الرد لما رأى أثره في وجهه. فينبغي للمسلم إذا ردّ هدية لعذر شرعي أن يوضح العذر حفاظًا على المودة.
- الورع والسؤال عند الاشتباه: امتنع الصحابة عن مناولة أبي قتادة السوط، ثم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عما أشكل عليهم. وفي ذلك قدوة في التثبت وسؤال أهل العلم.
- النية والمقصد يغيّران الحكم: الفعل الواحد قد يكون حلالًا أو حرامًا بحسب القصد. فالصيد واحد، لكن صيده للمحرم يحرّمه عليه، وصيده للنفس يبيحه له.
- الاستعداد الفقهي للحج والعمرة: على من يريد الحج أو العمرة أن يتعلم محظورات الإحرام ومباحاته قبل سفره، حتى يؤدي نسكه على بصيرة.
- كمال الشريعة في دفع الضرر: أباح الشرع قتل الدواب المؤذية حتى في الحرم وحال الإحرام، وهذا دليل على أن الشريعة جاءت بحفظ النفس ودفع الأذى عن الناس.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات