شرح كتاب " سنن الإمام الترمذي " ( 9 ) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
مقدمة
يُعد الوضوء ركنًا أساسيًا وشرطًا لصحة الصلاة، ولا تكتمل عبادة المسلم إلا بإتقانه على الوجه الذي يرضي الله تعالى ويوافق سنة نبيه صلى الله عليه وسلم. في هذا المجلس المبارك، وهو المجلس التاسع من سلسلة شرح كتاب "سنن الإمام الترمذي"، يأخذنا فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري في رحلة فقهية ماتعة لاستجلاء أحكام الوضوء، وتحديدًا مسألة "مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما"، وهي من المسائل التي يكثر السؤال عنها ويقع فيها الخلاف أحيانًا.
يهدف هذا الشرح إلى ترسيخ الفهم الصحيح لهذه العبادة العظيمة، مستنيرًا بمنهج الإمام الترمذي رحمه الله في تبويباته واستنباطاته الفقهية، ومدعمًا بالأدلة من السنة النبوية المطهرة. سيتمكن المشاهد الكريم من الوقوف على كيفية مسح الأذنين الصحيحة، ودراسة الأحاديث الواردة في ذلك، والتعرف على أقوال أهل العلم المتقدمين، مما يعمق لديه الوعي بأهمية الدقة في أداء العبادات ويساعده على تصحيح وضوئه وصلاته. وقد ألقي هذا المجلس الطيب بعد صلاة عشاء يوم الأحد التاسع والعشرين من شهر جمادى الأولى سنة 1446 هـ، الموافق للأول من شهر ديسمبر من سنة 2024 م.
المحاور الرئيسية
1. فقه الإمام الترمذي في أبوابه ومسألة مسح الأذنين
يبدأ الشيخ أبي حفص ببيان منهج الإمام الترمذي رحمه الله في كتابة "جامعه"، موضحًا أن فقهه واستنباطاته تظهر جليًا في تبويباته للأبواب. فالترمذي، كتلميذ لشيخه البخاري، جعل فقهه في داخل هذه التبويبات، حيث إن قوله "باب في مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما" ليس مجرد عنوان، بل هو حكم جازم منه بتصحيح الحديث والعمل به، وبيان لكيفية المسح.
هذا التبويب يشي بأن الترمذي صحح الحديث الوارد في مسح الأذنين، وقدم لنا في الوقت ذاته فقهًا عمليًا بكيفية المسح، وذلك بإدخال السبابة في باطن الأذن (مما يلي الوجه) والإبهام على ظاهرها (مما يلي الرأس). هذا يدل على عمق فهمه واستنباطه للأحكام الشرعية من النصوص.
2. الأدلة الحديثية على مسح الأذنين وكيفيته
يستدل الشيخ بحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، والذي رواه الترمذي وغيره، حيث قال:
"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا"
يُعد هذا الحديث دليلاً صريحًا على مشروعية مسح الأذنين في الوضوء.
ويؤكد الشيخ على أن المسح يكون بنفس الماء الذي مسح به الرأس، ولا يُشرع أخذ ماء جديد للأذنين، وذلك لعدم ورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن الحديث نص على الواو العاطفة "براسه و اذنيه" التي تفيد المباشرة وعدم التراخي، بخلاف لو قيل "ثم أذنيه" التي قد تدل على أخذ ماء جديد. هذا الفهم الدقيق للفظ الحديث يمنع الزيادة في العبادة بغير دليل.
3. تضعيف بعض المعاصرين للحديث والرد عليه
يتناول الشيخ مسألة تضعيف بعض المعاصرين للأحاديث الواردة في مسح الأذنين، ويرد على ذلك بقوة. فيشير إلى أن تضعيف بعض المعاصرين لا يقاوم حكم أئمة الحديث الكبار كالترمذي الذي صحح الحديث وذكره في "جامعه" وعدد من الأئمة الذين أخرجوه وصححوه كابن خزيمة وابن حبان، وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن أبي شيبة.
ويوضح أن الإمام الترمذي حكم على حديث ابن عباس بأنه "حسن صحيح"، وأن محمد بن عجلان (أحد رواة السند) هو صدوق، وقد ضعفت رواياته في أحاديث أبي هريرة خاصة، وليس في هذا الحديث. كما أن ابن عجلان لم ينفرد بالحديث، بل تابعه آخرون، مما يعزز صحة الحديث وقوته.
4. الأذنان من الرأس ودراسة الأسانيد
ينتقل الشيخ إلى باب آخر في "سنن الترمذي" وهو "باب ما جاء أن الأذنين من الرأس". ويناقش حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه الذي ورد فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم:
"تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا وَيَدَيْهِ ثَلاثًا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَقَالَ: الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ"
ويشير إلى ضعف في سند هذا الحديث بسبب سنان بن ربيع وشهر بن حوشب، وأن حماد بن زيد شك هل هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم أو من قول أبي أمامة، والراجح أنه موقوف على أبي أمامة.
ومع ضعف هذا الحديث مرفوعًا، إلا أن الشيخ يوضح أن القول بأن "الأذنين من الرأس" يتقوى بمجموع طرقه الواردة عن صحابة آخرين كأنس، وأبي هريرة، وابن عمر، وعائشة، وابن عباس، وأبي موسى الأشعري، والصباحي، والسنابيحي، مما يجعله يصح "لغيره" كما ذهب إليه أئمة كالألباني رحمه الله. هذا يبين منهج المحدثين في تقوية الأحاديث بجمع الطرق والشواهد.
5. الإجماع وأقوال العلماء المتقدمين
يختتم الشيخ بالتشديد على أن "العمل على هذا عند أكثر أهل العلم"، أي أن جمهور العلماء يرون مشروعية مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما في الوضوء. ويؤكد على أهمية أقوال العلماء المتقدمين الذين عاشوا في القرون المفضلة (القرون الثلاثة الأولى)، مثل الإمام الترمذي نفسه الذي توفي سنة 279 هـ، والإمام أحمد والشافعي ومالك وأبي حنيفة.
فقول الترمذي بأن هذا هو عمل جمهور العلماء في عصره، يحمل وزنًا عظيمًا، ويشير إلى وجود إجماع أو شبه إجماع بين أئمة الأمة على هذه المسألة. وهذا يقدم ردًا قاطعًا على من يحاول تضعيف هذه السنة اليوم، ويؤكد على ضرورة الرجوع إلى فهم السلف الصالح في مسائل الدين.
النقاط الرئيسية
- فقه الإمام الترمذي يظهر بوضوح في تبويباته لأبواب كتابه، وهي استنباطات فقهية دقيقة.
- مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما في الوضوء سنة مؤكدة، وهو قول جمهور أهل العلم.
- يتم مسح الأذنين بنفس الماء المتبقي من مسح الرأس، ولا يُشرع أخذ ماء جديد لهما.
- حديث ابن عباس رضي الله عنهما "مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما" صحيح، وقد صححه الترمذي وغيره.
- قول "الأذنان من الرأس" الوارد في حديث أبي أمامة يتقوى بمجموع طرقه المتعددة، فيصح لغيره.
- تضعيف بعض المعاصرين لأحاديث مسح الأذنين لا يقاوم حكم الأئمة المتقدمين وجمهور العلماء.
- صحة الوضوء شرط أساسي لصحة الصلاة، وإتقان الوضوء يعين على قبول الصلاة وتمام أجرها.
الفوائد والعبر
- الالتزام بالسنة النبوية: تعلم كيفية الوضوء الصحيح والكامل وفق سنة النبي صلى الله عليه وسلم، بما في ذلك مسح الأذنين، لضمان صحة العبادة وكمالها.
- فهم عمق الفقه الإسلامي: تقدير منهجية الأئمة الأعلام كالإمام الترمذي في استنباط الأحكام الشرعية من النصوص، مما يعمق فهمنا لعلوم الحديث والفقه.
- التفريق بين صحة الصلاة وقبولها وأجرها: إدراك أن صحة الوضوء والصلاة شرط للقبول، وأن الأجر يتفاوت بحسب الخشوع والإخلاص، مما يحفز على تحسين جودة العبادة.
- أهمية الرجوع لأقوال السلف: التأكيد على قيمة أقوال العلماء المتقدمين ووزنها في المسائل الفقهية، والتحذير من تضعيف ما اتفقوا عليه بغير حجة قوية.
- تجنب البدع والغلو: التعرف على كيفية الوضوء الصحيحة يجنب المسلم الزيادة أو النقصان غير المشروع في العبادة، ويحفظه من الوقوع في البدع.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات