شرح " صحيح الإمام مسلم" بمدينة السنبلاوين (35) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,177 مشاهدة
329 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

يأتي هذا المجلس الخامس والثلاثون من مجالس شرح «المسند الصحيح» للإمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري رحمه الله، يلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري بمجمع الفرقان بمدينة السنبلاوين. ويتناول المجلس بابين عظيمين: «باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه»، و«باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح».

يشرح الشيخ أحاديث نزول الرب تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل على طريقة أهل السنة والجماعة، فيثبت الصفة على ما يليق بجلال الله وعظمته، من غير تحريف ولا تكييف ولا تمثيل. ثم يعرض أحاديث قيام رمضان وليلة القدر، ويبيّن سبب جمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناس على إمام واحد في التراويح، ويرد على من استدل بذلك على وجود البدعة الحسنة.

ويهدف المجلس إلى تعظيم وقت السحر في قلوب المسلمين، والحث على الدعاء والاستغفار والرجوع إلى الله، وترسيخ منهج السلف في باب الأسماء والصفات، وبيان فضل قيام رمضان وتحرّي ليلة القدر، مع التنبيه على أن صلاح الأمة مرهون بعودتها إلى السنة ونشرها في البيوت والمجالس.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: فضل الثلث الأخير من الليل والترغيب في الدعاء فيه

بيّن الشيخ أن الثلث الأخير من الليل وقت السحر ووقت التجليات والرحمات، وهو من أوقات إجابة الدعاء، ويُستحب فيه الذكر والدعاء والاستغفار استحبابًا شديدًا. وضرب مثالًا عمليًا لحساب الثلث الأخير، فإذا غربت الشمس في الخامسة والنصف تقريبًا وطلع الفجر قرابة الخامسة صباحًا، كان الليل نحو اثنتي عشرة ساعة، فيبدأ الثلث الأخير قرابة الواحدة والنصف ليلًا ويمتد إلى أذان الفجر.

وأورد الإمام مسلم حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» متفق عليه. وفي رواية: «فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ».

وذكر الشيخ في روايات الباب زيادة: «مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيمٍ وَلَا ظَلُومٍ»، أي من يقرض ربًّا لا يعدم عنده خير ولا يُظلم عنده أحد، ونبّه إلى عظيم كرم الله تعالى؛ فالمال ماله والعباد عبيده، ومع ذلك يسمي الصدقة قرضًا حسنًا. واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، وبقوله ﷺ: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» رواه أحمد والترمذي من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.

ودعا الشيخ إلى أن تفزع الأمة في نوازلها إلى ربها بدلًا من الركون إلى أعداء الله، فهو سبحانه ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: 62]، وما نزل بها من المصائب إنما هو بسبب الذنوب والمعاصي، و﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. فمن أراد النصر أو المال أو الذرية أو الستر فليدعُ ربه.

المحور الثاني: عقيدة أهل السنة في صفة النزول

قرر الشيخ أن الله تعالى ينزل نزولًا حقيقيًا يليق بجلاله وكبريائه وعظمته، وأن نزوله ليس كنزول المخلوقين، لأن ذاته سبحانه ليست كذوات المخلوقين، والله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. فلا نعلم الكيفية، ولا يجوز للعبد أن يشغل عقله القاصر بها.

ورد الشيخ على من أوّل النزول بنزول الرحمة أو الأمر، وبيّن أن الرسول ﷺ أفصح الخلق وأعلمهم بربه، وقد قال: «يَنْزِلُ اللَّهُ»، فلا يجوز تحريف كلامه. وقد ورد في بعض الروايات: «ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَيْهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى».

ونهى الشيخ عن الخوض في أسئلة مثل: هل يخلو منه العرش عند نزوله؟ وضرب مثلًا بأننا لا ندري ما وراء جدار المسجد، فكيف ندرك كيفية صفات رب العالمين وهو غيب الغيوب؟ والواجب أن نؤمن بما أخبر به النبي ﷺ على مراد الله ومراد رسوله، كما هو منهج السلف الصالح.

المحور الثالث: فوائد إسنادية وتربوية من رجال الأحاديث

توقف الشيخ عند عدد من رجال الأسانيد. فأبو صالح ذكوان السمان كان يبيع السمن والزيت، ومع ذلك صار من كبار علماء المسلمين. واستفاد الشيخ من ذلك أن طلب العلم ليس حكرًا على أصحاب الشهادات والمؤسسات الرسمية، بل هو لكل من جلس في مجالس العلم مع تقوى الله، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282].

ونبّه إلى كثرة رواية «عن أبيه» في الأسانيد، وأن هذا هو المنهج التربوي عند سلف الأمة؛ إذ كان الأب يعلّم أبناءه وبناته وزوجته وإخوانه وأقاربه وجيرانه، فتنتشر السنة وتموت البدعة ويقل الشر والظلم والفساد. وكان الآباء يصحبون أبناءهم إلى مجالس الحديث، وكانت مجالس الخلفاء والأمراء مجالس علم وحديث، وكان بعض العلماء يأبى دخول قصور الملوك ويطلب منهم الجلوس في بيوت الله مع عامة المسلمين.

وأشار إلى سبب عدول المحدثين عن قول «الحجاج بن يوسف» في اسم «حجاج بن الشاعر»، لئلا يشتبه اسمه باسم الحجاج بن يوسف الثقفي الظالم. واستفاد من ذلك نفور السلف من الظلم وأهله، وأن الظالم مهان عند الله في الدنيا والآخرة، والمرء يُحشر مع من أحب. واستشهد بقوله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102].

المحور الرابع: فضل قيام رمضان وصلاة التراويح ومسألة البدعة

أورد الإمام مسلم حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» متفق عليه. ومعنى «إيمانًا» التصديق بمشروعيته، ومعنى «احتسابًا» طلب الأجر من الله. وبيّن الشيخ أن المغفرة هنا تشمل الصغائر، أما الكبائر فتحتاج إلى توبة أو إقامة حد.

وفي رواية أخرى: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ». واستفاد الشيخ منها الفرق بين الأمر الذي على سبيل العزيمة، وهو الفرض، والترغيب من غير عزيمة، وهو المستحب.

وشرح حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ صلى بالناس في المسجد ليالي من رمضان، فلما كثروا في الليلة الثالثة أو الرابعة وعجز المسجد عن أهله لم يخرج إليهم، ثم قال بعد صلاة الفجر: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ شَأْنُكُمُ اللَّيْلَةَ، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا». وفي ذلك رحمته ﷺ بأمته، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

ثم بيّن الشيخ أن الأمر بقي على صلاة الناس متفرقين في عهد أبي بكر رضي الله عنه لانشغاله بحروب الردة، فلما جاء عهد عمر رضي الله عنه وكثر الداخلون في الإسلام، رأى الناس يصلون جماعات متفرقة فجمعهم على إمام واحد. وأكّد الشيخ أن هذا ليس دليلًا على وجود بدعة حسنة، لأن النبي ﷺ قال: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ». وإنما هو إحياء لسنة لها أصل في الشرع؛ فقد صلاها النبي ﷺ بأصحابه جماعة، وترك ذلك خشية الفرضية، فلما انقطع الوحي زال المانع وبقيت السنية. ويؤيده حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه في صحيح مسلم: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً»، أي أحيا سنة ثابتة، لا أنه ابتدع في دين الله.

المحور الخامس: قيام ليلة القدر وتحرّيها

أورد الإمام مسلم قوله ﷺ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». وفي رواية: «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَيُوَافِقُهَا». ونبّه الشيخ إلى أن موافقتها توفيق من الله تعالى لعبده بحسب نيته وإيمانه واحتسابه.

وبيّن أن ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، وأرجى ما تكون في أوتارها، وأرجى الأوتار ليلة السابع والعشرين. وهي مع ذلك متنقلة بين ليالي الوتر، وإن جاءت في أكثر السنوات ليلة السابع والعشرين، وفي إخفائها حكمة، وهي أن يجتهد المسلم في جميع ليالي الوتر من العشر الأواخر.

وختم الشيخ المجلس بأثر زر بن حبيش، أنه قيل لأُبيّ بن كعب رضي الله عنه: إن عبد الله بن مسعود يقول: من قام السنة أصاب ليلة القدر. فقال أُبيّ: والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي رمضان، يحلف لا يستثني. وبيّن الشيخ أن ابن مسعود رضي الله عنه أراد حثّ الناس على الاجتهاد في القيام طوال العام وألا يتكلوا. كما أشار إلى أن وقت صلاة الليل يبدأ بعد صلاة العشاء ويمتد إلى طلوع الفجر.

النقاط الرئيسية

  • الثلث الأخير من الليل وقت نزول الرب سبحانه، وهو من أعظم أوقات إجابة الدعاء والاستغفار، ويمتد حتى طلوع الفجر.
  • صفة النزول ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلاله، دون تحريف ولا تأويل ولا تكييف ولا تمثيل، ولا يُخاض في كيفيتها.
  • الدعاء هو العبادة، وعلى الأمة أن تلجأ إلى ربها في نوازلها، فالتغيير يبدأ من إصلاح النفوس.
  • منهج السلف في التربية قائم على تعليم الأب أهله وأقاربه، وبنشر السنة في البيوت تموت البدع ويقل الفساد.
  • من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه، والمراد الصغائر، أما الكبائر فلا بد لها من توبة.
  • جمع عمر رضي الله عنه الناس في التراويح إحياء لسنة نبوية ثابتة، وليس دليلًا على البدعة الحسنة، لأن كل بدعة ضلالة.
  • ليلة القدر في أوتار العشر الأواخر، وأرجاها ليلة السابع والعشرين، وهي متنقلة ليجتهد المسلم في جميع الليالي.

الفوائد والعبر

  • اجعل لنفسك نصيبًا ثابتًا من وقت السحر، ولو دقائق قبل الفجر، للدعاء والاستغفار وسؤال الله حاجاتك.
  • تعلّم العقيدة الصحيحة في الأسماء والصفات، وسلّم لنصوص الكتاب والسنة دون أن تشغل عقلك بكيفيات الغيب.
  • كن معلمًا لأهلك وأولادك، واصحبهم إلى مجالس العلم، فالعلم ليس حكرًا على أصحاب الشهادات، وتقوى الله سبيل إليه.
  • اجتهد في قيام رمضان مع الجماعة، وتحرَّ ليلة القدر في جميع ليالي الوتر من العشر الأواخر، واحرص على الإيمان والاحتساب.
  • احذر الظلم وأهله، وتمسّك بالسنة واجتنب البدع، فعزة الأمة وكرامتها مرهونة بعودتها إلى منهج الله.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات