شرح " صحيح الإمام مسلم" بمدينة السنبلاوين (121) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الحادي والعشرون بعد المئة من مجالس شرح «صحيح الإمام مسلم» رحمه الله، ويلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري بمجمع الفرقان بمدينة السنبلاوين، بعد مغرب يوم الإثنين السابع والعشرين من شهر جمادى الأولى سنة 1438هـ، الموافق للسابع من شهر مارس سنة 2017م. وهو من مجالس كتاب البر والصلة والآداب، وفيه جملة من الأبواب تتعلق بأخلاق المسلم مع الناس ومع سائر الخلق.
ويتناول المجلس عدداً من الأبواب المهمة: تحريم النميمة، وقبح الكذب وحسن الصدق وفضله، وفضل من يملك نفسه عند الغضب، وخلق الإنسان خلقاً لا يتمالك، والنهي عن ضرب الوجه، والوعيد الشديد لمن يعذب الناس بغير حق، والأمر بالإمساك بنصال السلاح في مجامع الناس، والنهي عن الإشارة بالسلاح إلى المسلم، وفضل إزالة الأذى عن الطريق، وتحريم تعذيب الهرة ونحوها من الحيوان الذي لا يؤذي.
والغاية من هذا المجلس أن يتعلم المسلم كيف يحفظ لسانه من النميمة والكذب، ويضبط نفسه عند الغضب، ويكفّ أذاه عن المسلمين في أبدانهم وأموالهم وطرقهم، وأن يرحم الخلق حتى البهائم، طلباً لرضوان الله وخوفاً من عقابه، فإن الجزاء من جنس العمل.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: تحريم النميمة وقبح الكذب وفضل الصدق
بدأ الشيخ بباب تحريم النميمة، وهي نقل الكلام بين الناس على وجه الإفساد. وبيّن أنها تقطع الأواصر بين الناس، وأن صاحبها متوعَّد بألا يدخل الجنة، فقد صح عن النبي ﷺ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ».
ثم انتقل إلى باب قبح الكذب وحسن الصدق، وذكر أن الكذب من أخبث الصفات، وأن أعظمه الكذب على رسول الله ﷺ، ثم الكذب الذي تؤكل به أموال الناس بالباطل، كمن يحلف بالله أن الشيء حقه وهو ليس له. وأوضح أن الوعيد في ذلك لا يعني التكفير، وإنما يعني أنه مستحق لدخول النار، إلا أن يتوب ويستسمح من كذب عليه وافترى عليه، فهذا من شروط التوبة إذا تعلّق الذنب بحقوق العباد.
ونبّه الشيخ على أن الكذب مصيبة عظيمة، فالمظلوم الذي يُفترى عليه الكذب ليس له إلا الله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾. وبيّن أن الكذب فجور، وأن الكذاب فاجر، والله لا يحب الفجور ولا أهله.
- عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن محمداً ﷺ قال: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ؟ هِيَ النَّمِيمَةُ، الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ»، وإن محمداً ﷺ قال: «إِنَّ الرَّجُلَ يَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ صِدِّيقًا، وَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّابًا».
- قال رسول الله ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ».
- قال رسول الله ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا».
المحور الثاني: فضل من يملك نفسه عند الغضب وضعف الخلقة الإنسانية
شرح الشيخ باب فضل من يملك نفسه عند الغضب، وبيّن أن القوة الحقيقية هي أن يملك الإنسان نفسه ويمسك أعصابه، وليست القوة في صرع الرجال والغلبة عليهم. فقد صحّح النبي ﷺ المفاهيم الشائعة عند الناس في معنى «الرَّقوب» و«الصُّرَعة»، ونقلها إلى معانٍ أخروية وأخلاقية.
وذكر علاج الغضب الذي أرشد إليه النبي ﷺ، وهو الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وذلك في قصة الرجلين اللذين استبّا عنده ﷺ حتى احمرّ وجه أحدهما وانتفخت أوداجه، أي عروق رقبته. ثم شرح باب خلق الإنسان خلقاً لا يتمالك، وبيّن أن معناه أن الإنسان ضعيف، يغضب ويحزن ولا يملك نفسه إلا بتوفيق الله.
- قال رسول الله ﷺ: «مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمْ؟» قَالُوا: الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ، قَالَ: «لَيْسَ ذَاكَ بِالرَّقُوبِ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا»، قَالَ: «فَمَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟» قَالُوا: الَّذِي لَا يَصْرَعُهُ الرِّجَالُ، قَالَ: «لَيْسَ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ».
- قال رسول الله ﷺ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ».
- قال رسول الله ﷺ: «إِنِّي لَأَعْرِفُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ».
- قال رسول الله ﷺ: «لَمَّا صَوَّرَ اللهُ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ تَرَكَهُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَتْرُكَهُ، فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يُطِيفُ بِهِ يَنْظُرُ مَا هُوَ، فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ عَرَفَ أَنَّهُ خُلِقَ خَلْقًا لَا يَتَمَالَكُ».
المحور الثالث: النهي عن ضرب الوجه والوعيد لمن يعذب الناس
تناول الشيخ باب النهي عن ضرب الوجه، وبيّن أن وجه المسلم مكرّم، فلا يجوز ضربه ولا تقبيحه. وأمر النبي ﷺ من قاتل أخاه أو ضربه أن يجتنب الوجه. وذكر الشيخ في قوله ﷺ: «فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» منهج السلف في أحاديث الصفات، وهو الإيمان بها كما جاءت وإمرارها على ظاهرها، مع نفي علمنا بالكيفية، والترحّم على من أخطأ فيها بالتأويل من أهل العلم.
ثم ذكر حديث هشام بن حكيم بن حزام رضي الله عنهما، حين مرّ على أناس من الأنباط بالشام قد أُقيموا في الشمس وصُبّ على رؤوسهم الزيت، يُعذَّبون في الخراج والجزية، فأنكر ذلك على الأمير وحدّثه بحديث النبي ﷺ، فأمر الأمير بإطلاقهم. وفي القصة إنكار المنكر وبذل النصيحة للأمراء. وحذّر الشيخ من الذين يعذبون خلق الله بغير حق، وبيّن أن الجزاء من جنس العمل، فمن عذّب عباد الله في الدنيا عذّبه الله في الآخرة.
- قال رسول الله ﷺ: «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ، فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ».
- قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا».
المحور الرابع: الإمساك بنصال السلاح والنهي عن الإشارة به إلى المسلم
شرح الشيخ باب أمر من مرّ بسلاح في مسجد أو سوق أو غيرهما من مواضع اجتماع الناس أن يمسك بنصالها، حتى لا يؤذي أحداً من المسلمين أو يخدشه. وفي ذلك دليل على عناية الشريعة بحفظ أبدان المسلمين من كل أذى، ولو كان غير مقصود.
ثم تناول باب النهي عن الإشارة بالسلاح إلى المسلم، وبيّن أنه لا يجوز للمسلم أن يشهر السلاح على أخيه ولو كان سكيناً، ولو على سبيل المزاح، وإن كان أخاه لأبيه وأمه، لأن الشيطان قد ينزع في يده فيقع المحذور. وذكر قول أبي موسى رضي الله عنه متأسفاً على ما وقع من الفتن بين المسلمين بعد ذلك.
- عن جابر رضي الله عنه قال: مرّ رجل في المسجد بسهام، فقال له رسول الله ﷺ: «أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا».
- قال رسول الله ﷺ: «إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَجْلِسٍ أَوْ سُوقٍ وَبِيَدِهِ نَبْلٌ فَلْيَأْخُذْ بِنِصَالِهَا».
- قال أبو القاسم ﷺ: «مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَدَعَهُ، وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ».
- قال رسول الله ﷺ: «لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ، فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ».
المحور الخامس: فضل إزالة الأذى عن الطريق وتحريم تعذيب الحيوان
بيّن الشيخ فضل إزالة الأذى عن طريق المسلمين، كالحجارة والشوك والزجاج المكسور ونحوها، وأن أبواب الحسنات كثيرة، فقد يغفر الله للعبد ويدخله الجنة بعمل يسير يكف به الأذى عن الناس. وذكر وصية النبي ﷺ لأبي برزة الأسلمي رضي الله عنه حين سأله عن عمل ينفعه الله به.
ثم ختم بباب تحريم تعذيب الهرة ونحوها من الحيوان الذي لا يؤذي، وبيّن أن الحيوان المؤذي يجوز دفعه كما يُدفع الصائل والمعتدي، أما ما لا يؤذي فتعذيبه محرّم. ونبّه على أن من حبس حيواناً فقد لزمه إطعامه وسقيه، فإن لم يفعل فليتركه يأكل من خشاش الأرض، وأن الإيذاء إذا كان محرماً في حق الحيوان، فهو في حق المسلمين الذين يؤذيهم بعض الناس ويسبونهم ولا يتقون الله فيهم أشد تحريماً.
- قال رسول الله ﷺ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ».
- قال رسول الله ﷺ: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ».
- عن أبي برزة رضي الله عنه قال: قلت: يا نبي الله، علّمني شيئاً أنتفع به، قال: «اعْزِلِ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ».
- قال رسول الله ﷺ: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ».
النقاط الرئيسية
- النميمة من كبائر الذنوب، وهي تقطع الأواصر بين الناس، والنمّام متوعَّد بألا يدخل الجنة.
- الصدق يهدي إلى البر والجنة، والكذب يهدي إلى الفجور والنار، وأعظم الكذب الكذب على رسول الله ﷺ ثم الكذب في أكل أموال الناس بالباطل.
- من اقتطع حق مسلم بيمين كاذبة فهو متوعَّد بالنار، ولا تصح توبته إلا برد الحق واستسماح صاحبه.
- القوي حقاً هو من يملك نفسه عند الغضب، وعلاج الغضب الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.
- وجه المسلم مكرّم فلا يجوز ضربه، وأحاديث الصفات يُؤمَن بها كما جاءت دون تكييف.
- من عذّب الناس في الدنيا بغير حق عذّبه الله في الآخرة، فالجزاء من جنس العمل.
- تحريم الإشارة بالسلاح إلى المسلم ولو مازحاً، وفضل إزالة الأذى عن الطريق، وتحريم تعذيب الحيوان الذي لا يؤذي.
الفوائد والعبر
- أن يحفظ المسلم لسانه، فلا ينقل الكلام بين الناس على وجه الإفساد، وأن يتحرى الصدق في كل أحواله حتى يُكتب عند الله صدّيقاً.
- أن يدرّب المسلم نفسه على الحلم وكظم الغيظ، وأن يبادر عند الغضب إلى قول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم».
- أن يحذر المسلم من ظلم الناس وإيذائهم وتعذيبهم، سواء كان صاحب سلطة أو مسؤولية أو غير ذلك، وأن يقوم بواجب النصيحة وإنكار المنكر بالحكمة.
- أن يحتاط المسلم في حمل الأدوات الحادة في أماكن اجتماع الناس، وألا يمازح أحداً بالإشارة إليه بسلاح أو سكين.
- ألا يحتقر المسلم من المعروف شيئاً، فإزالة حجر أو شوكة من الطريق قد تكون سبباً في المغفرة ودخول الجنة، وأن يرحم الحيوان، فمن حبس حيواناً لزمه إطعامه وسقيه.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات