شرح كتاب " سنن الإمام الترمذي " ( 4 ) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,181 مشاهدة
304 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الرابع من شرح كتاب «الجامع» للإمام أبي عيسى الترمذي رحمه الله، يقدمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. عُقد المجلس بعد صلاة العشاء ليلة السبت الرابع عشر من جمادى الآخرة سنة 1441هـ، الموافق للثامن من فبراير سنة 2020م. ويتناول بابين من أبواب الطهارة، هما: «باب الاستنجاء بالحجارة» و«باب الاستنجاء بالحجرين».

لهذا الموضوع أهمية كبيرة لأنه يتصل بطهارة المسلم التي هي شرط لصحة صلاته. ويُظهر الدرس كمال الشريعة الإسلامية وسعتها ورفعها للحرج، فقد شرعت للمسلم وسائل متعددة للتطهر تناسب كل حال: في الصحراء وعند قلة الماء، وعند المرض والعجز عن استعماله. ونبّه الشيخ كذلك إلى أن عدم التنزه من البول من أسباب عذاب القبر.

ويهدف الدرس إلى تعريف المشاهد بأحكام الاستنجاء بالأحجار وما يقوم مقامها، وشروطه، وما نُهي عن الاستنجاء به، مع دراسة أسانيد الأحاديث وتخريجها وأقوال أهل العلم فيها. كما يربط الشيخ هذه الأحكام بقيم تربوية، منها: الاعتزاز بالدين، وطلب العلم على بصيرة، والمحافظة على نعمة الماء.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الاستنجاء بالحجارة من كمال الشريعة، والمحافظة على نعمة الماء

بدأ الشيخ بالتذكير بنعمة الماء، وقرر أن الماء ليس ثروة قومية فحسب، بل هو أمن قومي يجب الحفاظ عليه. ودعا إلى الاقتصاد فيه في الوضوء والاغتسال وغسل الموتى وسائر الشؤون، وحذّر من إهداره فيما لا ينتفع به الناس.

ثم بيّن أن من كمال الشريعة وخلودها أن شرعت الاستنجاء بالأحجار. والاستنجاء هو طلب تطهير مخرج البول والغائط. ويقوم مقام الحجارة كل ما يُنقي المحل من الطاهرات، كالطوب والمناديل والقطن والشاش. وهذا الحكم عام يشمل من وُجد عنده الماء ومن لم يوجد، ومن وجده لكنه يتضرر باستعماله.

ومثّل الشيخ لذلك بالمريض الذي أجريت له عملية جراحية في العظام أو الفخذ، أو لا يستطيع مسّ الماء بسبب علاج يؤخر شفاءه. فهذا يكفيه الاستنجاء بالأحجار ونحوها، ولا يُحرَج بإلزامه بالماء. وفي هذا مظهر من مظاهر رفع الحرج في الدين.

وحذّر الشيخ من التهاون في التطهر من البول، واستدل بحديث ابن عباس رضي الله عنهما: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ...» أي أنه كان يتبول ثم لا يبالي، ولا يتأكد من طهارته.

المحور الثاني: حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه، سنده وفقهه

ساق الإمام الترمذي الحديث بإسناده: حدثنا هنّاد بن السَّري، عن أبي معاوية محمد بن خازم الضرير، وهو من أحفظ الناس لحديث الأعمش. عن الأعمش سليمان بن مهران، عن إبراهيم بن يزيد النخعي، عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي. ثم ذكر نص الحديث:

قِيلَ لِسَلْمَانَ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، فَقَالَ سَلْمَانُ: أَجَلْ، نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ.

واستنبط الشيخ من الحديث الأحكام الآتية:

  • تنزيه القبلة: لا تُستقبل القبلة ولا تُستدبر بغائط ولا بول. ونبّه الشيخ إلى مراعاة ذلك عند بناء المساجد والبيوت، بأن تُجعل دورات المياه في غير اتجاه القبلة.
  • النهي عن الاستنجاء باليمين: لأن اليمين للأخذ والعطاء والطيبات، والأصل في النهي التحريم. ويُستثنى من ذلك صاحب العذر في يده اليسرى.
  • اشتراط ثلاثة أحجار فأكثر: لا يُستنجى بأقل من ثلاثة أحجار، فإن لم يُنقِ المحلُّ زاد عليها حتى يُنقي.
  • النهي عن الاستنجاء بالرجيع والعظم: الرجيع هو الروث، لأنه نجس. أما العظم فلأنه طعام إخواننا من الجن، والروث علف لدوابهم.

وأشار الشيخ إلى الحديث الوارد في ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه: «لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ وَلَا بِالْعِظَامِ، فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ».

وبيّن الشيخ أن حديث سلمان أخرجه الجماعة إلا البخاري. ونبّه على قاعدة عامة يرشد إليها الحديث، وهي أن ما كان من باب التكريم والطيبات فهو باليمين، وما كان من باب المستقذرات فهو بالشمال.

المحور الثالث: الاعتزاز بالدين وكمال الشريعة

وقف الشيخ عند قول سلمان رضي الله عنه «أَجَلْ»، فقد أجاب من أراد الطعن بثقة وعزة وبصيرة. وبيّن أن النبي صلى الله عليه وسلم علّم أمته كل ما تحتاجه في دينها، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38] وأنه لا حياء في تعلّم الدين، حتى في آداب قضاء الحاجة.

وفرّق الشيخ بين أمور الدين وأمور الدنيا. فأمور الدنيا يُسأل عنها أهل الخبرة فيها، كالطبيب والمهندس والصانع، لقوله صلى الله عليه وسلم: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» ولعموم قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43] والمهم أن ينفع المسلم أمته في أي مهنة كان.

ووجّه الشيخ الشباب الذين يجادلون الملاحدة وأهل الضلال على الشبكة العنكبوتية إلى أن يتسلحوا بالعلم الشرعي أولًا، وأن يعتزوا بدينهم، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: 8] وبقوله تعالى: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108]

وأشار الشيخ إلى أن الكمال المطلق لله وحده، وأن الأنبياء لهم الكمال البشري، وأكملهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وذكر طرفًا من سيرة سلمان الفارسي رضي الله عنه في بحثه الطويل عن الحق، حتى انتهى به المطاف إلى الإسلام.

المحور الرابع: تخريج الحديث وحكم الترمذي ومذاهب العلماء

شرح الشيخ قول الترمذي: «وفي الباب عن عائشة، وخزيمة بن ثابت، وجابر بن عبد الله، وخلاد بن السائب عن أبيه»، وخرّج هذه الأحاديث على النحو الآتي:

  • حديث عائشة رضي الله عنها: عند أحمد، والبخاري في «التاريخ الكبير»، وأبي داود، والنسائي، والدارمي، وأبي يعلى، والدارقطني، والطحاوي، والبيهقي.
  • حديث خزيمة بن ثابت رضي الله عنه: عند أحمد، وأبي داود، وابن ماجه، والدارمي، وابن أبي شيبة، والحميدي، والطبراني.
  • حديث جابر رضي الله عنه: عند أحمد، وابن أبي شيبة، وابن خزيمة، والبيهقي.
  • حديث خلاد بن السائب عن أبيه: فيه ضعف، لكن يشهد له ما تقدم.

وذكر الشيخ أن في الباب أيضًا أحاديث عن أنس، وسهل بن سعد، وابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنهم.

وحكم الإمام الترمذي على حديث سلمان بأنه «حسن صحيح»، وذكر أن العمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم. فقد رأوا أن الاستنجاء بالحجارة يجزئ وإن لم يستنج بالماء، إذا أنقى أثر الغائط والبول. وبه قال سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.

ونبّه الشيخ إلى أن العبرة في الطهارة بالإنقاء والتنظيف، سواء كان بالماء أو بالحجارة. فلا يكفي أن يأخذ الإنسان حفنة ماء يسيرة ويبقى أثر النجاسة. وذكر أن الحجر الكبير ذا الأطراف المتعددة يُستنجى بأطرافه الثلاثة، فيقوم مقام ثلاثة أحجار.

المحور الخامس: باب الاستنجاء بالحجرين وحديث ابن مسعود رضي الله عنه

ساق الترمذي الحديث من طريق هنّاد وقتيبة، عن وكيع، عن إسرائيل بن يونس، عن جده أبي إسحاق السبيعي عمرو بن عبد الله الهمداني، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه رضي الله عنه، قال:

خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَتِهِ فَقَالَ: «الْتَمِسْ لِي ثَلَاثَةَ أَحْجَارٍ»، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: «إِنَّهَا رِكْسٌ».

وأشار الشيخ إلى أن في رواية ابن خزيمة أنها كانت روثة حمار. والرِّكس هو الرجس النجس. واستنبط من الحديث الفوائد الآتية:

  • أن الاستنجاء يكون بثلاثة أحجار، وهذا هو الحد الذي بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم.
  • فضل خدمة العلماء وأهل الفضل، وأن ذلك شرف لا عيب فيه ولا نقص. وفي الحديث منقبة لابن مسعود رضي الله عنه في خدمته للنبي صلى الله عليه وسلم.
  • مشروعية الاجتهاد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يقرّه النبي عليه أو ينكره. فابن مسعود اجتهد فأتى بحجرين وروثة، لأنه لم يجد حجرًا ثالثًا، وقد تكون الأرض رملية.
  • أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد كذلك، فإن أخطأ لم يُقرّه ربه سبحانه على ذلك.

النقاط الرئيسية

  • الاستنجاء بالأحجار وما يقوم مقامها، كالمناديل والقطن، مجزئ ولو مع وجود الماء، بشرط إنقاء المحل.
  • لا يُستنجى بأقل من ثلاثة أحجار، ويُزاد عليها إن لم يحصل الإنقاء.
  • يحرم الاستنجاء باليمين لغير عذر، وبالروث لنجاسته، وبالعظم لأنه طعام الجن.
  • يجب تنزيه القبلة عن استقبالها واستدبارها عند قضاء الحاجة، ويُراعى ذلك عند بناء المساجد والبيوت.
  • عدم التنزه من البول من أسباب عذاب القبر.
  • حديث سلمان «حسن صحيح» كما قال الترمذي، وأخرجه الجماعة إلا البخاري، وعليه جمهور العلماء.
  • الماء نعمة عظيمة وأمن قومي، يجب الاقتصاد فيه وعدم إهداره.

الفوائد والعبر

  • التيسير ورفع الحرج: يستطيع المريض والمسافر ومن في الصحراء أن يتطهر بالمناديل ونحوها دون مشقة، وهذا من رحمة الله بعباده.
  • الاعتزاز بالدين: على المسلم أن يجيب عن الشبهات بثقة وعلم كما فعل سلمان رضي الله عنه، وأن يتسلح بالعلم الشرعي قبل الدخول في الجدال.
  • العناية بالطهارة: ينبغي التأكد من إزالة أثر النجاسة تمامًا، فالتهاون في ذلك سبب لعذاب القبر وقد يُبطل الصلاة.
  • ترشيد استهلاك الماء: يقتصد المسلم في الماء في وضوئه واغتساله وسائر شؤونه، شكرًا لهذه النعمة.
  • التواضع وخدمة أهل العلم: خدمة العلماء والصالحين شرف ورفعة، اقتداءً بابن مسعود رضي الله عنه في خدمته للنبي صلى الله عليه وسلم.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات